مشاهدة النسخة كاملة : سؤال يستحق الاهتمام
Burhan
04-18-2006, 04:20 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اما بعد
يقول احد الاصدقاء المسيحيين انه وجد في كتب الاسلام عبارة (((((((((من اتخذ من غير الاسلام ديناً فهو من الكافرين*)))))))))))
وحسب ما قال لي هذا يعني ان المسيحيين من الكافرين (هذا ما يقصده الاسلام نقلاً عن الرجل المسيحي*))))
يقول ان الاسلام بقيادة رسول الله (ص) اجبر الناس على الاسلام بالسيف
ولي انا سؤال أخر
هل يحل للمسلم (ع) ان يتجوز من مسيحية ابوها مسيحي و امها مسلمه (ع) و لكن اهلها لم يتم تسجيل زواجهن عربيا سوريا لان الرجل لم يعلن اسلامه
وشكرا لكم
وفقنا و وفقكم الله
younos623
04-18-2006, 04:56 AM
سيدنا ابراهيم الخليل هو الذي أطلق اسم المسلمين على الذين آمنوا وعملوا الصالحات :
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج:78)
وكذلك نبي الله موسى كان مسلما :
وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) (يونس:84)
والشواهد كثيرة وهذا يكفي لنعرف أن مفهوم الإسلام أشمل من يطلق على أتباع أي دين دون سواهم
فهو لجميع من أسلم قلبه لله وهو مؤمن وعمل صالحا
وبموجب المبدأ القرآني فهو يشمل جميع البشر من جميع الأديان :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:62)
)لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة:177)
)يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران:114)
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً) (النساء:136)
)لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً) (النساء:162)
)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (المائدة:69)
الاسلام لم يجبر أحدا على الإسلام :
)إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص:56)
)قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:64)
القرآن أشار بأن من أهل الكتاب مؤمنون صالحون ومنهم كفار فاسقون وكذلك الأمر بين أتباع الدعوة المحمدية
)كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران:110)
وقوله أكثرهم الفاسقون ليس خاصا بهم وحدهم بل هو عام للناس جميعا
)وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) (لأعراف:102)
)وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (لأنفال:34) )وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (يونس:36)
)أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (يونس:55) )وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (يوسف:106)
وحتى بين المسلمين :
)وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) (التوبة:101) )
قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الحجرات:14)
وأسلمنا في الآية الأخيرة ليست على معنى الإسلام المقصود والذي سمانا به أبونا ابراهيم الخليل
هذا غيض من فيض والشواهد كثيرة وتدل على أن جنود الله في كل مكان وزمان وطائفة ودين
أما بخصوص الزواج فاسألوا المفتي أو القاضي الشرعي
المؤمن يتزوج المؤمنة , وقد ثبت لدينا أن المؤمنين في كل الأديان والإسلام شمولي لجميع الخلق وكذلك الحج فقد كتب على الناس كافة وليس على المسلمين فقط
)فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:97)
فهل في هذا شك أيضا أو تأويل ؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
فمن يستطيع منكم أن يحكم على بالكفر والإيمان على الناس فليرفع يده وبالدور يا شباب ما بدنا ضجة ...
mahmoud55
04-18-2006, 09:16 AM
شكرا أخي يونس على هذا الجواب المحكم
وبالنسبة لسؤال الزواج من مسيحية أبوها مسيحي وأمها مسلمة ولم يتم تسجيل زواجهم في سوريا
فهذا سؤال متداخل والسؤال عليه هو هل تم تسجيلهم في غير سوريا
ثم لا ينال الأبناء ما جناه عليهم الآباء , لذلك الأهم هو هل هذه الفتاة المسيحية مؤمنة أم لأ ؟؟؟
الناسخ 81
04-19-2006, 02:23 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اما بعد
يقول احد الاصدقاء المسيحيين انه وجد في كتب الاسلام عبارة (((((((((من اتخذ من غير الاسلام ديناً فهو من الكافرين*)))))))))))
وحسب ما قال لي هذا يعني ان المسيحيين من الكافرين (هذا ما يقصده الاسلام نقلاً عن الرجل المسيحي*))))
يقول ان الاسلام بقيادة رسول الله (ص) اجبر الناس على الاسلام بالسيف
========================
[COLOR="Purple"][SIZE="4"][FONT="Arial Black"]أخي الكريم
السلام عليكم
أحيلك إلى هذا الرابط الذي تناول هذا الموضوع
وإن شاء الله تجد فيه الجواب الشافي
http://www.myali.net/showthread.php?t=316
راية علي
04-19-2006, 09:25 PM
ابن العم العزيز برهان .. السلام و التحية..
أشكر إخوتي ممن سبقني ووضع رأيه هنا...
و وددت أن أشارك أنا أيضا برأي ..:
في مايتعلق بموضوع الزواج من إمرأة ليست مسلمة أو أن أحد أبويها ليس من المسلمين ، فأقول هنا أنه يحق للمسلم أن يتزوج من كل الأديان و من كل الملل..و لا يؤخذ بعين الإعتبار كون أحد أبويها ليس مسلما... أو أن زواج أهلها غير مسجل أو غيرشرعي هذا الكلام مبتوت فيه شرعا و قانونا..
و في سورية يحق للمسلم أن يتزوج مسيحية و أن تبقى على دينها و لكنها تحرم من ميراث زوجها فقط ، و هذا أيضا كلام مبتوت فيه قانونا..
أما فيما يتعلق بقول صديقك المسيحي:
أولا أكرر دعوتي له للتسجيل بمنتدانا .. و هو و غيره مرحب بهم جدا و لكن ضمن القواعد المتعارف عليها ..من احترام لأعضاء المنتدى و مشاعرهم..فقط لا غير..
ثانيا.. فيما يخص موضوع أن :
من اتخذ من غير الاسلام ديناً فهو من الكافرين
فجوابي بسيط و هو أنني لا أعرف من أين أتى صديقك بهذا المقولة المضللة؟؟؟ فلا هي موجودة في القرآن و لاهي بحديث للرسول؟؟؟؟
فعلى أي شيء استند الأخ العزيز بهذه المقولة ، او بالأحرى من أين جاء بها؟؟؟؟
بحثت عنها طويلا و لم اجد نتيجة مطابقة لها؟؟؟
و عن كون المسيحيين من الكافرين فهو قول يبتعد عن الحقيقة كثيرا لا بل هو هو قول أيضا مضلل..؟ و على ما يبدو أنك هذا الأخ الصديق يشاهد كثيرا القنوات الفضائية ( المسيحية) و التي أقل مايمكن القول عنها أنها مشبوهه كثيرا جدا...و أنصحه إن كان يتابعها .. أن يترك هذه العادة لأن هذه القنوات تبث السم بين الإخوة و الأشقاء في الوطن الواحد و أهدافها معروفة مكشوفة...
و أنا أقول لك أن الفرق الوحيد و الأكبر بين الرواية التاريخية للمسيح بين الأسلام و المسيحية هي أن الإسلام لم يؤكد حادثة الصلب... و المسيحية تقول أنه صلب.. و لكن الإسلام و بنفس الوقت يؤكد قيامة المسيح و هذا برأي أهم و أقوى من حادثة الصلب.. أليس كذلك؟؟؟
إذا أن ما يجمعنا مع المسيحيين أكبر و أقوى بكثير مما يفرقنا.. و أستغرب كون البعض من الجهلة مسلمين كانوا أم مسيحيين ، يركضون وراء ما يفرقنا و يحاولون إبرازه بشتى الطرق....؟؟!!!!!!
إن كل مسلم يؤمن بنبوة عيسى و منزلته من الله و بإمه مريم.. و لاداعي لخوض التفاصيل الصغيرة لأنها تحيدنا عن الموضوع الأهم برأي هو أننا نعبد الله جميعنا....
ثالثا.. عن موضوع أن الأسلام انتشر بالسيف.. فلصديقك الحق ان يتكلم عن دولة العثمانيين و الأتراك لا عن دولة العرب...
و أبرز هنا عدد من الشواهد التاريخية...
أبدأها بترك عمر بن الخطاب مسيحيي القدس على دينهم و لم يقم بإجبارهم على الأسلام..و حتى أنه لم يصل بالكنيسة و إنما صلى بجانبها خشية أن تتحول إلى جامع..
و ثاني هذه الشواهد هي أن المسلمين دخلوا دمشق و حمص و حلب دون قتال لا بل فتحت لهم هذه المدن طواعية من قبل أهلها.. و الذين هم عرب أيضا...
ثالث هذه الشواهد هو أن الجامع الأموي في دمشق لم يصبح جامعا بعد دخول العرب إليها فورا بل بعد قرابة الخمسين عاما و بقي يجاور الكنيسة الموجودة هناك دهر طويل من الزمن.. و المعلوم أن سكان دمشق من المسيحيين تنازلوا طواعية عن الكنيسة بعد أن هدمها الزلزال المشهور أنذاك و لم يقوموا بترميمها ، و أخذوا أرضا أخرى بدلا عنها أقاموا عليها كنيسة..
أنا الأن لا أستطيع ذكر المراجع التاريخية لهذه المعلومة ، و لكن إن أصر صديقك عليها فسأقوم بإيجادها و عرضها بكل سرور...
ملاحظة:
هناك خطأ تاريخي شائع جدا و أرجوا من الإخوة الإهتمام به و تصحيحه...و هو:
أن إخوتنا المسيحيين يقولون أن الجامع الأموي كان كنيسة قبل أن يكون جامعا..!!! و هذا خطأ شائع..
و الصحيح هو أن هذا المكان كان مكان معبد الإله حدد الأرامي قبل المسيحية ، وعند إعتناق الإمبراطورية الرومانية للمسيحية في القرن الخامس الميلادي قام القيصر بتحويل هذا المعبد إلى كنيسة.. و بقيت كنيسة إلى مابعد دخول الإسلام إلى دمشق...و بني إلى جانبها مسجد ، و عندما دمر زلزال كبير دمشق في القرن السابع الثامن الميلادي لم يبق من الكنيسة إلا برجها فقط .. و عندها و بعد مفاوضات طويلة مع الخليفة الأموي ترك المسيحيون هذه الكنيسة و البرج دون ترميم و من ثم تنازلوا عنه للمسلمين الذين قاموا بترمييم هذا البرج و ضمه للمسجد و توسعته ليصبح على الشكل الحالي...
يمكن للمهتمين أن يراجعوا هذه المعلومات الموثقة في كتب التاريخ ذات الشأن كافة...
أعود لسرد الشواهد:
رابع هذه الشواهد هو أن المسلمين لما فتحواأرمينيا تركوا أهلها على دينهم و لم يقوموا بفعل أي شيء يخالف دينهم.. و بقيت أرمينيا تحت الحكم العربي 400 عام.. و بقيت كنيستها و بطريركيتها على ما هي عليه.. حتى قدوم الأتراك و إحتلالهم لها...و لدي كتاب ثمين سمين ( ثخين ) نادر جدا حول هذا الموضوع.. و هو أن أرمينيا تزخر و بكل معنى الكلمة بألاف الأثار الإسلامية العربية حتى يومنا هذا .. و الأرمن يفخرون بهذه المرحلة أيما افتخار..
و هذا ما يفسر لجوء الأرمن إلى العرب بأكثريتهم من جراء حادثة الإبادة على يد الأتراك في بداية القرن الماضي و لم يلجأوا إلى إيران..أو غيرها..
و يمكن إدراج مسيحيي مالطا و صقلية و جنوب إيطاليا و قبرص تحت هذا البند حيث حكمها العرب قرون طويلة و لم يقوموا بإسلمة أهاليها...
و في اسبانيا أيضا حيث حكمها العرب حوالي تسعة قرون و لم يقوموا أيضا بأسلمة أهلها و لم يطردوهم .. لا بل على العكس تماما إن المسيحيين الكاثوليك قاموا بقتل و إبادة العرب و ملاحقتهم على مدى مئة عام كاملة في ما عرف بمحاكم التفتيش ، حيث قتل و شرد و طرد و لوحق العرب فقط لكونهم مسلمين ... على يد حكومة قشتالة( كاتالونيا - برشلونة ) و حكومة بلنسية ( فالينسيا ) و فوق هذا كله قاموا باستخدام العرب في اكتشافاتهم و سجلوا هذه الإكتشافات بإسمهم.. و هكذا عرف كريستوفر كولومبوس بمكتشف أمريكا ولم يعرف أحدا أن من ساعده و دله على هذه الفتوحات هم الربابنة و البحارون العرب ... و الذين كانوا يجوبون البحار و المحيطات كلها.. و كانوا يعرفون الطرق البحرية كافة.. و هم من أقنع كولمبوس بأن هناك أرض ما وراء المحيط..
لا أغالي إن قلت أن الدماء العربية تجري في عروق كل شعوب جنوب أوروبا و بكثافة ..
أخر هذه الشواهد و أهمها هو أنه من المعروف أن الإسلام منتشر و بكثافة في دول جنوب غرب أسيا و في وسط و شرق أفريقيا..؟
هل يمكن لصديقك أن يشرح لنا كيف وصل الإسلام إلى هناك مع أنه من المعروف أن الجيوش الإسلامية لم تصل إلى هناك أبدا...؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!
كيف يمكن أن يكون بحد السيف و لم تصل الجيوش إلى هناك...؟
وصلها الإسلام عن طريق التجار و الجاليات العربية التي استوطنت تلك المناطق على مدى قرون طويلة...
هل يعلم صديقك أن اللغة العربية كانت لغة رسمية في أندونسيا و ماليزيا و سنغافورة و تنزانيا و كينيا حتى ماقبل مئة و خمسين عاما فقط..؟
هل هو حد السيف من فعل هذا؟؟
هل يعلم صديقك أنه و إلى اليوم تكتب على العملة الصينية كلمات بالعربي.. هل هذا هو حد السيف أيضا ؟؟؟؟
هل يعلم صديقك أن اللغة الأمهرية ( الإثيوبية ) و الهندية الحديثة و السواحلية ( التنزانية و الصومالية و الكينية و المالاوي ) تعج بالكلمات العربية؟؟؟؟ هذا ناهيك عن الطاجيكية و الباميرية و التتارية و الكازاخيةو الأبخازية ( الأباظة ) و الشركسية و الشيشانية و الكوميكية و الأدغية و الأفارية و الجيورجية ( الكرجية ) و الغزنوية و البشتونية و الفارسية و التركية و الأزبكية و القيرغيزية و البلوشية و البنغالية و الصحراوية و الألبانية ...
هذا إن دل يدل على قوة ثقافة العرب و عقيدتهم ، و على قوة الأسلام و شدة تأثيره ، و ليس من تأثير حد السيف... بينما نجد أن العثمانيين لم يتركوا أثارا كبيرة حيثما حلوا ..
أخيرا أرجوا أن أكون قد قدمت لمحة تاريخية مهمة ، و بنفس الوقت قد أجبت عن تساؤلاتك و تساؤلات صديقك العزيز ، مكررا دعوتي له بالمشاركة بالمنتدى.....
كما أرجوا منك أن تقول لي جواب صديقك على كلامنا هذا...
و السلام عليكم و رحمة الله
راية علي
04-19-2006, 09:27 PM
قمت بإدخال تعديل بسيط على المداخلة السابقة.. و لكنه لم يؤثر على السياق العام للموضوع...
Burhan
04-20-2006, 03:32 AM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
كل الشكر و الشكر لجميع الأخوة الذين شاركوا في الإجابة على السؤال
و لا يسعني أن أقول شيء ف الكلام مقنع و لكن أرغب أن أذكر كلاماً كنت سمعته و قد نسب الى امامنا الإمام إمام الأئمة ............علي بن ابي طالب
(((((((((((((((((ما ناقشت عالماً الا وغلبته وما ناقشت جاهلاً إلا و غلبني))))))))))))))))))
لا أريد بكلامي هذا انهاء قسري للمناقشة
و لكن الرجل كما ذكر أخي راية علي في تعليقه
ليس لديه الا معلومات مشبوهه من محطاة التلفزة أو مصادر غير موثوقة و يعود ليكرر أن الكلام الذي ذكره من أحد آيات قرآننا الكريم و يقول عن الفتوحات الإسلامية أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قادها باستخدام السيف و يخلط بين نشر الدعوة الإسلامية و الفتوحات الإسلامية
كما أنه نوه إلى حادثة الأفغاني الذي قصته تعم البلاد الذي أرتد عن الإسلام و دخل المسيحية و يريدون إعدامه
هنا أود أن أوجه سؤالاً مهما هل عقوبة قتل المرتدين تطرق عليها كتابنا الكريم أم رسولنا عليه الصلاة و السلام أم أنها مجرد فتوى دينية
و إن كان أحد يعلم بهذه الفتوة فأتمنى أن يعلمني و أكون له من الشاكرين
و كما نعلم جميعنا لا يكتمل إيمان أحدنا إلا إذا آمن بالكتب السماوية جميعها و الرسل أجمعين
فمن يحكم عقله لا يحتاج للكثير من التفكير حاشى الله و حاشا القرأن الكريم أن يذكر شيءان متناقضان ثانيّاً - لم أرغب ولن أرغب في حياتي أن أكون برنامج يخضع للبرمجة عن طريق الآخرين
أما عن الحوار و المناقشة ف يسعدني أن أتعلم ما لا أعلمه و يقدر الأخرين على إقناعي به
ما عدا بعض المسلمات التي بالفطرة نحن مقتنعين بها بل و تجري في دماءنا بل و في روحنا
لأنه من خلال كلامي مع هذا الرجل استنتجت فقط أن لديه قناعة ما و يريد إدخالها لرئسي من دون إعطاء فرصة للمناقشة معه ليرى ما هو رأيي
أعلمت الرجل بالمنتدى و أعلمته عن كيفية الدخول و المشاركة فإن كان ذو حجة مقنعة كما يدعي ف ليدخل الى المنتدى ملبياً دعوة الأخ راية علي
أكرر تشكري لكل من ساهم في هذه المناقشة و أتحفنا بالمعلومات النيرة
و اني أدعو الله عزوجل أن يوفقكم جميعا و يزيدكم من علمه
والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته
راية علي
04-20-2006, 09:45 AM
ابن العم العزيز برهان..
نسيت ذكر حادثة مهمة جدا جدا و هي في صلب الإسلام.. و هي كون السيدة خديجة الكبرى زوج الرسول الأعظم كانت مسيحية ، و خالها و رقة بن نوفل كان كاهن مكة...؟
و هناك الكثير الكثير من إخوتنا و أحبتنا و أولاد عمنا من المسيحيين يقولون قولا يعجبني جدا و أنا أؤيده و أوافقه و هم لا يعلمون أنهم بقولهم هذا يدعمون الإسلام و يقونه.. و هذا القول هو:
أن الإسلام كان في بدئه دعوة مسيحية.. و يقصدون أن محمدا كان داعية للمسيحية.. و أقول أناهنا : مادام دعوة مسيحية فلماذا لم يعتنق كل المسيحيين هذه الدعوة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
أبو طالب
04-20-2006, 05:56 PM
كما أنه نوه إلى حادثة الأفغاني الذي قصته تعم البلاد الذي أرتد عن الإسلام و دخل المسيحية و يريدون إعدامه
هنا أود أن أوجه سؤالاً مهما هل عقوبة قتل المرتدين تطرق عليها كتابنا الكريم أم رسولنا عليه الصلاة و السلام أم أنها مجرد فتوى دينية
أخي برهان باعتقادي لاشيء في الإسلام يدعى حق الردة وإنما هو أمر ابتدعه بعض الساسة لقتل معارضيهم وبدأذلك منذ عهد الخليفة أبو بكر بما سمي حروب الردة التي كانت في حقيقتها حروباً ضد من عارض خلافة أبو بكر...
وهنا سأورد بعض المقتطفات من كلام للدكتور احمد صبحي منصور في هذا الموضوع وهنا أحب أن أنوه بأني أورد دائماً ما أراه حقاً وكلاماً منطقياًأياً كان قائله
يقول الدكتور احمد صبحي منصور
إن ما يعرف بحد الردة يقوم على حديثين فقط، ورد أحدهما فى البخارى وهو الذى يدعو إلى قتل من بدل دينه، وورد الآخر فى صحيح مسلم وهو الذى يقول أنه لا يحل دم المسلم إلا بثلاث: قتل النفس والثيب الزانى والتارك لدينه المفارق للجماعة؟
حد الردة فى ضوء القرآن الكريم
أولاً: كلمة "حد" تعنى فى القرآن الشرع والحق ولا تعنى العقوبة
جاءت كلمة "حدود" فى القرآن الكريم (14) مرة. وكلها تعنى حقوق الله وتشريعاته، ولا تعنى العقوبة كما يدل مصطلح حد الردة أو "حد الزنا" وتطبيق "الحدود" فى الشريعة..
جاءت مرتين بمعنى شرع الله وأوامره فى قوله تعالى: ﴿الأعْرَابُ أَشَدّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ رَسُولِهِ﴾ (التوبة 97). وفى قوله تعالى: ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ﴾ (التوبة 112).
وجاءت مرة فى تشريع الصيام فى آية ﴿أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرّفَثُ إِلَىَ نِسَآئِكُمْ﴾ وفى نهايتها يقول تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ (البقرة 187).
وجاءت مرتين فى تشريع الميراث، يقول تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ (النساء 13، 14)..
وجاءت تسع مرات فى تشريعات الله تعالى فى الزواج والطلاق..
- منها مرة فى موضوع، الظهار أى إذا ظاهر الرجل على امرأته وحرمها على نفسه، فلا يرجع إليها إلا بعد تقديم الكفارة، ويقول تعالى بعدها ﴿تلك حدود الله﴾
- ومنها أربع مرات فى أية واحدة تتحدث عن الطلاق الأول للزوجة والطلاق الثانى يقول تعالى فيها ﴿الطّلاَقُ مَرّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمّآ آتَيْتُمُوهُنّ شَيْئاً إِلاّ أَن يَخَافَآ أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (البقرة 229).
- ومنها مرتان فى الآية التى تتحدث عن الطلاق للمرة الثالثة وحتمية أن تتزوج شخصاً آخر ﴿فَإِنْ طَلّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّىَ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة 230).
- ومنها مرتان فى تحريم إخراج المطلقة من بيتها قبل العدة ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنّ مِن بُيُوتِهِنّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (الطلاق 1).
هذه هى المواضع التى جاء فيها لفظ "الحدود" وكلها تعنى شرع الله وليس منها ما يتعلق بالعقوبات المنصوص عليها فى القرآن مثل السرقة والزنا والقصاص وقطع الطريق والقذف.. وليس منها ما يتعلق بالعقوبات التى استحدثها العصر العباسى لشرب الخمر والردة وترك الصلاة..
وذلك يدل على أن العصر العباسى وفقهاءه قد نحتوا لهم مسميات خاصة لا تتفق وتشريعات القرآن..
وذلك يدل أيضاً على أن عصر الرسول المرتبط بالقرآن أساساً لم يعرف مدلولاً اسمه "حد السرقة" أو "حد الزنا" وسائر العقوبات المنصوص عليها فى القرآن لأن القرآن حين ذكر عقوبة الجلد للزانى لم يستعمل كلمة حد الزنا ، وكذلك حين تحدث عن جريمة السرقة أو القذف أو القتل.. ويمكن مراجعة ذلك فى القرآن.
وهذا يؤكد على ذلك الفارق الجوهرى بين دين الله الحق ونوعيات التدين للبشر فى عصورهم المختلفة. فالله تعالى ينزل الدين نقياً خالصاً للسمو بالناس والترقى بهم، أما البشر فهم حين يتدينون فإنهم يضعون بصماتهم على الدين فتظهر تلك الفجوة بين الدين الحق وتدين البشر، ويضع البشر صورة قانونية تشريعية للتدين الذى يمارسونه، ويقوم الفقه بتلك المهمة، وطبيعى أن يحدث اختلاف بين مذاهب الفقه والتشريع القرآنى الأصيل لأن مذاهب الفقه تتأثر بالظروف الاجتماعية والنفسية والسياسية لصاحب المذهب وأتباعه..
ولذلك ليس غريباً أن يخترع الفقه مدلولات جديدة لم يذكرها تشريع القرآن، وليس غريباً أن يخترع عقوبات تخالف تشريعات القرآن ومنها ما اصطلحوا على تسميته بحد الردة..
وقبل أن نتعرض لموقف التشريع القرآنى من حد الردة نبدأ بموقف القرآن من التكفير.. فالتكفير هو أساس التشريع الفقهى فى قتل المرتد.. فلابد أن يسبق "إقامة الحد على المرتد" اتهامه بالكفر وإقامة محكمة تفتيش عن سريرته وعقيدته.
فهل يصح فى تشريع القرآن أن يتهم المسلم إنساناً بالكفر؟.
هذا هو المبحث التالى..
ثانياً: موقف القرآن من التكفير
لا يصح للمسلم أن يكفر غيره أو أن يقيم له محاكم تفتيش
منح الله تعالى البشر الحرية فى الإيمان به أو الكفر بذاته العلية، والدليل على ذلك واضح فى حياة البشر وفى أقوالهم وأفعالهم فى تاريخهم الماضى والحاضر..
والقرآن- كلام الله العزيز- فيه الإثبات على حرية البشر المطلقة فى الإيمان والكفر، يتضح ذلك فى قصص القرآن عن المشركين كما يتضح أيضاً فى حوار القرآن مع المشركين لإقناعهم بالعقل والمنطق، ولو لم يسمح الله لهم بالحرية ما كان ذلك الحوار وما كانت محاولة الإقناع، بل أن القرآن يؤكد على حرية البشر فى أن يؤمنوا أو أن يكفروا، وفى المقابل فإن مسئوليتهم تجاه هذه الحرية تتجلى يوم الحساب حيث سيحاسبهم رب العزة على اختيارهم، يقول تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنَا لِلظّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ (الكهف 29).
بل إن القرآن الكريم لم يصادر أقوال المشركين فى العيب فى ذات الله، فاليهود قالوا ﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾، وقالوا ﴿يد الله مغلولة﴾ وقال مشركو مكة وهم يرفضون إعطاء الصدقة ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمّا رِزَقَكُمُ الله قَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِلّذِينَ آمَنُوَاْ أَنُطْعِمُ مَن لّوْ يَشَآءُ اللّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاّ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ﴾ (يس 47).
أثبت القرآن هذه الأقوال ولم يصادرها، فصارت مع الرد القرآنى عليها ضمن آيات القرآن التى يتعبد المسلم بتلاوتها.
ومن الطبيعى أن يرد القرآن- كلام الله العزيز- على الأقوال التى تخالف دين الله تعالى، وهذا حق الله تعالى، وليس فقط لأن تعالى هو رب البشر وخالقهم وصاحب الدين الحق ولكن لأنه أيضاً تعامل مع البشر بمنطق العدل، فقد أعطاهم حرية الإيمان والكفر، وحرية إعلان الكفر وحرية العيب فى ذاته الإلهية العلية والتقول على الله تعالى، وفى مقابل ذلك فإن من حقه أن يصفهم بالكفر والعصيان وأن يرد على افتراءاتهم وأقوايلهم وينفى عن ذاته العلية اتخاذ الولد والشريك، وتلك قضايا تخصه جل وعلا، ومن حقه الرد عليها..
إلا أن عدل الله تعالى تجلى فى التعامل مع طوائف البشر. فحين يحكم بالكفر فإنه تعالى يضح حيثيات الاتهام وأسباب الوصف فيقول مثلاً ﴿لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ﴿لّقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ (المائدة 72، 73).
فالحكم من الله ليس عاماً وإنما هو خاص بمن يقول ذلك القول، وفى نفس الوقت فإن الذى يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحاً من المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين فهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يقول تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَادُواْ وَالنّصَارَىَ وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة 62).
ويقول تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَادُواْ وَالصّابِئُونَ وَالنّصَارَىَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (المائدة 69).
أى أن الله تعالى ليس منحازاً لأحد، فمن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر فهو من أولياء الله أصحاب الجنة، ومن يجعل لله ولداً أو يجعل إلهاً مع الله فإن الله تعالى يحكم عليه بالكفر..
وذلك هو ما يخص الله تعالى، فهو صاحب الدين وهو صاحب ومالك يوم الدين وهو الذى يرد على البشر إن أحسنوا فى العقيدة أو أساءوا فيها.
إلا أن الله تعالى لم يعط أحداً من البشر الحكم على الآخرين الأحياء بالكفر، بل أمر الله تعالى المؤمنين بأن يكون حوارهم بالحكمة والموعظة الحسنة مع معاصريهم ومع تأجيل الحكم إلى الله تعالى يوم القيامة ، وذلك ما كان مأموراً به خاتم النبيين عليهم الصلاة والسلام...
فالله تعالى يأمر بأن يكون الجدال مع أهل الكتاب بالتى هى أحسن، يقول تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوَاْ آمَنّا بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت 46).
فالجدال مع أهل الكتاب ممنوع إلا إذا كان بالتى هى أحسن... أى كان نقاشاً موضوعياً بالحجة دون إساءة، أما "الذين ظلموا" فلا جدال معهم حتى لا يتطور الأمر إلى إساءة متبادلة، والله تعالى نهى عن الجدال الذى ينتهى إلى إساءة ويقول: ﴿وَلاَ تَسُبّواْ الّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيّنّا لِكُلّ أُمّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمّ إِلَىَ رَبّهِمْ مّرْجِعُهُمْ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام 108). وعن الظالمين- أو بمفهومنا المتعصبين- يقول تعالى للنبى قال تعالى: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ. اللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الحج 68، 69). أى أنه لا مجال للجدال العقيم مع المتعصب، والأفضل الإعراض عنه وذلك شأن المؤمن دائماً، ويقول الله تعالى فى حال المؤمنين مع المتعصبين المتحفزين الظالمين ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (القصص 55).
وبالمناسبة فتلك الآية الكريمة نزلت فى حال مؤمنى أهل الكتاب ونزلت مثلاً لكل مؤمن فى الحوار أو الجدال بالتى هى أحسن وتحاشى الجدل مع المتعصبين.
ولذلك فإن الجدال بالتى هى أحسن هو سمة الحوار بين المؤمنين بالقرآن ومؤمنى أهل الكتاب وذلك معنى قوله تعالى ﴿وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾.
وحتى لا يقع المسلم فى اتهام أهل الكتاب بالكفر فإن القرآن يفرض صيغة محددة للحوار فيقول تعالى ﴿وَقُولُوَاْ آمَنّا بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أى نؤمن معاً بالله الواحد ونؤمن بما أنزل إليكم وما أنزل إلينا، ونحن له مسلمون، ولم يقل مثلاً "وأنتم كافرون" لأنه ممنوع اتهام المسلم لغيره بالكفر...
ولم يأت الأمر مثلاً بأن يستشهد المؤمن فى حواره مع أهل الكتاب بما قاله رب العزة عن أولئك الذين قالوا إن الله تعالى ثالث ثلاثة أو أن الله هو المسيح ابن مريم.. لأن ذلك هو قول الله تعالى ذاته فى الرد عليهم، أما نحن فما علينا إلا أن نحاور بالتى هى أحسن ونرجئ الحكم فى العقائد إلى يوم الدين يوم الحساب أمام الله تعالى..
وقد تحدثت سورة آل عمران عن ميلاد عيسى عليه السلام وبعثته ثم قالت: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذّكْرِ الْحَكِيمِ. إِنّ مَثَلَ عِيسَىَ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ. الْحَقّ مِن رّبّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن الْمُمْتَرِينَ﴾ (آل عمران 58: 60).
وبعد ذلك التوضيح عن بشرية المسيح عليه السلام ورسالته فماذا يكون موقف النبى إذا جاءه أهل الكتاب يجادلونه؟ هل يتهمهم بالكفر؟ هل يرميهم بالضلال؟ هل يتوعدهم بالجحيم؟..
تعالوا بنا نقرأ الآية التالية لنعرف الإجابة فى تلك السورة المدنية التى نزلت فى عصر قوة المسلمين وشوكتهم ﴿فَمَنْ حَآجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (آل عمران 61).
أى من جادلك فى طبيعة المسيح من بعد ما جاءك فيه من العلم أى بالقرآن فادعهم إلى المباهلة، أى الاحتكام إلى الله تعالى فى الدنيا، بأن يخرج الفريقان ومعهم الأبناء والنساء ويبتهلون إلى الله تعالى أن يلعن الكاذب منهما.. لم يقل القرآن للنبى إذا جادلوك فاحكم عليهم بالضلال والكفر ودخول الجحيم.. ولكن ابتهل إلى الله لكى تكون اللعنة من نصيب الكاذب من الفريقين، ومن الطبيعى أن كل فريق يعتقد الصدق فى نفسه..
أى أنه تصعيد وتأجيل للحكم إلى رب العزة لأنه وحده هو الذى يحكم بالكفر أو بالإيمان على عباده البشر، أما النبى فلا يملك أن يحكم بكفر أحد.
والقرآن فى دعوته لأهل الكتاب يضع أسلوب الحوار الراقى الذى يجب على المسلمين اتباعه، ويقول تعالى للنبى قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران 64).
فهذا هو الخطاب الراقى لأهل الكتاب أن ندعوهم إلى كلمة سواء نلتزم بها سوياً، أن نعبد الله وحده دون شريك وألا نتخذ كهنوتاً وأرباباً من البشر، فإن رفضوا فلا نتهمهم بالكفر ولا نتحدث بأسمهم أو باسم الله ولكن نتحدث باسمنا فقط، فنقول لهم اشهدوا إذن بأننا أسلمنا لله وحده..
لم يقل: فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون وأنتم كافرون، لأنه ليس من حق المسلم اتهام غيره بالكفر، وحسبه أن يعلن خضوعه لله ، وحسبه شرفاً أن يكون فعلاً عند الله كذلك..
والخلاصة أن الله تعالى هو وحده صاحب الحق فى أن يقول عن بعض أهل الكتاب ﴿لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
وهو وحده تعالى صاحب الحق أن يقول عن أهل الكتاب ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَآءَ اللّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (آل عمران 113، 114).
الله وحده هو الذى ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصّدُورُ﴾ وهو الأعلم بحقيقة الإيمان عند الأفراد والطوائف والأمم، والله تعالى يقول ﴿وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مّن بَعْضٍ﴾ (النساء 25).
أما نحن البشر فإذا كنا ندعى الإيمان حقاً فيجب أن نلتزم بأوامر الله تعالى فى أن نقول للناس حسنا ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ (البقرة 83).
وأن نجادلهم بالتى هى أحسن، وهل هناك أروع من قوله تعالى فى آداب الدعوة والحوار ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى اللّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السّيّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت 33، 34).
وقد يقول قائل:- إن الله تعالى أمر رسوله أن يقول ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ أى اتهمهم بالكفر وقال لهم ﴿يا أيها الكافرون﴾.
والجواب: إن أعداء النبى فى مكة كانوا يفخرون بكفرهم ولم يعتبروا ذلك الاتهام بالكفر نقيصة بأى حال، بل دأبوا على اتهام النبى بالسحر والجنون والكذب واعتبروا الإيمان بالقرآن جريمة تستوجب الإيذاء والحرب..
وإذن فإن قول النبى لهم ﴿يا أيها الكافرون﴾ ليس فيه إساءة لهم بل هو خطاب لهم بنا يحبون وبما يفخرون، والمهم إن فحوى الخطاب تقرر حرية العقيدة فى آيات السورة التى تنتهى بقوله ﴿لكم دينكم ولى دين﴾.
والأهم من ذلك هو آداب الحوار مع أولئك الذين كانوا يفخرون بكفرهم ويعتبرون الإيمان بالله ورسوله، هل كان الله تعالى يأمر رسوله فى الحوار معهم أن يتهمهم بالضلال ويحكم عليهم بدخول النار..
لنقرأ أسلوب الحوار الذى أمر الله به رسوله ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مّنَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللّهُ وَإِنّآ أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَىَ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ﴾ (سبأ 24) لم يأمره- وهو رسول الله- أن يقول للمشركين "أنا على هدى وأنتم فى ضلال، وإنما أمره أن يقول أحدنا على هدى والآخر فى ضلال.
وتقول الآية التالية ﴿قُل لاّ تُسْأَلُونَ عَمّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لم يقل: لستم مسئولين عن إجرامنا ولسنا مسئولين عن إجرامكم.
بل نسب الجرم لنفسه- وهو النبى- ولم ينسب إلى المجرمين إلا مجرد العمل.. إلى هذا الحد بلغت آداب الحوار مع المشركين المعاندين، وتقول الآية التالية ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبّنَا ثُمّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (سبأ 26).
أى يؤجل الحكم بينهم وبينه إلى لقاء الله تعالى يوم القيامة.
وذلك بالنسبة للنبى فى حواره مع المشركين..
فلم يكن من خصائص النبى أن يتهم أعداءه الأحياء الكفر.. وبالتالى فلم يكن من خصائصه أن يتهم مسلماً حيا بالكفر..
ومن الطبيعى أن من يتهم غيره بالكفر يضع نفسه فوق النبى، بل ويتقمص الدور الإلهى الذى هو لله وحده..
بين الجهاد والتكفير
الجهاد بالقرآن الكريم سلميا من أهم ملامح الجهاد الاسلامى، يقول تعالى " ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا. فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا. الفرقان51-52." أن القرآن هو الرسول القائم بيننا طالما ظل هناك قرآن يتلى، وطالما هو محفوظ بقدرة الله جل وعلا الى قيام الساعة. ومهمة القرآن أن يظل حجة الله تعالى على الناس الى قيام الساعة. النبى بشر مات ولكنه كرسول قام بتبليغ القرآن الذى سيظل رحمة للعالمين من عهده الى آخر دقيقة فى هذه الدنيا. محمد كبشر كان محدودا بالزمان والمكان والقرآن بعده يظل علما للهداية وحكما على الناس – خصوصا المسلمين ـ اذا تلاعب بهم الشيطان . والشيطان لم يقدم استقالته . سيظل يؤدى مهمته فى اضلال الناس الى قيام الساعة.
القرآن الكريم شرح مهمة ابليس وهى اضلالهم عن الطريق المستقيم أى وحى الله تعالى الحق، وخداع الناس بالأمنيات الباطلة أى بدخول الجنة مهما عصوا "الأعراف16-17 ""النساء 118-120". وهذه المهمة الشيطانية لها وسائل محددة تماثل وسائل الهداية ونقصد بها الوحى. فكما يوحى الله تعالى للأنبياء كذلك يوحى الشيطان لأوليائه. عن القرآن يقول تعالى :"وانه لتنزيل رب العالمين . نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين"... " وما تنزلت به الشياطين وما ينبغى لهم وما يستطيعون ، انهم عن السمع لمعزولون.".وبعدها يقول تعالى عن الوحى الشيطانى "هل أنبئكم على من تنزل الشياطين؟ تنزل على كل أفاك أثيم . يلقون السمع وأكثرهم كاذبون."الشعراء 192-195،،،210 ـ 212 ،، 221-223."
تختار الشياطين أكثر البشر كذبا واثما "أفاك أثيم" ليتسلط على الناس ببث أكاذيبه يقنعهم أنها من عند الله تعالى أو رسوله. يسميها وحيا أو مناما أو هاتفا فى يقظة أو منام. ويلقى اليه الناس اسماعهم ، وأكثرالمستمعين كاذبون يروى ويحكى عنه مصدقا له ،أو يكتب عنه ما يقول وينسخها أى يكتبها ويشاء الله تعالى أن يسمح بهذا التصرف فتتكاثر كتب الوحى الكاذب ونسخها "الحج 52-55". اولئك هم اعداء الأنبياء أو شياطين الانس بتعبير القرآن الكريم .يقول تعالى عنهم:" وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الانس والجن يوحى بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا، ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون". ثم يقول تعالى عن المستمعين المبهورين بهذا الوحى الضال:"ولتصغى اليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون." ثم يجعل الله تعالى القرآن الكريم حكما على هذا الوحى الكاذب فيقول:" أفغير الله ابتغى حكما؟ وهو الذى أنزل اليكم الكتاب مفصلا ؟." الأنعام 112-113 "
وهكذا يكون الجهاد بالقرآن ضد اولئك الذين افتروا على الله تعالى كذبا وكذبوا بآياته، وهم الذين جعلهم الله تعالى اظلم الناس جميعا: "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته." الاعراف 37 يونس 17"".
الجهاد هنا فكرى عقلى بالقرآن ليواجه الأكاذيب التى ينسبونها لله تعالى ووحيه ورسوله. ليس موجها للأشخاص مثل الجهاد القتالى ولكنه موجه للوحى الكاذب نفسه يحتكم فيه لكتاب الله تعالى، محذرا الناس منه، وللنصح والتذكير وليس للسب والتكفير. ومن منتجات هذا الوحى الكاذب حد الردة موضوع هذا الكتاب. وما نفعله هنا هو ذلك الجهاد القرآنى السلمى للتحذير وليس للتكفير.
قبل طرد ابليس من الملأ الأعلى – بسبب عصيانه الأمر الآلهى بالسجود لآدم – قال ابليس متحديا رب العزة جل وعلا عن ذرية آدم ـ أى عنا :"..لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين."الأعراف16-17." ومع أن الله تعالى كشف الاعيبه وأوضح وسائله الا أنه ينجح دائما فى خداع الأكثرية من البشر حتى الآن والى قيام الساعة ، والسبب انه لا يقدم لهم نفسه كشيطان عدو للرحمن ولكن من خلال اسلام مغشوش يحمل اسم الاسلام زورا وبهتانا عبرأحاديث منسوبة لله تعالى ورسوله الكريم، ولا تخلو من زخرف القول وما تشتهيه النفس وتتمناه. وهنا يكون جهادا واجبا أن نبرىء الاسلام من هذا الزيف باللجوء للقرآن والاحتكام اليه فى هذا الغش والزيف املا فى هداية المخدوعين بزخرف الشيطان وغروره.
والله تعالى أخبر مقدما فى القرآن الكريم بما سيقوله للبشر الضالين يوم القيامة وقد خدعهم ابليس جيلا بعد جيل بسبب التقليد وعبادة المتوارث والتراث دون فهم او تعقل. سيقول تعالى لهم جميعا يوم القيامة يذكرهم بمانسوه" ألم أعهد اليكم يابنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين وأن أعبدونى هذا صراط مستقيم. ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون.""يس 60 -63 . وفى جهنم سيجدونه بينهم :" وقال الشيطان لما قضى الأمر ان الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم ، وما كان لى عليكم من سلطان . الا ان دعوتكم فاستجبتم لى، فلا تلومونى ولوموا أنفسكم..""ابراهيم23" لم يدعهم بنفسه أو بصوته وانما بلسان اتباعه الذين ينشرون وحيه الكاذب المناقض لكتاب الله تعالى... وحتى ننجو من هذا المصيرلا بد من عرض عقائدنا على كتاب الله لننظف منها الأحاديث المفتراة ، وهذه وظيفة العلماء الذين قال الله تعالى عنهم:"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" المجادلة 11" وهى أيضا وظيفة الأشهاد الذين يجاهدون بالقرآن سلميا فى هذه الدنيا لأظهار الحق وازهاق الباطل .وقد وعدهم الله تعالى بالنصرفى الدنيا وأن يكونوا شهداء على أقوامهم فى الآخرة " "انا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار."غافر 51-52".
والخلاصة هنا أن الجهاد لتوضيح الحق القرآنى وتبرئة الاسلام من مفتريات الشيطان لا صلة له بالتكفير لأنه يواجه العقائد ويسعى لانقاذ الأشخاص من الضلال بالقرآن وليس لتكفيرهم..
والنبى نفسه لم يحدث أن أقام محاكم تفتيش للمنافقين فى المدينة وقد كان فيها الحاكم المطاع، وكان المنافقون يمثلون المعارضة السياسية والدينية، وكانوا يتآمرون عليه فى أوقات السلم وأوقات الحرب، بما يستوجب فى الدولة الديمقراطية أن يحاكموا بتهم قد تصل إلى درجة الخيانة العظمى.
ونأخذ أمثلة من القرآن الكريم لموقف النبى من المنافقين والمشركين.
- كان بعضهم يسارع إلى اعلان الردة والكفر ويحزن الرسول لذلك، ولكن لم يكن له أن يحاكمهم أو يقيم عليهم حد الردة أو يعقد لهم محاكم تفتيش، كان يكتفى بالحزن ويقول له ﴿يَأَيّهَا الرّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الّذِينَ قَالُوَاْ آمَنّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ (المائدة 41).
ويطمئنه ربه بأن أولئك الذين يسارعون فى الكفر والردة لن يكون لهم حظ فى الآخرة وذلك يكفى فى عقابهم ويغنى عن اضطهادهم فى الدنيا، يقول تعالى لرسوله: ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ الّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنّهُمْ لَن يَضُرّواْ اللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللّهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الاَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِنّ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرّواْ اللّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران 176، 177).
- إن المرتد لا يمكن أن يضر الله شيئاً، ويكفيه ما سيناله من عذاب القيامة إذا مات على كفره، وبعض المنافقين كان يتطرف فى كفره إلى درجة التآمر على النبى وعلى المؤمنين فى أوقات الحروب، ومع ذلك فإن النبى لم يعقد لهم محاكم تفتيش، يقول تعالى عن تآمرهم على النبى ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيّتَ طَآئِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ الّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَىَ بِاللّهِ وَكِيلاً﴾ (النساء 81).
أى كانوا يقدمون للنبى فروض الولاء ويدخلون عليه فى مظهر الطاعة فإذا خرجوا من عنده تآمروا عليه وكذبوا عليه وتقولوا عليه ما لم يقل، والله تعالى الذى يخبر رسوله بمؤامراتهم يخبره أيضاً بأنه يسجل عليهم تآمرهم ويكتب عنده أقوالهم ويأمر النبى بالإعراض عنهم وأن يتوكل على الله وكفى بالله وكيلا، لم يقل له ربه أقم لهم محاكم تفتيش واحكم عليهم بالردة والقتل والخيانة العظمى..
- وكانوا يتآمرون على المسلمين والنبى فى الوقت العصيب، وقت المعارك مع المشركين، يتأرجحون فى الولاء بين المسلمين والمشركين، وتلك خيانة عظمى، ويتضمنون للغالب أو يتظاهرون بذلك، يقول تعالى عنهم ﴿الّذِينَ يَتَرَبّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ اللّهِ قَالُوَاْ أَلَمْ نَكُنْ مّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوَاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء 141).
يقول الله تعالى للنبى والمؤمنين معه عنهم ﴿فالله يحكم بينكم﴾ أى تأجيل للحكم إلى يوم القيامة، لأنه ليس هناك مجال فى دولة الإسلام الحقيقية لأى نوع من محاكم التفتيش وليس هناك فى تشريع الإسلام الحقيقى ما يعرف بحد الردة.. وإلا كان النبى أول من طبقه وأول من ينفذه فى المنافقين الذين قال عنهم رب العزة ﴿إِنّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ (النساء 145).
إن تأجيل الحكم إلى يوم القيامة فيما يخص العقائد وحقوق الله تعالى من الأمور المقررة فى القرآن، ومن أهم خصائص العقيدة الصحيحة فى الإيمان بالله واليوم الآخر..
وذلك ما نزلت به الرسالات السماوية وقاله الأنبياء والمرسلون، وأخبر به رب العزة فى القرآن الكريم..
- لقد قال الله تعالى لعيسى عليه السلام ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَعِيسَىَ إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الّذِينَ اتّبَعُوكَ فَوْقَ الّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمّ إِلَيّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (آل عمران 55).
فالله تعالى هو الذى سيحكم بين النصارى فى اختلافاتهم الدينية يوم القيامة، ولو آمنوا بذلك لما عرف تاريخ العصور الوسطى إقامة محاكم التفتيش وحرق المتهمين بتهمة الهرطقة..
- والله تعالى يقول عن اليهود ﴿إِنّمَا جُعِلَ السّبْتُ عَلَىَ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنّ رَبّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل 124).
فالحكم لله تعالى يوم القيامة فيما يخص اختلافات اليهود فى السبت وغيره.
ومشركو قريش وغيرها كفروا بالقرآن وموعد محاكمتهم يوم القيامة الذى هو يوم (الدين) حيث يكون الملك لله وحده، وهو تعالى وحده صاحب الدين ومالك يوم الدين، ولذلك يقول تعالى عن الكافرين بالقرآن ﴿وَلاَ يَزَالُ الّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ حَتّىَ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (الحج 55).
وكانوا إذا جاءوا يجادلون بالتى هى أسوأ يقول له ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ. اللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الحج 68، 69).. أى تأجيل الحكم بينهم وبين النبى إلى يوم القيامة.
ولذلك كان الله تعالى يأمر الرسول بالصبر إلى أن يأتى الوعد الحق يوم القيامة ويتحقق ما وعده ربه به وتقام المحاكمة الكبرى يوم الحساب يقول الله تعالى للنبى ﴿فَاصْبِرْ إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَـإِمّا نُرِيَنّكَ بَعْضَ الّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفّيَنّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (غافر 77).
ويقول له ربه ﴿وَإِمّا نُرِيَنّكَ بَعْضَ الّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفّيَنّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَىَ مَا يَفْعَلُونَ﴾ (يونس 46). فالجديد فى المحاكمة الكبرى أن الله تعالى هو الشهيد على ما يفعلون وهو الوكيل- أى الذى يتوكل ويعتمد عليه- المؤمنون.
وكفى به تعالى شهيداً وكفى به تعالى وكيلا..
وإذا استوعب المؤمن هذه المعانى أحس بالإشفاق على الذى يغويه الشيطان ويوقعه فى الضلال، لذلك فإن الله تعالى يأمر المؤمنين بالغفران لمن يضل، يقول تعالى: ﴿قُل لّلّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيّامَ اللّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ. مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمّ إِلَىَ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (الجاثية 14، 15).
والمؤمن إذا تفكر فى العذاب الذى ينتظر الضالين فى الآخرة تحول إشفاقه عليهم إلى صفح وغفران، إذ يكفيهم ما ينتظرهم من هول يوم القيامة، ولن يفكر بتاتاً فى اضطهادهم أو محاكمتهم، يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاّ بِالْحَقّ وَإِنّ السّاعَةَ لاَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (الحجر 85).
فالساعة آتية وفيها يوم الحساب، وما عليك إلا أن تصفح، وليس مجرد الصفح، بل الصفح الجميل.
أى أن الله تعالى يجعل قضية الإيمان والكفر من اختصاص الله تعالى وليست خصائص النبى، فليس على النبى إلا التبليغ والإنذار والتبشير.. فإذا حزن لأن بعضهم ارتد فالله ينهاه عن الحزن لأن القضية تخص الله تعالى ولأن أولئك الذين يسارعون فى الكفر لن يضروا الله شيئاً، ولأن الله تعالى يريد أن يحرمهم من الجنة ويريد أن يعاقبهم بالنار..
إن الله تعالى يقول للنبى ﴿فَذَكّرْ إِنّمَآ أَنتَ مُذَكّرٌ. لّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ. إِلاّ مَن تَوَلّىَ وَكَفَرَ. فَيْعَذّبُهُ اللّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ. إِنّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ. ثُمّ إِنّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (الغاشية 21: 26).
إن السيطرة على عواطف الناس ومعتقداتهم فوق طاقة النبى نفسه، لذلك قال الله تعالى ﴿لست عليهم بمسيطر﴾ والدليل الواضح على ذلك أن سيطرة النبى على المدينة سياسياً لم تكفل له السيطرة الدينية على سكانها فكان منهم المنافقون، بل إن المؤمنين تآلفوا واجتمعوا حول النبى بإرادة الله تعالى وتدبيره، وليس بجهد النبى وإمكاناته، يقول تعالى: ﴿وَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مّآ أَلّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـَكِنّ اللّهَ أَلّفَ بَيْنَهُمْ إِنّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال 63). إن الذى يستطيع التحكم فى القلوب هو الله جل وعلا.. وقد شاء رب العزة أن يترك القلوب حرة فى أن تؤمن أو أن تكفر، فى أن تطيع أو أن تعصى فى أن تحب أو أن تكره، ومنع النبى من أن يتطرف فى حماسه للدعوة فيقع فى إكراه الناس على الإيمان، فقال تعالى للنبى ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ لآَمَنَ مَن فِي الأرْضِ كُلّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّىَ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس 99).
ولذلك فإن محاكمتهم وعقابهم من شأن الله تعالى وحده ومن حق الله تعالى وحده ، والذى يغتصب لنفسه ذلك الحق الإلهى فقد جعل نفسه إلهاً مع الله مع أنه لا إله إلا الله
﴿أَنّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أى من قتل نفساً لم ترتكب جريمة قتل أو قتل نفساً خارج القصاص، وذلك هو المعنى الظاهر..
﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ﴾ والفساد فى الأرض هنا وصف لجريمة قتل النفس غير المستحقة للقتل، لذلك جاءت كلمة فساد مجرورة بالكسر..
﴿فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً﴾ وهنا نقف أمام مشكلة: كيف يكون قتل نفس واحدة مساوياً لقتل الناس جميعاً؟ أو بمعنى آخر لنفرض أن شخصاً قتل رجلاً واحداً، وأن رجلاً آخر قتل مليون رجل فهل يتساوى هذا وذلك فى مقدار الجريمة؟.
بالطبع لا...
إذن فالقرآن هنا لا يتحدث عن مجرد جريمة القتل، وإنما يتحدث عن الجريمة الأخطر والأفدح وهى الإفتاء بالقتل ظلماً، أو بالتعبير القرآنى الذى هو محور القصة ﴿فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ أى فالذى يفتى بقتل نفس لم تقتل نفساً أو غير مستحقة للقتل أو قتل نفس خارج القصاص فكأنما قتل الناس جميعاً، لأنه باختصار أصدر فتوى قابلة للتنفيذ والتطبيق فى كل عصر وفى كل مكان.. أى أصدر فتوى تقتل الناس جميعاً.
ذلك أن السبب الوحيد لقتل النفس هو القصاص، أو قتل القاتل قصاصاً، وذلك حكم الله، فإذا تجاوزنا حدود الله وشرع الله وحكمنا بغير ما أنزل الله فقد أصدرنا حكماً بالإعدام على الناس جميعاً، إذن فقوله تعالى مَن ﴿قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ﴾ لا تتحدث عن مجرد القتل ولكن عن جريمة أخطر وهى الإفتاء بقتل من لا يستحق القتل، ولذلك جاء الوصف بالفساد لتلك الجريمة فقال ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ﴾ ولذلك فإن تشريع القتل خارج القصاص أشد أنواع الفساد.
ثم يوضح القرآن المقصود وإنه الإفتاء الظالم وليس مجرد القتل فيقول تعالى ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً﴾ ومن الطبيعى أنه لا يمكن للقاتل أن يعيد القتيل للحياة، إذن فالمراد واضح وهو أن الجرم الأكبر هو الإفتاء بالقتل ظلماً ومن حارب الإفتاء بالقتل وأثبت إنه تشريع ما أنزل الله به من سلطان فإنه ينقذ الناس جميعاً من تلك الفتاوى المدمرة والسامة، أو كأنه أحيا الناس جميعاً..
إن القاعدة التشريعية الكلية فى القرآن الكريم تقول ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾ (البقرة 256).
ودعاة الكهنوت يفهمونها فهماً خاصاً ينفذون منه إلى تسويغ حد الردة المزعوم، فهم يحرفون معناها بأن الهدف منها أنه لا إكراه على دخول الدين، أما إذا دخل الدين أى الإسلام فقد أصبح مكرهاً ومجبراً على تنفيذ التشريعات الدينية، فإذا أراد الخروج من الدين واجهة حد الردة، وأدرك أنه محبوس فى القفص..
وهذا التحريف لمعنى قوله تعالى ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ يعنى أن الله تعالى نسى كلمة فى الآية أى أن الآية هى "لا إكراه فى دخول الدين" أى سقطت كلمة "دخول" واكتشف العباقرة ذلك وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، والحمد لله الذى حفظ القرآن من أى تحريف وإلا كانت أصابع الكهنوت قد حرفت فيه ما شاءت..
إن المعنى الواضح فى الآية إنه لا إكراه فى الدين، فى كل الدين، فلا ينبغى أن يكون هناك إكراه فى دخول الدين ولا إكراه فى الخروج من الدين ولا إكراه فى إقامة شعائر الدين فيما يخص حقوق الله، فالله تعالى يريد أن تعبده بدافع من اختيارك حباً فى الله ورغبة فى طاعته وليس للرياء أو خوف الإكراه، والمنافقون كانوا يقدمون الصدقات بهذه الطريقة وكانوا يصلون الصلاة رياءاً، فمنع الله تعالى النبى من أخذ الصدقة ولم يقبل صلاتهم، يقول تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاّ أَنّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصّلاَةَ إِلاّ وَهُمْ كُسَالَىَ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (التوبة 54). وفى نفس الوقت قال عن صنف آخر تاب وصدق توبته ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾ (التوبة 102). أى أخذ منهم الصدقة لأنهم يبذلونها عن طيب خاطر حتى يغفر لهم الله تعالى..
ونعود إلى قوله تعالى ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ الذى يمنع الإكراه فى دخول الدين والخروج منه ويمنع الاكراه فى إقامة حقوق الله من العبادات، ونقول إن تحريف معنى الآية وقصره على أنه لا إكراه فى دخول الدين فقط كان يستوجب أن يقال فيه "لا إكراه على الدين" فهنا يكون المعنى خاصاً بدخول الدين فقط..
والقرآن الكريم استعمل تعبير "الإكراه على" فى قوله تعالى ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ﴾ (النور 33). أى على الدخول فى طريق البغاء..
ولو أراد الله تعالى أن يقصر الإكراه على دخول الدين فقط لقال (لا إكراه على الدين) ولكنه أراد منع الإكراه فى كل ما يخص الدين فقط ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾.
والمهم أن القاعدة الكلية فى التشريع الإلهى هى منع الإكراه فى الدين فى دخوله وفى الخروج منه تأسيساً على حرية البشر التى كفلها لهم الله تعالى فى الإيمان أو الكفر وتأسيساً على أنهم سيقابلون الله تعالى يوم القيامة ليحاسبهم على اختيارهم.. ومن هذه القاعدة التشريعية الكلية تفرعت أحكام تشريعية تعكس التقلبات الدينية والسياسية فى عصر نزول القرآن، تلك التى تصاحب حركة كل مجتمع، ونزوع أبنائه للخير أو الشر، للهداية أو الضلال للإيمان أو الإلحاد، دخولهم فى الدين أو ارتدادهم عنه..
لقد عرضنا لموقف النبى حين كان يحزن بسبب أولئك الذين يسارعون فى الكفر بعد الإيمان، وما كان يملك أن يحاكمهم أو يقيم عليهم حد الردة لأنه ليس فى الإسلام حد ردة..
بل أن القرآن الكريم ذكر موضوع الردة تحديداً فى أربعة مواضع ولم يجعل فيها للمرتد عقوبة يقيمها عليه الحاكم، بل أوكل أمره لله تعالى يعاقبه فى الدنيا والآخرة.
يقول تعالى ﴿إِنّ الّذِينَ ارْتَدّواْ عَلَىَ أَدْبَارِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشّيْطَانُ سَوّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىَ لَهُمْ﴾ (محمد 25).
أى خدعهم الشيطان.. وتقرأ الآية بعدها لتبحث عن حد الردة المزعوم فلا تجد إلا تخويفاً لهم مما سيحدث عند الموت بالوفاة الطبيعية ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ (محمد 27). وعند يوم الحساب حين يحبط أعمالهم ﴿ذَلِكَ بِأَنّهُمُ اتّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد 28). أى تأجيل العقوبة لله تعالى يوم القيامة.
وجاءت المواضع الأخرى فى تحذير المؤمنين من الوقوع فى الردة كأن يقول تعالى ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ (المائدة 54). يعنى إذا ارتددتم فسيأتى الله بقوم غيركم يكونون أفضل منكم، وذلك المعنى جاء فى قوله تعالى ﴿وَإِن تَتَوَلّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمّ لاَ يَكُونُوَاْ أَمْثَالَكُم﴾ (محمد 38)
وهذا هو كل ما هنالك.. يستبدلهم بقوم آخرين، لأنه تعالى غنى عن العالمين ولو كفر أهل الأرض جميعاً فلن يضروه شيئاً..
ويقول تعالى يحذر المؤمنين من دسائس بعض أهل الكتاب ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (آل عمران 100).
ثم يقول تعالى يحببهم فى الإيمان ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىَ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ﴾.
ويقول تعالى يحذر المؤمنين من محاولات المشركين لاضطهادهم وفتنتهم ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّىَ يَرُدّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة 217).
لم يقل "ومن يرتد منكم عن دينه فجزاؤه القتل وحد الردة" وإنما جعل العقاب فى الآخرة إذا ظل يحيا مرتداً إلى نهاية حياته.. أى يظل المرتد حياً يعيش إلى أن يلقى مصيره بعد الموت.
نشأة حد الردة:
بين الأوزاعى وعكرمة:
- يقوم حد الردة المزعوم على مجرد حديثين روى أحدهما عكرمة مولى ابن عباس والآخر أعلنه الأوزاعى بدون سند وبدون رواة فى موقف عصيب.. ثم ما لبث أن رواه مسلم فى "صحيحه" بعد أن منحه السند والعنعنة..
- ونبدأ بالأوزاعى ودوره فى اختراع حديث الردة القائل "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزانى، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
- لقد عاش الأوزاعى فى الدولة الأموية وناصرها وخدمها ثم أدرك الدولة العباسية ومالأها وخدمها أيضاً.. ووجدت فيه الدولتان الأموية والعباسية خير من يمثل فقيه السلطة الذى يفتى لها بما تريد، لذلك عاش مكرماً فى عهد الأمويين، فما جاء أعداؤهم العباسيون يفتكون بالأمويين وعملائهم ظهر لهم الأوزاعى يعرض خدماته، فعفوا عنه لأنهم فى حاجة ماسة له.. فتمتع بالنعيم العباسى بعد أن تمتع بالنعيم الأموى..
إن الأمويين فى بداية الأمر لم يحتاجوا إلى فقهاء السلطة، فمعاوية لم يحتج فتوى حين قتل حجر بن عدى الكندى بسبب كلمة قالها، ولم يحتج معاوية لاتهام حجر بالردة أو إلى مبرر يتمسح بالشرع كى يقتله، وبزيد بن معاوية لم يحتج إلى فتوى حين قتل الحسين وآله فى كربلاء، ولم يحتج إلى فتوى تبيح غزو المدينة وانتهاك حرمتها، ولم يحتج إلى فتوى تبيح له حصار مكة وانتهاك حرمة الكعبة وضربها المجانيق..
إلا أن تلك الفظائع التى حدثت فى سنوات متتالية تركت أثراً هائلاً لدى المسلمين استغله بنجاح أعداء الأمويين من الشيعة والخوارج والموالى.. ولم يعد مجدياً أمام الجهاز الدعائى الأموى تبرير مقتل آل البيت وانتهاك حرمة مكة والمدينة بمجرد القصص والروايات، وكان القصص من المهام الرسمية فى الدولة الأموية ويمثل جهاز الإعلام فى عصرنا..
وكانت الطريقة الوحيدة هى التمسح بالمشيئة الإلهية، وذلك ما يفعله الظالم والعاصى فى تبرير ظلمه وعصيانه.. وهكذا بدأت الدعاية الأموية تتخذ مجرى جديداً يقول أن الله شاء أن يموت الحسين وآله قتلى فى كربلاء، وأن مشيئة الله اقتضت أن تنتهك حرمة البيت الحرام والمدينة. وإن الاعتراض على ذلك اعتراض على مشيئة الرحمن وخروج على الإسلام ويستحق القتل..
وبذلك بدأ القول بالجبرية ليبرر مظالم الأمويين السابقة واللاحقة
Burhan
04-20-2006, 06:23 PM
كل الشكر للاخ بكداش و ابن العم راية علي على هذه الإيضاحات
أبو اسكندر
04-20-2006, 06:29 PM
السلام عليكم أيها الإخوان ولو أنني أتيت متأخر فاعذروني
فقط أحببت أن ألقي التحية على المشاركين بهذا المقال والذين أغنوا الموضوع بالحجج القوية والدلائل والبراهين...
ما أسعدني هو لغة الحوار الطيبة والمبنية على احترام الآخرين ومعتقداتهم
وأوجّه تحية للأخ برهان وصديقه الذي أظنه هو نفسه... حلفتك بكل ماهو غالي عليك ألست أنت وصديقك شخص واحد..;) ؟؟
لا عيب في ذلك إن كان صحيحاً :rolleyes: بل لك الشكر على دخولك بهذه الطريقة الذكية واللبقة وخاصة أنك لم تجرح أحداً بكلامك وسألت متعلما وليس متعنتاً...
فليكن البساط بيننا أحمدياً مسيحياً مباركاً وليدلي كل بدلوه ومرحبا بكم جميعاً.
ملاحظة:
الأفكار المعروضة من الأخوة لا يؤمن بها كل المسلمين فهناك من لا يوافقنا على هذه النظرة المطروحة ويعتقدون أن من ليس مسلماً فهو كافر ويعرّفون الإسلام بمن اتبع محمداً (ص) فقط.
أبو طالب
04-20-2006, 06:59 PM
وبدأ حسن البصرى فى مقاومته تلك الدعوى بطريقة لينة خوفاً من الحجاج. إلا أن الحسن البصرى تشجع حين ظهر معبد بن خالد الجهنى وقال معلناً مقالته المشهورة "لا قدر والأمر أنف" ليرد على دعاوى الأمويين بأن ظلمهم يسير بقدر الله ومشيئته فقال معبد الجهنى أنه لا دخل لقدر الله فى تلك المعاصى وأن أمور الأمويين تجرى بالإكراه والاستبداد والظلم رغم أنوف المسلمين أى "لا قدر والأمر أنف".
وانتقل معبد الجهنى إلى البصرة وقابل الحسن البصرى وقال له: يا أبا سعيد هؤلاء الملوك يسفكون دماء المؤمنين ويأخذون أموالهم ويقولون إنما تجرى أعمالنا على قدر الله، ورد عليه الحسن البصرى: "كذب أعداء الله" وقد شارك معبد فى ثورة ابن الاشعث على الحجاج الثقفى وأسره الحجاج ومات تحت التعذيب بعد سنة 80 هـ.
وسمى مذهب معبد الجهنى بالقدرية التى تعنى مذهب الإرادة الحرة ومسئولية الإنسان عن أعماله، واشتق اسم القدرية من قول معبد "لا قدر والأمر أنف".
وحمل راية القدرية بعد الجهنى غيلان الدمشقى الذى انضم إلى الثائرين على الخليفة هشام بن عبد الملك، وأسره الأمويين وسجنوه . وكان غيلان الدمشقى من الفصحاء فاجتذب الكثيرين من الأتباع، لذا خشى هشام من قتله بدون محاكم فسلط عليه الأوزاعى فقيه الأمويين فى دمشق ودارت مناقشة أو محاكمة أفتى بعدها الأوزاعى لهشام بأن يقتل غيلان وصاحبه المسجون معه، وحتى ذلك الوقت لم يذكر الأوزاعى حديث الردة فأمر هشام بإخراجهما من السجن وقطع أيديهما وأرجلهما ثم قطع لسان غيلان فمات .
وهنا نتوقف مع الأوزاعى ونشأته فى ظل الدولة الأموية وخدمته لها ثم لأعدائها العباسيين فيما بعد.
ولد عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعى فى بعلبك سنة 115 ونشأ بالبقاع فى حجر أمه وكانت تنتقل به من بلد إلى بلد، وتأدب أى تعلم بنفسه، وقد كان شديد الطموح، وقد أدرك أن طريقه للوصول للجاه تأتى عن طريق الشهرة بين الناس والتزلف لبنى أمية، وإذا كان صعباً على الفقيه فى العراق أن يحظى بحب الناس مع حب بنى أمية، حيث تسود الكراهية للأمويين، فإن الوضع فى الشام مختلف، إذ أن أهل الشام هواهم مع الأمويين، لذلك كان سهلاً على الأوزاعى أن يحصل على الحظوة الشعبية والحظوة الأموية معاً.
وكان من السهل على الأوزاعى أن يستميل إليه أفئدة الناس بادعاء الزهد وسبك الكرامات- قبل ظهور التصوف بقرن من الزمان، وكان الرأى العام يحتفل بالزهاد ويحضر مجالسهم، وكان الأمويين فى نفس الوقت يحتاجون إلى وجود شيخ شعبى يقدم لهم إلى جانب الفتوى الملائمة المسوغ الشرعى لحكمهم الظالم، واستغل الأوزاعى تشوق المجتمع لقصص الزهاد والصالحين فأسرف فى تأليف الكرامات والوحى لنفسه فيقول "رأيت رب العزة فى المنام فقال أنت الذى تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فقلت بفضلك يا رب، ثم قلت: يا رب أمتنى على الإسلام، فقال: وعلى السنة" فهنا وحى كاذب يدعيه الأوزاعى لنفسه ويقبله منه عصره، وقد سبق به الأوزاعى ما قاله الصوفية بعده بقرن من الزمان، وهو فى ذلك المنام الذى ادعاه يجعل رب العزة يزكيه ويمدحه. وقد أشاعوا أن بعض الناس رأى مناماً يقال فيه "أن الأوزاعى خير من يمشى على الأرض" وتنتهى الأسطورة بادعاء أن من رأى هذا المنام لابد أن يموت، حتى لا يوجد الدليل على تلك الرؤيا أو تلك الدعوى أو ذلك المزعم.
وكان واضحاً أن الأوزاعى يقوم بهمة القصص. تلك المهنة التى ابتدعها الأمويين وجعلوا لها ديواناً رسمياً يبثون من خلاله دعايتهم وبياناتهم السياسية والدينية، وفى إحدى تلك المجالس حكى الأوزاعى عن نفسه قال "أردت بيت المقدس، فرافقت يهودياً فلما صرنا إلى طبرية، نزل فاستخرج ضفدعاً فوضع فى عنقه خيطاً فصار الضفدع خنزيراً، فقال أبيعه إلى هؤلاء النصارى، فذهب فباعه واشترى طعاماً فأكلناه ثم ركبنا، فما سرنا، غير بعيد حتى جاء القوم يطلبوننا، فقال لى: أحسبه صار فى أيديهم ضفدعاً، فحانت منى التفاته إليه فإذا بدنه فى ناحية ورأسه فى ناحية، فوقفت وجاء القوم فلما نظروا إليه فزعوا ورجعوا عنه فقال لى الرأس: أرجعوا؟ قلت نعم. فالتأم الرأس إلى البدن وركب وركبنا فقلت له لا أرافقك أبداً أذهب عنى".
وتلك الأسطورة لو قالها شخص عادى لاستحق السخرية من الناس ولكن حين يقولها شيخ يحظى بتصديق الناس له واعتقادهم فى دينه فلابد أن يصدقوه..- وقد استطاع الأوزاعى أن يقنع الناس بتقواه فوصفوه بأنه كان من شدة الخشوع كأنه أعمى وقالوا "أنه كان يعظ الناس فلا يبقى أحد فى مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه وما رأيناه يبكى فى مجلسه قط، وكان إذا اختلى بكى حتى يرحمه الناس" فكيف يبكى فى خلوة وكيف يرحمه الناس وهم لا يرون بكاءه..
والمستفاد من ذلك أن هناك من يشيع تلك الأخبار عن الأوزاعى حتى يعتقد الناس فى خشوعه وخوفه من الله. وكانت زوجته من ضمن فريق الدعاية، فقد دخلت امرأة عليها فرأت الحصير الذى يصلى عليه الأوزعى مبلولاً فقالت المرأة لعل الصبى تبول هنا؟ فقالت لها زوجة الأوزاعى: هذا أثر دموع الشيخ فى سجوده وهكذا يصبح كل يوم!!
ولذلك كان الأوزاعى فى الشام معظماً مكرماً كما يقول المؤرخ الشامى ابن كثير وكان أمره أعز عندهم من أمر السلطان، وقد أمر الوالى العباسى عبد الله بن على بعد القضاء على الأمويين بأن يقتل الأوزاعى باعتباره من عملائهم فقال له أصحابه دعه عنك والله لو أمر أهل الشام أن يقتلوك لقتلوك..
وقد حكى ابن كثير قصة ذلك اللقاء بين الأوزاعى والقائد العباسى عبد الله بن على عم الخليفة السفاح والجبار الذى أباد بنى أمية بالشام، يقول ابن كثير عن الأوزاعى "كان له فى بيت المال على الخلفاء إقطاع ـ اى ارضا زراعية أقطعوها له أى أعطوها له ـ صار له من بنى أمية وقد وصل إليه من خلفاء بنى أمية وأقاربهم وبنى العباس نحو السبعين ألف دينار".
أى استفاد من الدولتين أعطوه الإقطاعيات والزراعية والأموال.
ويقول ابن كثير "ولما دخل عبد الله بن على- عم السفاح أول خليفة عباسى- الذى أجلى بنى أمية عن الشام وأزال الله سبحانه وتعالى دولتهم على يده دمشق فطلب الأوزاعى فتغيب عنه ثلاثة أيام ثم حضر بين يديه".
أى أن القائد العباسى بعد أن أقام مذابح للأمويين وبعد أن نبش قبور الموتى من الخلفاء السابقين منهم، وبعد أن نكل بأعوان الأمويين استدعى الأوزاعى، فاختفى الأوزاعى ثلاثة أيام ثم حضر بين يديه وقد أعد ما سيقوله فى ذلك اللقاء العصيب لينجو برقبته من جبار بنى العباس وعم الخليفة السفاح نفسه.
وينقل ابن كثير رواية الأوزاعى نفسه عن ذلك اللقاء "قال الأوزاعى دخلت عليه وهو على سريره وفى يده خيرزانه والمسودة- أى القادة العباسيون وكانوا يلبسون السواد- عن يمينه وشماله معهم السيوف مصلته والعمد الحديد- أى الأعمدة الحديدية- فسلمت عليه، فلم يرد، ونكت بتلك الخيرزانة التى فى يده، ثم قال: يا أوزاعى ما ترى فيما صنعناه من إزالة أيدى الظلمة عن العباد والبلاد، أجهاداً ورباطاً هو؟ فقلت: يا أيها الأمير سمعت يحيى بن سعيد الأنصارى يقول: سمعت محمد بن إبراهيم التيمى يقول: سمعت علقمة بن وقاص يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". قال الأوزاعى فنكت بالخيزرانة أشد مما كان ينكت، وجعل من حوله يقبضون أيديهم على قبضات سيوفهم ثم قال: يا أوزاعى ما تقول فى دماء بنى أمية؟ فقلت: قال رسول الله: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزانى، والتارك لدينه المفارق للجماعة" قال الأوزاعى: فنكت بها أشد من ذلك ثم قال: ما تقول فى أموالهم فقلت: إن كانت فى أيديهم حرام فهى حرام عليك أيضاً وإن كانت لهم حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعى، قال: فنكت أشد مما كان ينكت قبل ذلك ثم قال: ألا نوليك القضاء؟ فقلت: أن أسلافك لم يكونوا يشقون على ذلك وإنى أحب أن يتم ما ابتدأونى به من إحسان، فقال: كأنك تحب الانصراف؟ فقلت: إن ورائى حرماً محتاجون إلى القيام عليهم وسترهن وقلوبهن مشغولة بسببى . قال الأوزاعى وانتظرت رأسى أن يسقط بين يدى، فأمرى بالانصراف فلما خرجت إذ برسوله من ورائى وإذا معه مائتا دينار، فقال: يقول لك الأمير استنفق هذه، قال الأوزاعى: فتصدقت بها، وإنما أخذتها خوفاً، وقال الراوى عن الأوزاعى، وكان فى تلك الأيام، الثلاثة صائماً، فقال إن الأمير لما بلغه ذلك عرض عليه الفطر عنده فأبى أن يفطر عنده.
اخترنا أن ننقل هذه الرواية الطويلة التى يحكيها الأوزاعى عن نفسه، وقد عرفنا جرأته على الكذب والاختلاق، ولكنها مع الشك فى بعض أجزائها إلا أنها تعطينا مشاعر الخوف لدى الأوزاعى، ذلك الخوف الذى لا يتفق مع تلك الردود الجريئة للأوزاعى خصوصاً وهو فقيه من فقهاء السلطة السابقة يريد أن ينجو من السلطة القادمة وقسوتها فى الانتقام، ولذلك لا نتصور أن يواجه جبار بنى العباس عبد الله بن على بأن يقول له مثلاً عن الأموال التى سلبها من الأمويين أن كانت فى أيديهم حراماً فهى حرام عليك أيضاً وإن كانت لهم حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعى.
إلا أن ذلك الخوف يفرض على فقيه من نوعية الأوزاعى أن يختفى أياماً يجهز فيها دفاعه عن نفسه وتملقه للسلطة الجديدة واستعداده لخدمتها وذلك بشتى الطرق، وإن كان قد جرؤ على أن يدعى أنه يرى الله تعالى فى المنام ويجعل رب العزة يزكيه ويمدحه فإن من السهل عليه أن يدعى حديثاً نبوياً يخترعه اختراعاً يبيح به للسلطة العباسية أن تقتل خصومها بتهم ثلاث: القصاص، والزنا بعد إحصان والخروج عن الجماعة والدين..
ويلاحظ أن الأوزاعى ذكر حديث "إنما الأعمال بالنيات" وحرص على أن يذكر إسناده وروايته بالتفصيل ولكنه حينما ذكر حديث الردة "لا يحل دم امرئ مسلم" فإنه لم يذكر له إسناداً لأنه لم يكن إسناد حتى ذلك الوقت أو بمعنى آخر لم يكن حديثاً على الإطلاق وإنما اختراع حديث قدمه الأوزاعى هدية يبرهن به للسلطة الجديدة على استعداده لخدمتهم.
ومن الطبيعى أن يقتنع عبد الله بن على بأهمية الإبقاء على الأوزاعى لأنه لن يستفيد من قتله شيئاً، بل ربما يثور عليه أهل الشام الذين يحبونه، ثم أن وجود الأوزاعى فى خدمته أفضل لتأكيد السيطرة على الشام.
ويذكر ابن كثير أن الأوزاعى اجتمع بالخليفة المنصور العباسة حين دخل المنصور الشام وقد أحبه المنصور وعظمه.. ولذلك وصلته الأعطيات والإقطاعيات من العباسيين كما كانت فى عهد الأمويين.
لقد ظلت هيبة الأوزاعى فى الشام تحتل قلوب أهله حتى أن الذهبى فى كتابه "ميزان الاعتدال" تحرج من نقد الأوزاعى فى ترجمته له واكتفى بأن يقول عن مسرور بن سعيد رواية الأوزاعى "غمزه أى هاجمه وطعن فيه- ابن حيان، فقال: يروى عن الأوزاعى المناكير الكثيرة..
أى أن الأوزاعى يروى أحاديث منكرة..
وأفظعها حديث الردة "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزانى، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
لأنه أعطى اثنين من المبررات لقتل النفس لا تستحق القتل، وقد وافق ذلك هوى الدولة العباسية لأنها بهذا الحديث المفترى وجدت غطاءاً تشريعياً للتخلص من خصومها الأمويين ثم الفرس..
لقد جاءت الدولة العباسية بمفهوم جديد للسلطة يخالف المفهوم الأموى، فإذا كانت الدولة الأموية تعول أساساً على قانون القوة فإن العباسيين الذين وصلوا للحكم تحت ستار الدعوة للرضى من آل محمد أو تحت شعار أنهم آل البيت كان لهم مفهوم جديد للسلطة هو قانون الشرع. فالخليفة الجديد يحكم بالسلطة الإلهية المستمدة من كونه من آل بيت النبى، والخليفة المنصور العباسى خطب يوم عرفة فقال: "يا أيها الناس إنما أنا سلطان الله فى أرضه أسوسكم بتوفيقه ورشده وخازنه على فيئه أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه ".
أى يحكم بالحق الإلهى وذلك ما كان سائداً فى العصور الوسطى وفى أوروبا باسم The Divine Right Of Kings ومن الطبيعى أن يؤسس أحكامه على أدلة تشريعية، وإذا كان عسيراً أن يجد هواه فى القرآن فإنه يمكن أن يخترع له فقهاء السلطة ما يريد من الأحاديث والفتاوى....
ولذلك فإن استئصال الأمويين فى السنوات الأولى للحكم العباسى كان بفتوى وحديث الردة الذى يحل دم المسلم بإحدى ثلاث وكلها تنطبق على فلول بنى أمية، فقد قتلوا آل البيت فى كربلاء وقتلوا كل ثائر من ذرية الحسين وآخر ضحاياهم كان إبراهيم المهدى صاحب الدعوة العباسية الذى قتله مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين فى الشام.. إذن ينطبق عليهم من وجهة نظر العباسيين قاعدة النفس بالنفس، ثم انهمك الأمويون فى عصرهم الأخير فى المجون والانحلال الخلقى وكان رائدهم فى ذلك بعض الخلفاء الأمويين مثل يزيد بن معاوية ويزيد بن عبد الملك والوليد بن يزيد ، أى كان من السهل اتهامهم بالزنا بعد إحصان، ومن السهل أيضاً اتهامهم بترك الدين ومفارقة الجماعة خصوصاً وقد اشتهروا بإماتة الصلاة وعدم إقامتها، وكانت صياغة الحديث بهذا الشكل تعبر عن فهم الأوزاعى لمتطلبات السلطة العباسية الجديدة واحتياجاتها فى التخلص من خصومها تحت غطاء شرعى مصطنع والدليل على ذلك رواج حديث الأوزاعى واستخدام السلطة العباسية له فى مواجهة خصومها الجدد وهم الفرس...
فالموالى الفرس هم الذين أعانوا العباسيين على إقامة ملكهم، وكان أبو مسلم الخرسانى وجنده هم القوة الضاربة للعباسيين، وحين جاء وقت توزيع الغنائم والمكاسب السياسية استأثر العباسيون بكل شىء وقتلوا أبا مسلم الخرسانى، فثارت ابنته فى خراسان وظهرت طائفة الأبومسلمية تحارب العباسيين فى شرق فارس، وكان لهم أتباعهم فى بغداد وفى البلاط العباسى، وبينما واجه العباسيون ثورات الموالى فى شرق فارس بإرسال الجيوش الجرارة فإنهم تتبعوا عملاء الثوار فى بغداد وعمدوا إلى التخلص منهم باتهامهم بالردة أو الزندقة، ولذلك نشط الخليفة المهدى العباسى فى تتبع الزنادقة وقتلهم بالتهم الثلاث الواردة فى حديث الأوزاعى، وكانت شهرة الفرس بالانحلال الدينى والأخلاقى مما يساعد على اتهامهم وقتلهم وفقاً لذلك التشيع الأوزاعى. والسطور الأولى فى تاريخ الخليفة المهدى العباسى تؤكد حرصه على إبادة الزنادقة وأنه تتبعهم فى كل مكان. والمهدى هو ابن الخليفة أبو جعفر المنصور، ولهذا لا تعجب إذا أصبحت للأوزاعى حظوة عند الخليفة المنصور العباسى أو بتعبير ابن كثير "وقد أحبه وعظمه".
ولا نعجب أيضاً إذا عامل المنصور العباسى فقيهاً آخر بالاضطهاد والعنت ثم قتله، إنه الإمام أبو حنيفة الذى يعتبر صورة معكوسة للأوزاعى..
لقد نشأ الأوزاعى فى الشام ينتمى إلى العرب ويخدم السلطة الأموية، أما أبو حنيفة فقد نشأ فى العراق منتمياً إلى الفرس ويناوئ السلطة الأموية وجاءت الدولة العباسية وسرعان ما أصلح الأوزاعى شئونه معها وصار صاحب حظوة عند الخليفة المنصور.
أما أبو حنيفة الذى ناوأ الدولة الأموية وتحقق أمله فى القضاء عليها فإنه لم يلبث أن حدثت الفجوة بينه وبين الخليفة المنصور فاضطهده وقتله بالسم.
فى حياته فى الدولة الأموية كان أبو حنيفة يناصر الثورات الشعبية العلوية ضدها ومنها ثورة زيد بن على زين العابدين سنة 121 وانتبهت له الدولة الأموية، وأراد الوالى على العراق ابن هبيرة أن يختبر ولاءه للأمويين لأنه لم يكن لديه دليل واضح على اشتراكه الفعلى فى ثورات العلويين، وفى ذلك الوقت كان العراق يموج بقلاقل ضد الأمويين فجمع ابن هيبرة فقهاء العراق ومنهم أبو حنيفة وأسند لكل واحد منهم عملاً وجعل فى يد أبو حنيفة الخاتم أو السلطة على كل الفقهاء، فلا أمر إلا بإذنه، ووافق الفقهاء على خدمة الدولة ماعدا أبو حنيفة، فهدده ابن هيبرة بالضرب والعذاب فأبى، فقال له الفقهاء: "إنا ننشدك الله أن تهلك نفسك فإنا أخوتك وكلنا كارهون لذلك الأمر" فقال أبو حنيفة: "لو أرادنى أعد له أبواب مسجد واسط لم أدخل فى ذلك، فكيف وهو يريد من أن يكتب دم رجل يضرب عنقه وأختم أنا على ذلك الكتاب؟ فوالله لا أدخل فى ذلك أبداً...!" وأمر ابن هيبرة بضرب أبى حنيفة وحبسه، فلما يأس منه فأطلق سراحه، فهرب أبو حنيفة إلى مكة، وظل فيها إلى أن قامت الدولة العباسية، فجاء للكوفة فى خلافة أبى جعفر المنصور .
- وكان طبيعياً أن تحتفل به الدولة العباسية لمواقفه مع آل البيت ومقاومته للدولة الأموية وكونه من ضحاياها، لذلك قربه الخليفة المنصور وكان يستشيره، إلا أن محاولة المنصور استغلال أبى حنيفة وجبروت المنصور فى التنكيل ببنى عمه العلويين عند ثورة محمد النفس الزكية سنة 145 جعل العلاقة تسوء بين الخليفة والفقيه الحر..
فقد اتهم المنصور أبا حنيفة بأنه يثبط القواد العباسيين عن حرب محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم، وراح المنصور يخطط للإيقاع بأبى حنيفة فى نفس الوقت الذى كان أبو حنيفة يفتى بما يعتقده حقاً وهو يعرف أن الخليفة لا يريد إلا الفتاوى التى تساعده فى حكمه..
كان المنصور قد اشترط على أهل الموصل أنهم إذا ثاروا عليه فإن دماءهم حلال، وثار أهل الموصل سنة 148 فجمع المنصور الفقهاء وفيهم أبو حنيفة وقال لهم: أهل الموصل قد شرطوا ألا يخرجوا علىّ وهاهم قد خرجوا وحلت لى دماؤهم، فقال الفقهاء: إن عفوت فأنت أهل للعفو وإن عاقبت فبما يستحقون، ولكن أبا حنيفة قال: يا أمير المؤمنين ليس لك أن تشترط عليهم سفك دمائهم، أرأيت لو أن امرأة أباحت جسدها بغير عقد نكاح أيجوز لها ذلك؟ فقال الخليفة: لا. وأمر الخليفة بانصراف الفقهاء ثم قال لأبى حنيفة: لا تفت الناس بما هو شين على إمامك فتقوم الثورات وتبسط أيدى الخوارج .
ويلاحظ أن أولئك الفقهاء الذين نافقوا المنصور هم نفس الفقهاء الذين أبدوا استعدادهم لخدمة ابن أبى هبيرة والى العراق للأمويين وكان منهم ابن أبى ليلى وابن شبرمة وابن أبى هند، وكانوا أعلام الفقهاء فى العراق. ومن الطبيعى أن يحقدوا على أبى حنيفة استقلاله واستقامته لذلك استجابوا لدعوة أبى جعفر المنصور فانطلقوا يهاجمون أبى حنيفة ويتهمونه بإنكار الأحاديث، تلك الأحاديث التى اصطنعوها لخدمة السلطة العباسية، وتطرف ابن أبى ليلى فى النيل من أبى حنيفة حتى يقول فيه أبو حنيفة: "إن ابن أبى ليلى ليستحل منى مالا استحله من حيوان"!!
وأتت تلك الحملة ثمارها إذ هيأت الفرصة للمنصور فى اغتيال أبى حنيفة بالسم بعد أن سجنه وضربه مائة وعشرة أسواط سنة 150 هـ .
ولكن ما علاقة ذلك بالأوزاعى.
إن الاختلاف بين الأوزاعى وأبى حنيفة فى الشخصية والسيرة الذاتية والمواقف من السلطة الحاكمة انعكس على المنهج الفكرى لكل منهما..
أبو حنيفة كان حريصاً على صيانة الأنفس والدماء وكان بنفس القدر يرفض الأحاديث الكاذبة وإذا اتهموه بأنه يكذب الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله كان يقول: "ردى على كل رجل يحدث عن النبى بخلاف القرآن ليس رداً على النبى ولا تكذيباً، ولكنه رد على من يحدث عنه بالباطل" .
أما الأوزاعى الذى عاصر أبى حنيفة فقد كان يحدث عن الرسول مناكير أى أحاديث ينكرها من يسمعها كما قال الذهبى فى ميزان الاعتدال، وكان يفترى أحاديث عن رب العزة وبنفس القدر كان يفتى للحاكم باستحلال الدماء، كما أفتى لهشام بن عبد الملك الأموى بقتل غيلان الدمشقى، ثم أفتى للعباسيين باستحلال دماء الأمويين، ولذلك عاش فى كنف الأمويين ثم العباسيين، بينما لقى أبو حنيفة الاضطهاد من الأمويين ثم من العباسيين.
ومن الطبيعى أن يحدث تنافر بين أبى حنيفة والأوزاعى.
فالأحاديث التى كان يرويها- أو يفتريها الأوزاعى- كان يرفضها أبو حنيفة، وكانت بينهما مناقشات وحوارات فى رفع الأيدى عند الركوع وعند القيام منه.. وكان أبو حنيفة يقدم الرأى والقياس أى اجتهاده الشخصى على أحاديث الأوزاعى وغيره..
وكان الأوزاعى يرد عليه ويقول: إننا لا ننقم على أبى حنيفة أنه رأى- أى يقول بالرأى- كلنا يرى- أى كلنا يقول بالرأى والاجتهاد- ولكننا ننقم عليه أنه يجيئه الحديث عن النبى فيخالفه إلى غيره .
الأوزاعى يعتقد أنه طالما اخترع حديثاً فقد أصبح حديثاً قاله الرسول، وأبو حنيفة كان يقول فى الرد على الأوزاعى وغيره من فقهاء السلطة "ردى على كل رجل يحدث عن النبى بخلاف القرآن ليس رداً على النبى ولا تكذيباً له ولكنه رد على من يحدث عنه بالباطل"!!.
حديث الأوزاعى فى صحيح مسلم
عمل فقهاء الدولة العباسية على نشر حديث الأوزاعى وجعلوا له إسناداً بعد أن ذكره الأوزاعى بدون إسناد، وشاع الحديث على الألسنة إلى أن ذكره مسلم فى صحيحه بعد موت الأوزاعى بقرنين من الزمان وبدون إشارة إلى الإوزاعى فى سلسلة الرواة والسند.
وقد ذكر مسلم رواته على النحو الآتى:
حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة عن حفص بن غياث وأبو معاوية عن وكيع عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله (ابن مسعود) قال: قال رسول الله: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانى والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة..
- وصيغة الحديث نرى فيها الصنعة الأوزاعية التى تتيح للدولة العباسية قتل الثائرين عليها من الرجال.
ولكن الأحكام التشريعية الإسلامية فى العقوبات يأتى فيها النص على الرجال والنساء معاً كقوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي﴾ ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ﴾ ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنّ فِي الْبُيُوتِ حَتّىَ يَتَوَفّاهُنّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً. وَاللّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنّ اللّهَ كَانَ تَوّاباً رّحِيماً﴾.
أو يأتى لفظ (الذين) ليشمل الذكر والأنثى كقوله تعالى: ﴿وَالّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ﴿إِنّمَا جَزَآءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتّلُوَاْ أَوْ يُصَلّبُوَاْ أَوْ تُقَطّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدّنْيَا وَلَهُمْ فِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
أو يأتى بتحديد أكثر كقوله تعالى: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَىَ بِالاُنْثَىَ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مّن رّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أما فى حديث الأوزاعى الذى ذكره مسلم فهو يتحدث تحديداً عن الرجل الذى هو امرؤ مسلم (يشهد) (الثيب الزانى) (التارك لدينه المفارق للجماعة).
وعليه فإن المرأة لا عقوبة عليها فى الأحوال الثلاثة..
وبالتالى تصبح العقوبات القرآنية التى تحدثت عن النساء لاغيه..!!
ولو رجعنا إلى الظروف التى نطق فيها الأوزاعى بذلك الحديث واخترعه فيها اختراعاً وهو مهدد بالقتل ونساؤه حوله لعرفنا لماذا أسقط النساء من العقوبة، وكان يتمنى أن يفرغ سريعاً من اللقاء مع جبار بنى العباس عبد الله بن على ليعود إليهن وقد قال له عبد الله: كأنك تحب الانصراف؟ فقال: إنى ورائى حرماً وهم محتاجون إلى القيام عليهن وسترهن وقلوبهم مشغولة بسببى..!!
لذلك كانت صيغة الحديث ضد الرجل فقط، أما المرأة فهى تحتاج إلى من يقوم عليها ويسترها ويكفى أن قلبها مشغول على رجلها..تلك هى الحالة النفسية التى كان عليها الأوزاعى حين اخترع الحديث وحين نطق به.
ثم كيف يكون ذلك الامرئ المسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم يكون تاركاً لدينه مفارقاً للجماعة؟ إن الحديث يستعمل لفظ المضارع (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله) أى أنه مسلم فى ذلك الوقت وأنه يقر بالشهادة فكيف يكون فى نفس الوقت تاركاً لدينه مفارقاً للجماعة؟.إن الراوى لو استعمل لفظ الماضى فقال (لا يحل دم امرئ مسلم شهد أن لا إله إلا الله..) لقلنا أنه كان يشهد بالإسلام ثم طرأت عليه الردة.. ولكن كيف يكون مرتداً وهو يشهد فى الحال شهادة الإسلام؟..
ثم ما معنى المفارق للجماعة؟
قد يكون لها معنى سياسى، فالتارك للجماعة يساوى فى مصطلحات العصرين الأموى والعباسى أن يكون من الخوارج الثائرين على الجماعة ، ولكن المعنى الدينى لا يتفق وصحيح الإسلام..فالمسلم قد يفارق جماعته وآله وبلده ويتركهم مهاجراً إلى الله تعالى فهل يكون حينئذ مستحقاً للقتل..؟
يجوز ذلك فى منطق قريش المشركة. ويجوز أيضاً فى منطق الكهنوت فى كل عصر وأوان..ولكن هل يمكن أن تتخيل أن النبى يمكن أن يقول هذا الكلام؟
لن نناقش تعارض ذلك الحديث مع القرآن والسنة الحقيقية للرسول ، فقد سبق أن تعرضنا لذلك. ولكن نركز فقط على نقطة محددة هى أسلوب النبى وعصره فى اختيار اللفظ وضرورة اتساق اللفظ مع الظروف التاريخية لعصر النبوة..
لقد هاجر النبى والمسلمون إلى المدينة وتركوا جماعتهم فى مكة وكانت قريش تتهم النبى بأنه "مفارق الجماعة" وخرج على دين الآباء والأجداد، وكانت تتآمر لقتل النبى وأصحابه، فهل يعقل أن يحكم النبى بنفس منطق أعدائه وأن يستعمل نفس ألفاظهم؟
ثم أولئك الذين ذكرت كتب السيرة أنهم ارتدوا ولحقوا بقريش هل حكم النبى بقتلهم لأنهم بدلوا دينهم وفارقوا الجماعة...؟
ثم صلح الحديبية والذى رضى فيه النبى على أن يرد من يلحق به من المؤمنين المهاجرين وفى نفس الوقت يعطى الحرية لمن يرتد عن الإسلام لأن يلحق بالمشركين.. هذا الصلح هل يتفق مع قول الأوزاعى "التارك لدينه المفارق للجماعة"..؟
وبعد مناقشة المتن فى حديث الأوزاعى نناقش الرواة والسند الذين جاء بهم مسلم.. ماذا قالوا عن الرواة المذكورين فى حديث مسلم والأوزاعى؟
لقد بدأ بأبى بكر بن أبى شبية واسمه الحقيقى عبد الرحمن بن عبد الملك وقد مات فى حدود 220 هـ، وقال عنه الحاكم "ليس بالمتين" وقال عنه أبو بكر بن أبى داود "ضعيف" وقال عنه ابن حيان "ربما أخطأ" .
حفص بن غيث ولقبه أبو عمر النخعى كان قاضياً للدولة العباسية، ومن الفقهاء المتعاونين معها، وقد مات سنة 194. قال عنه أبو زرعه: ساء حفظه بعد ما استقضى، أى بعد أن تولى القضاء، وبمعنى آخر فقد الثقة فيه بعد أن اختارته الدولة قاضياً..
وقال عنه داود بن رشيد: حفص بن غيث كثير الغلط..
وقال عنه ابن عماد: كان عسراً فى الحديث جداً، وقال عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال عنه أبى: أنه أخطأ.. وقال ابن حيان عن أحد مروياته فى الحديث: لم يحدث بهذا الحديث أحد إلا حفص بن غياث كأنه وهم فيه.. أى انفرد بحديث لم يقله أحد غيره، ولأنه غير ثقة فقد اتهمه ابن حيان بالوهم .
أما أبو معاوية الضرير، فقد قال عنه الحاكم أنه احتج به الشيخان أى مسلم والبخارى وقد اشتهر عنه الغلو، أى التطرف أو التشيع.. حيث كان الغلو مرادفاً للتشيع فى ذلك الوقت..
وقال عنه ابن معين: أبو معاوية أحاديث مناكير وقال عنه العجلى: أنه ثقة ويرى الإرجاء، أى مدحه بأنه ثقة ولكن اتهمه أنه من المرجئة، وتلك تهمه تعيب الراوى وقال عنه يعقوب بن شيبة: أنه ثقة وربما دلس، وكان يرى الإرجاء.. أى أنه مدحه ثم اتهمه بالتدليس وبأنه من المرجئة.
وقال عنه أبو داود: كان مرجئاً. وقال عنه أبو معاوية البجلى: فيه جهالة
- والراوى التالى هو وكيع: واسمه وكيع بن الجراح، أبو سفيان الرؤاس الكوفى.. قال عنه ابن المدنى كان وكيع يلحن وقال فيه: كان فيه تشيع..
ونصل إلى الأعمش أهم أولئك الرواة وأشهرهم..
واسمه سليمان بن مهران أبو محمد الكاهلى الكوفى الأعمش توفى سنة 148 قال عنه الذهبى: ما نقموا عليه إلا التدليس وهو يدلس..
وقال عنه ابن المبارك: إنما أفسد حديث الكوفة أبو إسحاق والأعمش..
قال عنه ابن جرير بن عبد الحميد أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وإعيمشكم هذا وقال عنه أحمد بن حنبل: فى حديث الأعمش اضطراب كثير وقال أنه كان يروى عن أنس مع أن روايته عن أنس منقطعة لأنه ما سمع من أنس..
وقال عنه أبو داود روايته عن أنس ضعيفة.
وقال عنه ابن المدنى: الأعمش كان كثير الوهم.
أما الحاكم النيسابورى فقد جعله من المدلسين وأورد فيه رأى الشاذكونى القائل: من أراد التدين بالحديث فلا يأخذ عن الأعمش ولا عن قتادة إلا إذا قالا: سمعناه..
وبقى من الرواه عبد الله بن مرة ومسروق.
قال الذهبى عن ابن مرة: لم يصح، وقال أبو حاتم عن مسروق ليس بالقوى
أى أن فقهاء السلطة العباسية حين اختاروا لحديث الأوزاعى رواة فإن الشكوك لاحقت أولئك الرواة، وربما أسهم بعض أولئك الرواة فى شيوع الحديث على الألسنه وروايته وهذا بالنسبة للرواة الذين عاشوا فى عصر العباسيين مثل الأعمش وأبى معاوية الضرير وحفص بن غياث وأبى بكر بن أبى شيبة.. والحديث عند محققى الحديث يلحقه الشك ويسقط إذا كان أحد رواته متهماً، فكيف إذا كان الجميع متهمين؟
وبذلك نكون قد انتهينا من حديث الأوزاعى، ويبقى لنا الحديث الآخر الذى اخترعه عكرمة مولى ابن عباس، والذى ذكره البخارى هو الآخر فى صحيحه.
وقد يضطرب القارئ حيث يكتشف أن فى "البخارى" أحاديث كاذبة، ولكن القارئ إذا هدأ وناقش الأمر بهدوء لوصل للحقيقة، فإن البخارى فى نهاية الأمر بشر وليس إلهاً وليس معصوماً من الخطأ والنسيان، وإذا كان قد ذكر فى مقدمة كتابه (الصحيح) أنه اختار محتوياته التى تبلغ حوالى 3 ألاف حديث من بين (600 ألف حديث) فإن هناك نسبة للخطأ البشرى لابد من افتراضها ـ مع افتراض حسن النية فى تدين البخارى نفسه ـ .. وذلك ما يسلم به كل باحث اذا كان واثقا من حسن تدين البخارى وانحيازه للاسلام.. وبلا شك فإن حديث الردة "من بدل دينه فاقتلوه" والذى رواه البخارى عن عكرمة مولى ابن عباس ضمن تلك الأحاديث الكاذبة..
- على أن علماء الأصول والجرح والتعديل كانت لهم مآخذهم على البخارى ومسلم، فقد قال عن البخارى شيخه وأستاذه محمد بن يحيى الذهلى: أن البخارى مبتدع، والسبب فى ذلك أن البخارى كان يقول أن القرآن مخلوق.. وكان شيخ البخارى يخالفه فى ذلك ويقول كلام الله غير مخلوق، ويقول عن البخارى: "اتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه" وذكر الذهلى قول ابن عباس "من زعم أن القرآن مخلوق فهو عندنا كافر زنديق" .
وبالطبع فإن رأى الذهلى فى تلميذه البخارى سببه اختلاف الرأى فى مشكلة خلق القرآن، إلا أن بعض المحققين كانت لهم مآخذ على البخارى فى موضوع الأحاديث نفسها
، وممن هاجم البخارى أو بتعبير المحدثين "جرحه" أبو حاتى الراوى فى كتابه الجرح والتعديل وجعله الذهبى ضمن الضعفاء والمتروكين فى كتابه الذى يحمل نفس الاسم.
وقال المحققون أنهم انتقدوا على البخارى (110) حديثاً منهم (32) حديثاً وافقه مسلم على تخريجها و(78) حديثاً انفرد بها البخارى، واتهموا (80) راوياً من رواة البخارى بالضعف وعدم الثقة، واتهموا (160) راوياً من رواة مسلم بالضعف وعدم الثقة، وقال الحاكم النيسابورى عند أحد رواة البخارى وهو عيسى بن موسى غنجار "احتج به البخارى فى الجامع الصحيح غير أنه يحدث عن أكثر من مائة شيخ من المجهولين غير المعروفين الذين يحدثون بأحاديث مناكير" .
ويقول ابن الصلاح فى كتابه علوم الحديث "احتج البخارى بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كعكرمة مولى ابن عباس، وكإسماعيل ابن أبى اويس، وعاصم بن على، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم، واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة، واشتهر الطعن فيهم .
ومن النص السابق نعلم أنهم أخذوا على البخارى روايته عن عكرمة مولى ابن عباس، وأن عكرمة سبق أن اتهمه وجرحه الكثيرون، وعكرمة هو صاحب حديث الردة القائل "من بدل دينه فاقتلوه".
كان عكرمة عبداً لعبد الله بن عباس سمع عنه ونقل عنه أقواله فى التفسير، وظل عبداً لابن عباس حتى توارثه أولاده ثم باعوه، أو أطلقوا سراحه، وقد اتاح له ذكاؤه وتفرغه فى خدمة ابن عباس أن يحفظ عنه الكثير. وكان العلم هو الطريق الوحيد أمام الموالى ليبرزوا به فى مجتمع يسيطر عليه الأشراف العرب، خصوصاً وقد كان الأمويين معروفين بالتعصب للعرب ضد الموالى ، وإذا كان العرب قد انشغلوا بالحروب والثورات والسياسة فقد وجد أبناء الموالى فرصة للتفرغ للعلم والتفوق فيه وإثبات أنفسهم من خلاله، وساعدهم على ذلك أنهم أبناء أمم عريقة فى العلم والحضارة..وهكذا كان أكثر العلماء فى التابعين من الموالى..وكان منهم عكرمة..
إلا أن عكرمة كما يظهر فى تاريخه كان حانقاً على الأرستقراطية العربية بقدر ما كان يميل إلى رأى الخوارج الذين لم يروا فارقاً بين العرب والموالى، ولم يشترطوا كون الخليفة من قريش حسب الحديث الذى ذاع وانتشر..
والمحصلة النهائية لسيرة عكرمة العلمية والشخصية هى افتراؤه لأحاديث ادعى أنه رواها عن سيده عبد الله بن عباس ومنها حديث "من بدل دينه فاقتلوه"..
ونتوقف من ناحيتين أساسيتين فى تاريخ عكرمة: مذهبه، واتهامه بالكذب.
فقد كان عكرمة يرى أن الخوارج، وذلك ما قاله المحققون فى بحث سيرته وإن اختلفوا فى تحديد الفرقة الخارجية التى كان عكرمة يميل إليها، حيث لم تكن الفوارق الفكرية بين طوائف الخوارج قد تحددت وتميزت فى عصر عكرمة.
روى ابن المدينى أن عكرمة كان أباضياً، ولكن ابن المدينى يضيف فيقول أن عكرمة أيضاً كان يرى رأى نجدة الحرورى..
ويقول أحمد بن حنبل أن عكرمة كان يرى رأى الخوارج الصفرية، وأنه لم يدع موضعاً إلا خرج إليه فى خرسان والشام واليمن ومصر وأفريقيا، أى شمال أفريقيا، أى ذهب يدعو إلى مذهب الخوارج دون تعيين لفرقة خارجية معينة.
ويقول يحيى بن بكير "إن عكرمة قدم مصر متجهاً إلى المغرب، فأخذ عنه خوارج المغرب.. أى كان داعية وأستاذاً وإماماً للخوارج فى المغرب..
وكان عكرمة فى تجواله فى الأقاليم يخدع الولاة ويدعى أنه يأتى لأخذ العطايا منهم، يقول ابن يسار "رأيت عكرمة جائياً من سمرقند وهو على حمار تحته خرجان فيهما حرير أجازه بذلك عامل سمرقند ومعه غلام له، فقيل له ما جاء بك إلى هذه البلاد؟ فقال الحاجة..".
وبينما كان يحسن الظن به ولاة الأقاليم البعيدة فإن والى المدينة كان يعرف اتجاهه السياسى المناوئ للدولة الأموية، يقول مصعب الزبيرى "كان عكرمة يرى رأى الخوارج فطلبه والى المدينة فتغيب عند دار ابن الحصين حتى مات عنده" وقال معصب الزبيرى أيضاً أن عكرمة كان يدعى أن ابن عباس كان يرى رأى الخوارج.. أى نسب إلى ابن عباس بعد موته ما كان ابن عباس يرفضه فى حياته..
ومن الطريف أن عكرمة مات فى نفس اليوم الذى مات فيه الشاعر المشهور كثير عزة فترك أهل المدينة جنازة عكرمة إلا العبيد والموالى السودان، وعجب الناس من اتفاقهما فى الموت واختلافهما فى العقيدة، إذ كان عكرمة يرى رأى الخوارج ويكفر أى حكم بالكفر- بالنظرة- أما كثير عزة فهو شيعى يؤمن برجعة على وأبنائه..
والسبب فى كراهية أهل المدينة لعكرمة المشهور بعلمه أنهم اعتبروه داعية للخوارج الحرورية والأباضية..
وقد اشتهر الخوارج من أتباع نجدة الحرورية بالإسراف فى سفك الدماء، يقول الملطى عن نجدة الحرورى "خرج نجدة من جبال عمان فقتل الأطفال وسبى النساء وأهرق الدماء واستحل الفروج والأموال، وكان يكفر السلف حتى قتل..".
وقال الملطى عن الأباضية أنهم أصحاب أباض بن عمر وقيل أنه عبد الله بن يحيى ابن أباض، خرجوا من سواد الكوفة فقتلوا الناس وسبوا الذرية وقتلوا الأطفال وكفروا الأمة وأفسدوا البلاد والعباد وقال عنهم: فمنهم اليوم بقايا بسواد الكوفة.
وقال عن الصفرية أنهم أتباع المهلب بن أبى صفرة (والصحيح أنهم أتباع زياد بن أبى صفرة) وقد خرجوا على الحجاج وقد هزمهم الحجاج وأبادهم .
ونلمح صدى أراء الخوارج فى أقوال عكرمة، روى ابن المدينى أن عكرمة وقف بباب المسجد فقال: ما فيه إلا كافر.".
كما نلمح صدى عنف الخوارج وجرأتهم على الدماء فى قول عكرمة وقت الحج وقد ازدحم الناس حول الكعبة "وددت أن بيدى حربة فأقتل بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً..".
وأخيراً نلمح صدى ذلك كله فى الحديث الذى رواه البخارى عن عكرمة "من بدل دينه فاقتلوه..".
والسؤال المطروح هنا: ما هو حكم الأصوليين فى الراوى صاحب الهوى والداعى إلى بدعته؟ خصوصاً إذا كانت تلك الدعوة إلى تكفير المسلمين واستباحة دمائهم وأعراضهم وأموالهم وقتل أطفالهم.
يقول الإمام مالك: "لا يؤخذ العلم من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه.." .
أما ابن الصلاح فى كتابه "علوم الحديث" فيقول اختلفوا فى قبول رواية المبتدع الذى لا يكفر ببدعته فمنهم من رد روايته مطلقاً لأنه فاسق ببدعته، ومنهم من قبل رواية المبتدع إذا لم يكن يستحل الكذب فى نصرة مذهبه، وبعضهم يقبل روايته إذا لم يكن داعية ولا تقبل إذا كان داعية إلى بدعته، وهذا هو مذهب الأكثرية من العلماء، وقال أبو حاتم البستى: الداعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبة ولا أعلم فيه خلافاً.." .
وعكرمة كان يدعو إلى رأى الخوارج الدامى.. وكان أيضاً يكذب ولكن اتهامه بالكذب قضية أخرى..
إن اتهام عكرمة بالكذب ظاهرة واضحة فى تاريخه.
قال عنه ابن سيرين "إنه كذاب". وقال عنه ابن أبى ذئب "رأيت عكرمة وكان غير ثقة". وقال عنه محمد بن سعد فى الطبقات الكبرى "ليس يحتج بحديثه، ويتكلم فيه الناس". وقال عنه سعيد بن جبير "إنكم لتحدثون عن عكرمة بأحاديث لو كنت عنده ما حدث بها". وقال عنه سعيد بن المسيب "لا ينتهى عبد ابن عباس حتى يلقى فى عنقه حبل ويطاف به" وكان سعيد بن المسيب يقول لمولاه (برد) لا تكذب على كما كذب عكرمة على ابن عباس. وكان ابن عمر يقول لمولاه نافع "لا تكذب على كما كذب عكرمة على ابن عباس".
وبسبب كثرة أكاذيبه على ابن عباس بعد موت ابن عباس فإن على بن عبد الله ابن عباس جعل فى يديه وقدميه قيوداً وحبسه على باب الحش "دورة المياه" فسئل عن ذلك فقال: إن هذا الخبيث يكذب على أبى..!!. وقالوا أن مسلم تجنب الرواية عن عكرمة فروى له بعض الروايات مقروناً بغيره أى لم يروا له منفرداً،.. وأعرض مالك عن الرواية عنه إلا فى حديث أو حديثين وقال مطرف: سمعت مالكاً يكره أن يذكر عكرمة ولا أرى أنه روى عنه، وقال ابن حنبل أن مالكاً روى عن عكرمة حديثاً واحداً أما البخارى فقد روى عنه وانتقده المحققون فى ذلك كما سبق..
مناقشة حديث عكرمة فى "صحيح البخارى":
- روى البخارى ذلك الحديث عن طريق الرواة الآتى أسماؤهم "حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل عن حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال أتى على رضى الله عنه بزناقدة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهى رسول الله ، ولقتلتهم لقول رسول الله: من بدل دينه فاقتلوه .
- والحديث يرويه عكرمة عن سيده ابن عباس ، فقد تضخمت الأحاديث المروية عن ابن عباس حتى لقد أسند له أحمد بن حنبل (1696) حديثاً.. هذا مع أن الآمدى فى كتاب "الأحكام فى أصول الأحكام) يقول أن ابن عباس لم يسمع من رسول الله سوى أربعة أحاديث لصغر سنه ويقول ابن القيم فى كتابه "الوابل الصيب من الكلم الطيب" أن ما سمعه ابن عباس من النبى لم يبلغ عشرين حديثاً .
وذلك الأقرب للصواب من خلال سيرة ابن عباس فى كتب التاريخ، فابن عباس أسلم مع أبيه قبيل فتح مكة وقابل الرسول بالجحفة وهو ذاهب لفتح مكة، ومات النبى بالمدينة وابن عباس فى مكة فى العاشرة من عمره، وفى رواية أنه كان فى الخامسة عشر من عمره.. أى رأى النبى مدة يسيرة وكان فيها طفلاً ملازماً لوالده فى مكة، فكيف يروى عنه مئات الأحاديث؟
وقد روى عكرمة حديث من بدل دينه فاقتلوه، وقد نسبه لابن عباس ضمن ما نسبه إليه من مئات الأحاديث، وقد روى ذلك الحديث عن عكرمة أحد الزهاد المشهورين فى عصره وهو أيوب السختيانى واسمه أبو بكر بن تميمة، ولم يذكره الذهبى فى ميزان الاعتدال مع شهرته، وقد ترجم له ابن سعد فى الطبقات الكبرى وابن الجوزى فى المنتظم ، وروى ذلك الحديث عن أيوب السختيانى تلميذه حماد بن درهم وقد ترجم له ابن الجوزى فى المنتظم وابن سعد فى الطبقات الكبرى، ولم يذكره الذهبى أيضاً فى ميزان الاعتدال. ويروى الذهبى- مع ذلك- فى ترجمة لعكرمة أن حماد بن زيد روى أن شيخه أيوب السختيانى سئل: هل كان عكرمة يُتّهم: أى كان مطعوناً فيه؟ يقول حماد بن زيد عن شيخه أيوب: فسكت ساعة ثم قال: أما أنا فلم أكن أتهمه. أى كانوا يتهمون عكرمة فى مجلس أيوب السختيانى ومع ذلك كان أيوب يصمم أنه لا ينبغى اتهامه. وقد قال يحيى بن سعيد أن عكرمة كان لا يحسن الصلاة فرد عليه أيوب وكان- أى عكرمة- يصلى.. أى كان أيوب يدافع عنه فى كل مجلس..
ويروى أن يحيى بن سعيد الأنصارى ذكر عكرمة فقال: أنه كذاب، فرد عليه أيوب السختيانى: لم يكن يكذب..
وأيوب السختيانى يعلل بذلك روايته عن عكرمة وأخذه عنه الأحاديث. وما رواه أيوب عن عكرمة نقله بعده تلميذه حماد بن زيد بن درهم ثم نقل الحديث عن حماد شيخ آخر هو محمد بن الفضل وكنيته أبو النعمان المتوفى سنة 224 وهو شيخ البخارى ولقبه عارم، "وعنه روى البخارى حديث عكرمة فى قتل المرتد، وجدير بالذكر أن أبا النعمان عارم قال فيه أبو حاتم أنه اختلط عقله فى آخر عمره، واعترف البخارى بأنه تغير عقله وقال عنه أبو داود: استحكم به اختلاط عقله". وقال فيه الدارقطنى: تغير- عقله- بآخره، وقال ابن حبان اختلط فى آخر عمره وتغير حتى كان لا يدرى ما يحدث به فوقع فى حديثه المناكير الكثيرة فيجب التنكب عن حديثه ولا يحتج بشىء منها..
وذلك ما قيل عن أبى النعمان محمد بن الفضل الملقب بعارم، والذى كان أول السلسلة فى رواة حديث "من بدل دينه فاقتلوه" وكان عكرمة آخرها، فأول السلسلة خلط وهذيان عقل، وآخر السلسلة كذب وافتراء، وأما ما بينهما (حماد بن زيد، وأيوب السختيانى) فهما من الزهاد الذين لديهم استعداد لتصديق كل ما يقال..
* ونتوقف مع متن الحديث:
ويقول فيه عكرمة أنه جئ لعلى بن أبى طالب بزنادقة فأحرقهم.. ولم يحدث فى تاريخ على بن أبى طالب أن أحرق خصومه، بل كان مشهوراً بتفادى سفك الدماء ما أمكن ويظهر ذلك فى تاريخه فى حروبه وفى تعامله مع الخوارج، وحتى فى وصيته قبل موته بقاتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجى..
وإذا عرفنا كراهية الخوارج لعلى أدركنا لماذا وضع عكرمة تلك العبارة فى سياق ذلك الحديث لتشويه سيرة على وليصل بعد ذلك إلى غرضه الأساسى فى إيقاع الاقتتال بين المسلمين طبقاً لقوله "من بدل دينه فاقتلوه..".
والخوارج يرون كفر ما عداهم، ويستحلون دماء المسلمين جميعاً حتى النساء والأطفال.. وعكرمة يفتى بهذا الحديث لكل من يستطيع سفك الدماء أن يقتل ما استطاع وبتهمة أن الضحية بدل دينه.. والعبارة تتسع للتأويل حسب الهوى..
- وجاءت العبارة عامة "من بدل دينه فاقتلوه" لتشمل المسلمين والنصارى واليهود فمن بدل دينه من اليهود والنصارى ودخل الإسلام فاقتلوه، وذلك حتى يفرح عكرمة !!
- وجدير بالذكر أنها المرة الوحيدة التى يحتوى فيها حديث على كلمة الزنادقة، وهى كلمة فارسية- وعكرمة فارسى- وهى تعنى بالفارسية (زند وكرو) أى القائل بدوام الدهر، وقال الإمام ثعلب: ليس فى كلام العرب زنديق.. ولكن أدخل عكرمة هذه الكلمة فى الأحاديث ضمن ذلك الحديث المفترى الذى نسبه للرسول عليه السلام.
رابعاً: هل يصح قتل الناس بأحاديث الآحاد..؟
قام حد الردة المزعوم على مجرد حديثين أثبتنا كذبهما بمعايير الجرح والتعديل ومن خلال أدلة من كتب التراث نفسها، كما أثبتنا من قبل تناقضهما مع تشريع الإسلام الحقيقى فى القرآن الذى هو الفيصل فى سنة الرسول عليه السلام..
ولكن:
دعنا نفترض أن حديثى الردة حديثان صحيحان، ودعنا نفترض أن القرآن الكريم لا يعارضهما ولا يؤيدهما فهل يصح الاعتماد على حديثين فى تأسيس تشريع؟
وهل يصح إقامة تشريع سنده الوحيد حديثان من أحاديث الآحاد؟
وهل يصح أن تقتل الناس بتهمة الردة اعتماداً على حديثين فقط؟
راية علي
04-20-2006, 07:01 PM
أخي حمزة السلام و التحية:
برهان هو ابن عمي عن جد .. و نحن من نفس العائلة و اصلنا من حارة بيت الملك في بيت ياشوط بجبلة .. و هو يسكن في ألمانيا..
لذا اقتضى التنويه..
:cool:
أبو اسكندر
04-20-2006, 07:12 PM
هاها هيك عم تعملو فينا يا أبو علي :confused: وأنا تحيرت ليش عم تنادوا لبعض ابن العم بدون ما تعرفوا بعض :rolleyes: ...
بكل الأحوال حصل خير ويامية مرحبا بالأخ برهان :) وعذرا على الخلط بينك وبين صديقك هه
بتصير ها والله بتصير وبأحسن العائلات..
:o ياالله بستأذن
راية علي
04-20-2006, 07:25 PM
حصل خير.. و لا يهمك.. و يا برهان بتمنى تقول للشباب عندك على المنتدى.. بلكي بيصيروا بيشاركوا..
lavender
04-20-2006, 11:33 PM
الاخوه الكرام : انا سمعت هذه العباره كثيرا وقراتها كثيرا .. غاندي تساءل عنها , وهو يسمع عوام المسلمين مع بعض المشايخ يقولونها خارج وداخل الهند بان الجهاد ضد الكافر حلال وتملك عائلته وامواله حلال , فقال ان مثل هذه الدعوات اهي دينيه من القرآن ؟ فجاوبوه : نعم , فقال اذن هي دعوات خطيره .. كيف دين السلام والسلم وتدعون الي قتل الاخرين؟ ثم بدا يقرا ويراسل شيوخ مسلمين هداهم الله الي جمال وسلم الاسلام امثال محمد علي جناح وشعراء صوفيين وعلماء شيعه من كشمير وحيدر آباد حيث أن حكام هذه الاقاليم وغالبيتهم من اصل عربي وتحديدا ( النجف ) حين نفى الانجليز علماء الشيعه ايام ثورة العشرين الي الهند فتوالدوا هناك وكانوا حكام ( نواب ) واشهرهم الشاعر مظفر نواب .... المهم ..... حصل انه فهم ان الاسلام هو حنيفي ويدعو الي رفع الملل الاخري من مقام الي مقام اوسع واشمل فقط لا غير , فما ذنبه والسيف الذي رفعه من لا دين له اساسا كي نقول عليه مسلم او حتي قلبه آمن بما أنزل علي المصطفى الاحمد؟ نعم هو عربي .. نعم انسان لانه يمشي علي رجلين ... لكن ماذا عن باطنه وروحه؟ هذا شئ نكشفه من تصرفاته فهل رحم العرب امثاله والمسلمين مثلا كي يرحم غيرهم من الملل الاخري؟
نسمع بالتلفزيون قسيس بروتستانتي من جنوب الولايات المتحده وهو يبشر بقرب السيطره علي بابل وتجفيف الفرات ووعد بنزول المسيح شاهرا سيفه بوجه الامم الغير مسيحيه يلبس ثوبا يقطر دما !!! ولا اؤمن ولو قدر شعره بان هذا مسيحي حقيقي , فقد عشت معهم وتقاسمنا اللقمه والفرح والترح وقلبنا يقول لا تستوي الحسنه بالسيئه ولله الحمد .
lavender
04-21-2006, 12:25 PM
هناك شئ يختص بالاديان والعباده : الاسلام يكاد يكون الدين الوحيد الذي اعترف بتدين بقية الملل وجعل لهم حكما وشريعه تعامل وحفظ لهم بهذا حقوقهم بالشرع , ولا توجد شخصيه رحمانيه نورانيه كمثل الامام علي عليه السلام والنبي الاحمد واهل البيت فهم بتعاليمهم شرفوا اهل الارض بالعبادات والسلام فلا سيف ولا قتل الا بامر الهى ولمن يتعدى حدود الله , هناك شخص معروف مثقف يهودي كان يقول عن الامام علي : هذا عربي ؟ هذا مسلم؟؟ كيف يولد عندهم مثله؟؟؟ , هذا لا ينطبق علينا فنحن عند اليهود مثلا لا مانع من استعبادنا وتحليل بيع المحرمات لنا او تفشي الامور الاباحيه بيننا والتجاره فيها , عند المسيحيين فنحن غير مكرزين الا اذا اعترفنا بالثالوث والمسيح وابوة الكنيسه , عند كذا وكذا نحن ماشاءالله قل ما تشاء من الصفات ولا تخف ! اذن ديننا يلم شعث ويسامح ولا يبعد عن خيمته الرحبه ابناء الرب , نظرة السيف وانتشارر الاسلام جاءت وتكرست بسبب العثمانيين وما فعلوه واكرر بانهم ما وفقوا باحترام المسلمين او العرب وباقي الاعراق فكيف بالله يراعوا الدين والله؟
محبتي لكم
راية علي
04-21-2006, 03:29 PM
على ذكر المهاتما غاندي.. يحضرني قول جميل له و هو:
علمني الحسين أن أنتصر و أنا مظلوم..
younos623
04-22-2006, 10:13 PM
هناك شئ يختص بالاديان والعباده : الاسلام يكاد يكون الدين الوحيد الذي اعترف بتدين بقية الملل وجعل لهم حكما وشريعه تعامل وحفظ لهم بهذا حقوقهم بالشرع , ولا توجد شخصيه رحمانيه نورانيه كمثل الامام علي عليه السلام والنبي الاحمد واهل البيت فهم بتعاليمهم شرفوا اهل الارض بالعبادات والسلام فلا سيف ولا قتل الا بامر الهى ولمن يتعدى حدود الله , هناك شخص معروف مثقف يهودي كان يقول عن الامام علي : هذا عربي ؟ هذا مسلم؟؟ كيف يولد عندهم مثله؟؟؟ , هذا لا ينطبق علينا فنحن عند اليهود مثلا لا مانع من استعبادنا وتحليل بيع المحرمات لنا او تفشي الامور الاباحيه بيننا والتجاره فيها , عند المسيحيين فنحن غير مكرزين الا اذا اعترفنا بالثالوث والمسيح وابوة الكنيسه , عند كذا وكذا نحن ماشاءالله قل ما تشاء من الصفات ولا تخف ! اذن ديننا يلم شعث ويسامح ولا يبعد عن خيمته الرحبه ابناء الرب , نظرة السيف وانتشارر الاسلام جاءت وتكرست بسبب الاتراك وما فعلوه واكرر بانهم ما وفقوا باحترام المسلمين او العرب وباقي الاعراق فكيف بالله يراعوا الدين والله؟
محبتي لكم
نظرة مباركة لأخت مباركة حياكِ الله وأحياكِ
lavender
04-22-2006, 10:53 PM
محيي اصلك ومنبتك اخي الكريم يونس:)
وما كتبه الاخ راية علي صحيح . وهذا هو الاسلام ولله الحمد نور زيتونه مباركه .
طليق الأسر
05-29-2006, 03:29 AM
السلام على أهل الإيمان
ردي متأخرا ولكن اسمحوا لي بالمشاركة
بعد أن قرأت كل ما ورد في هذا الموضوع لم أجد سوى المسايسه والحلول الغير جذريه بالنسبة لموضوع أساسي .
ما الفرق بين النبي والرسول ؟ ( كل رسول نبي وليس كل نبي رسول ) النبي أتى ليتمم ما قبله من رسالة كذا أنبياء الله ابراهيم ، اسماعيل ، يونس ، اسحاق ، شعيب ، أيوب ، .....الخ ، أما الرسول فجاء برسالة جديده على البشر كذا رسل الله آدم ، موسى ، ......، عيسى ، محمد .
فلذلك يا إخوان إن القرآن نسخ ما قبل من الكتب كذا الإنجيل قد نسخ ما قبل من الكتب والتوراة أيضا نسخت ما قبلها من الكتب ، فمن كان اسرائيليا على زمن سيدنا موسى ولم يصبح مسيحيا على زمن سيدنا عيسى فقد كفر بسيدنا عيسى ومن كان مسيحيا على زمن سيدنا عيسى ولم يصبح مسلما على زمن سيدنا محمد فقد كفر بمحمد ورسالته .
لماذا يا إخوان التهاون في هذا الموضوع والمسايسة في الرد والأجوبة ، نحن أحق من الإسرائيلين بموسى وأحق من المسيحيين بعيسى وتبعنا محمد لأننا تيقنا بأنه رسول الله مرسل برسالة سماوية.
(( والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لانفرق بين أحد من رسله .....))
هل يصح أن تصلي صلاة سيدنا عيسى بعد أن بين لك سيدنا محمد كيف تصلي في عصره ؟ وهل يقبل هذا المسيحي أن يصلي صلاة سيدنا موسى بعد أن بين له سيدنا عيسى كيف يصلي في وقته ؟؟
الرسائل كلها سماوية أختلفت في الظاهر ولكنا عند الله واحدة ولكن لكل زمن أصوله ولكل عصر رجاله ، أم لماذا اختلفت المعاجز بين الرسل أليس بسبب أزمانها وأوقاتها .
لايجوز قطعا أن نطبق شرائع صحف شيث في زمن موسى كما لايجوز أن نطبق شرائع توراة موسى في زمن عيسى كما لا يصح ولايعقل لعاقل أن يطبق شرائع انجيل عيسى في زمن سيدنا محمد (صلوات الله على جميع الأنبياء) .
مسلمه
06-03-2006, 01:03 PM
السلام عليكم ورحمه الااه وبركاته
اوافق رايه علي بكل كلمه
والشكر الكبير لك
راية علي
06-05-2006, 04:36 PM
على عيني أخت مسلمة .. و شكرا لإستفقادك لي ..!
و الشكر لك أيضا ، و أتمنى عليك أن تشاركينا المنتدى بمداخلات مفيدة قيمة..
أهلا و سهلا فيك.
vBulletin® v3.8.6, Copyright ©2000-2010, Jelsoft Enterprises Ltd.