المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النص والاجتهاد للعلامة السيد شرف الدين


أبو طالب
04-21-2006, 09:14 PM
بالبداية أخوتي أحب أن أضع لكم رابط لتحميل الكتاب (http://www.shiaweb.org/Download_Books/nas_ejtehad.zip) وهوعلى هيئة ملف مضغوط من موقع شبكة الشيعة حجمه صغير نسبياً ( 700 كيلوبايت فقط ويتضمن عرض الكتاب على هيئة صفحات انترنت )

وهنا صفحة الأنترنيت http://www.shiaweb.org/books/nas_ejtehad/index.html




الحرية وحرية الفكر في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين باري الخلائق أجمعين الذي سن لهم أحكاما وتشريعات تعود عليهم بالنفع في عاجل الدنيا وآجل الآخرة وجعلها طبقا لمصالح وعلل لا يعلمها الا هو ومن ارتضاه من رسله وعباده المخلصين .

والصلاة والسلام على منقذ البشرية من الظلمات إلى النور ، الذي حلاله حلال أبدا إلى يوم القيامة وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة ، الذي لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى ، وعلى آله الغر الميامين أمناء الله على دينه ومهبط وحيه ومعدن رحمته وخزان علمه . . والذين هم منتهى الحلم وأصول الكرم وقادة الأمم وأولياء النعم وعناصر الأبرار ودعائم الأخيار وساسة العباد وأركان البلاد وأبواب الإيمان ، حجج الله على أهل الدنيا والآخرة والأولى المظهرين لأمر الله ونهيه وعباده المكرمين الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .

- ص 4 -


الحرية
الحرية هو شعار ، كثيرا ما دفعته أديان ومذاهب وأحزاب وقوميات و شخصيات في العصر الحديث وفي العصر القديم وجعل هذا الشعار هدفا و مقصدا للإنسان يسعى لتحقيقه ويتغنى به ، وإذا أراد الإنسان أن يبحث عن المبدأ أو الفئة التي أعطت للإنسان حريته وسعادته المنشودة لم يجد لها عين ولا أثر على وجه البسيطة حتى المذاهب التي اتخذت الحرية شعارا أساسا لها كالرأسمالية الغربية أو الاشتراكية الشرقية والذي يوجد عندها انما هو لفظ الحرية ومصداق العبودية بمعنى الكلمة وبما يحمل اللفظ من معنى لهذا رجع الإنسان من هذين المذهبين بل والمذاهب الأخرى الوضعية بخفي حنين الا العبودية الذليلة .

الإنسان لا يجد حريته وسعادته الا في الإسلام وهو الدين والمبدأ الوحيد الذي ضمن للإنسان سعادته وحريته الحقيقية في جميع المجالات : المبدأية والاقتصادية والأخلاقية الفردية والاجتماعية ، وهذه هي الحرية التي تعلو به إلى ما يتناسب مع إنسانيته وكرامته بل وتعلو به إلى أعلى عليين حتى تقربه من مولاه .

أبو طالب
04-21-2006, 09:14 PM
حرية الفكر في الإسلام
من جملة الحريات التي منحها الإسلام للإنسان هي حرية الفكر ودعاه وحثه على التفكر في جميع المجالات بما فيها الكون والحياة والآخرة وما سوف يؤول إليه وأشار إلى حقيقة قد تخفى على الإنسان وهي ان الذي يستفيد من الكون والحياة ويكون على سبيل نجاة هو الذي يفكر فيما حوله ( إِنَّ

- ص 5 -


فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ . . ) ( 1 ) .

وان الذي يأخذ عبرة من ذلك هو الإنسان المفكر قال تعالى : ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) ( 2 ) .

وفي الحث على الفكر وحريته فضله على كثير من العبادات فقد روي عن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله قوله : " فكرة ساعة أفضل من عبادة سنة " ( 3 ) .

وأرجحية التفكر على العبادة ليس الا لان في التفكر ميزة خاصة لا توجد في كثير من العبادات الجوفاء عن المعرفة والهداية . تلك الميزة هي الوصول إلى الحقيقة فكم إنسان قد اهتدى إلى الإسلام أو من الفسق والعصيان إلى الإيمان وخرج من الظلمات إلى النور ومن الشقاء إلى السعادة . لانه استعمل فكره وعقله لفترة من الزمن وقد لا تتجاوز الساعات أو الدقائق فيرتبط مصيره بهذه اللحظات القيمة .

والشواهد على ذلك كثيرة جدا فالنقتبس من باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله بعضها قال عليه السلام : " فكرك يهديك إلى الرشاد ، ويحدوك على إصلاح المعاد " ( 4 ) .

وقال أيضا : " لكل شئ دليل ودليل العاقل التفكر " ( 5 ) .

وقال عليه السلام : مشيرا إلى انه كل ما كان تفكير الإنسان أكثر وأعمق كان صوابه

( 1 ) سورة آل عمران : 190 - 191 .
( 2 ) الجاثية : 13 .
( 3 ) البحار 71 / 326 . ( 4 ) غرر الحكم ص 227 .
( 5 ) تحف العقول ص 285 ( * ) .

أبو طالب
04-21-2006, 09:15 PM
- ص 6 -


وقربه إلى الحق أكثر وكل ما قل تفكيره كثر خطائه وقرب نحو الباطل " طول الفكر يحمد العواقب ، ويستدرك فساد الأمور " ( 1 ) .
وقال عليه السلام : " تفكرك يفيدك الاستبصار ويكسبك الاعتبار " ( 2 ) .
وقال عليه السلام : " من فكر قبل العمل كثر صوابه " ( 3 ) .


المبدأ الأول وحرية الفكر

والإسلام حينما دعى إلى حرية الفكر وحث عليه لم يكن ذلك من باب التسلية والشعار الفارغ وانما رتب على ذلك الأثر كبقية الحقائق التي يدعو إليها . فأهم شئ في وجهة نظر الإسلام بل في الوجود ككل هو معرفة المبدأ الأول المنشئ لهذا الكون بما فيه وهذه الحياة التي يعيشها الإنسان على هذا الكوكب .

فالإسلام ابتدأ مع الإنسان من هذه المهمة التي هي أول ما يحتاجه الإنسان ولا يمكن أن يستقل عنها أو ينفصل عن فيضها ولو لحظة واحدة ، فنبه الإسلام الإنسان على أنه لابد له من الاعتراف بوجود الله سبحانه وعدالته من طريق العقل الحر والتفكير العميق ولا يكفي التقليد فيه وكذلك بقية أصول الدين كالنبوة والإمامة والمعاد يلزم أن يعترف بها من طريق فكره وأدلتها متوفرة لجميع الناس مهما اختلفت مستوياتهم ويكتفي من كل بحسب حاله ، والآيات والروايات التي تتحدث كأدلة ليست الا محض ارشاد والا لحصلت المصادرة .

وهذا لا يمنع من ان الإسلام اتخذ موقفا آخر بالنسبة إلى فروع الدين فقد فسح المجال للتقليد فيها لمن ليس أهلا للنظر والفحص وذلك لكثرتها وتشعب

( 1 ) غرر الحكم ص 208 . ( 2 ) غرر الحكم ص 157 . ( 3 ) غرر الحكم ص 277 ( * ) .

- ص 7 -


أدلتها خصوصا مع البعد الزمني عن عصر الرسالة وتوقف النظام الاجتماعي لو اشتغل الكل بتحصيل كل ما يحتاجه من مسائل الفقه .

حرية اختيار الإسلام

بعد أن عرفنا ان معرفة المبدأ الأول لابد أن يكون من طريق العقل وحريته التامة . نعرف ان كل شئ مهما سما فهو دون المولى سبحانه حتى الإسلام فاختياره يكون بتفكر الإنسان وبحثه وتدقيقاته ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) وعندما يستعمل عقله فالنتيجة هي الاعتراف بالإسلام ومباديه لهذا نرى ان الإسلام يعطي الإنسان حرية التفكير في بحثه وهو مطمأن ان النتيجة هو الوصول إلى الحقيقة والواقع وتراه يضع للإنسان الداعية الطرق الحكيمة والخلقية عندما يدعو الإنسان غيره ولا يحتاج لان يستعمل الأساليب الملتوية من الكذب والغش والبهتان والشتم والتعصب الأعمى ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ( 1 ) ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ( 2 ) .

واننا على علم ويقين تأمين ان الإنسان مهما كان إذا استعمل فكره ولم يتعصب إلى فكرة معينة أو تقليد أعمى لأبويه أو لبيئته التي يعيش فيها أو لحزب ينتمي إليه أو لمذهب ينتسب إليه وصار موضوعيا في فكره وبحثه وأخلص النية لله تعالى للحق في هدفه فانه سوف يصل إلى الحقيقة وتنكشف له كما سوف يتعرف على الباطل وموارد الاشتباه والالتباس عليه وذلك بعون الله وحسن لطفه وعنايته .

( 1 ) النحل : 125 . ( 2 ) العنكبوت : 46 ( * ) .

أبو طالب
04-21-2006, 09:16 PM
- ص 8 -


منزلة العقل في الإسلام

فإذا عرفنا هذه الأهمية الكبرى للفكر في الإسلام نعرف أهمية العقل في حياة الإنسان وسعادته ووصوله إلى الواقع . فان العقل أداة الفكر الذي يفكر بها الإنسان وقد وردت النصوص الكثيرة في مدح العقل وجعله حجة على الناس كما ان الرسل حجة عليهم .

قال الإمام الكاظم عليه السلام : " يا هشام ان لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة . فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام ، وأما الباطنة فالعقول " ( 1 ) .

بل جعل التمييز بين الخير والشر والنزوع عن الشر انما هو بالعقل . فقد روي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله : " انما يدرك الخير كله بالعقل ولا دين لمن لا عقل له " ( 2 ) .

وهكذا يتتابع المدح والثناء على العقل وما يلازمه من العلم والتفقه ( انما يخشى الله من عباده العلماء ) ( 3 ) .
وقال الإمام الكاظم عليه السلام : " تفقهوا في دين الله فان الفقه مفتاح البصيرة " ( 4 ) .
وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : " أيها الناس لا خير في دين لا تفقه فيه " ( 5 ) .

( 1 ) الكافي ج 1 / 16 .
( 2 ) تحف العقول ص 44 . ( 3 ) فاطر : 28 .
( 4 ) تحف العقول ص 302 . ( 5 ) البحار ج 70 / 307 ( * ) .

- ص 9 -


الموضوعية عند أهل البيت

لا نعجب لما نرى أئمة الهدى من آل الرسول صلى الله عليه وآله ان هدفهم هو الوصول إلى الحق مهما كان طريقه مرا وشائكا وكأودا واننا بملاحظة تعاليمهم عليهم السلام وتربيتهم لأمة جدهم نرى أروع الأمثلة في الموضوعية والتجرد عن التقليد الأعمى والتعصب الجاهلي فمثلا نقرأ قول الإمام الهادي عليه السلام في مناجاته لربه وتضرعه إليه : " اللهم إني لو وجدت شفعاء أقرب إليك من محمد وأهل بيته الأخيار الأئمة الأبرار لجعلتهم شفعائي إليك . . " .

فالميزان ليس الحسب أو النسب أو العشيرة أو تقليد الآباء مهما بلغوا في عظمتهم وشهرتهم بل المقصد هو الوصول إلى الحق سبحانه والقرب إليه من أي طريق وبأي ثمن وانما يجب التمسك بالمبدأ المعين إذا كان موصلا إلى الله تعالى ومقربا نحوه والا لا قيمة له ، فالإمام الهادي عليه السلام يفترض - وفرض المحال ليس بمحال - انه لو وجد شخص أقرب إلى الله من الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله لوجب التمسك به ، وهذا غاية الموضوعية والإخلاص إلى الله سبحانه .

* * *

وان الموضوعية في الأبحاث مهما كانت قد تبدو حساسة وشائكة وصعبة الا انها سوف تكون عاملا مساعدا للوحدة ولم شعث الأمة الإسلامية ورص صفوفها في قبال الكفر العالمي ، وأما السكوت عن القضايا المذهبية والخلافية أو إثارتها بالشتم والكذب والبهتان والتعصب فانه لن يجدي نفعا للأمة الإسلامية ووحدتها وعزها وكرامتها ، بل يجب أن تتوحد الصفوف وتنصهر وتحابب القلوب مهما كان بينها من خلاف أو تعدد في المذاهب والأفكار وتكون كالجسد

أبو طالب
04-21-2006, 09:17 PM
- ص 10 -


الواحد يتألم بعضه لبعض لتعود خير أمة أخرجت للناس .

وهذا الكتاب الذي بين أيدينا من جملة الكتب التي تعرض القضايا العلمية والتاريخية والفقهية والكلامية ويبحثها بحثا موضوعيا بعيدا عن التعصب المذهبي أو الطائفي بل أعطى للفكر مجاله في مناقشات الأبحاث التي تعرض لها .

وأول ما يلفت انتباهنا هو عنوان الكتاب ( النص والاجتهاد ) فماذا يراد بهذين اللفظين وما هو مقدار الصلة والتقابل بينهما .

أبو طالب
04-21-2006, 09:18 PM
وأول ما يلفت انتباهنا هو عنوان الكتاب ( النص والاجتهاد ) فماذا يراد بهذين اللفظين وما هو مقدار الصلة والتقابل بينهما .

النص

أصل النص في اللغة : أقصى الشئ وغايته ثم سمي به ضرب من السير السريع . ونصصت الحديث إلى فلان : رفعته إليه ( 1 ) .

وللنص معنيان
1 - ان يكون في مقابل المجمل أو الغير الظاهر فيكون النص : " ما دل على معنى غير محتمل للنقيض بحسب الفهم " ( 2 ) . وقال صاحب المعارج : " هو الكلام الذي يظهر افادته لمعناه ولا يتناول أكثر مما هو مقول فيه " ( 3 ) . وهذا المعنى لم يكن محط لنظر المصنف .

2 - النص : المراد به الكتاب الكريم والسنة الشريفة بأقسامها الثلاثة : أ - قول المعصوم . ب - وفعله . ج - وتقريره .

( 1 ) راجع : الصحاح ولسان العرب . ( 2 ) مجمع البحرين ج 4 / 186 . ( 3 ) معارج الأصول ص 105 ( * ) .

- ص 11 -


فقد أطلق على كل ذلك النص فإذا قيل عنده نص أي أحد هذه الأمور وإذا قيل لم يكن عنده نص أي هذه الأمور منتفية فيرجع معنى النص إلى انه : " الدليل الدال على الحكم الشرعي والثابت عن الشارع من طريق القطع أو الظن المعتبر سواء كان كتابا أو سنة " . وهذا هو مراد المصنف كما هو واضح من ثنايا أبحاث الكتاب .


الاجتهاد

والاجتهاد في اللغة مأخوذ من " الجهد " بالضم بمعنى الطاقة وبالفتح بمعنى المشقة فهو بذل الوسع والطاقة والقيام بعمل ما مع المشقة . وبهذا المعنى استعمل في القرن الأول الإسلامي فالنصوص التي قد وردت وتحدثت عن الاجتهاد بناءا على صحة تلك النصوص فالمراد هو الاجتهاد اللغوي ولم يكن لهم اصطلاح خاص غير المعنى اللغوي .


في الاصطلاح

والاجتهاد في اصطلاح علماء الأصول قد تعدد تعريفه عندهم : فقد عرفوه : " انه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلا أو قرة قريبة " كما عرفه البهائي بذلك . وعرفه الغزالي بأنه : بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة " . وعرفه ثالث : من انه " الملكة التي يقتدر بها على ضم الصغريات لكبرياتها لانتاج حكم شرعي أو وظيفة عملية شرعية أو عقلية " ( 2 ) .

( 1 ) راجع كتب اللغة الصحاح ولسان العرب .
( 2 ) الاجتهاد لبحر العلوم والأصول العامة للحكيم ، ومقدمة الكتاب للحكيم أيضا . ( * )

أبو طالب
04-21-2006, 09:19 PM
- ص 12 -


وغيرها من عشرات التعاريف التي لا تتعدى انها شرح للاسم وليست تعاريف لحقيقة الاجتهاد خصوصا بعد تطوره واختلافه من زمن إلى آخر .


التأويل

عرفنا فيما سبق انه القرن الأول الإسلامي لم يستعمل الاجتهاد كمصطلح خاص يغاير المعنى اللغوي بل يستعملونه في المعنى اللغوي فقط . وهم يستعملون مكانه كمصطلح خاص لفظ " التأويل " فالشخص الذي يرتكب مخالفة للكتاب أو السنة ويراد أن يعتذر عنه أو يصحح عمله يقال له تأول .

وأمثلة ذلك كثيرة في الصدر الأول :

منها : ان خالد بن الوليد لما قتل مالك بن نويرة عامل رسول الله على صدقات قومه اعتذر خالد عن فعله وقال للخليفة أبي بكر : " يا خليفة رسول الله إني تأولت وأصبت وأخطأت " ( 1 ) .

ومنها : قول أبي بكر جوابا لعمر حين قال : " ان خالدا زنى فارجمه " : " ما كنت أرجمه فانه تأول فأخطأ " أو " هبه يا عمر ، تأول فأخطأ . . " ( 2 ) .

وهكذا كانوا يعتذرون لجملة من الصحابة في أعمالهم كاتمام الصلاة في حال السفر لعائشة وعثمان والحروب التي دارت بين الصحابة ( 3 ) .

وتطور الاعتذار إلى حد صار إلى كل جريمة ترتكب والمرتكب في نظرهم مسكوت عنه .

( 1 ) راجع ما يأتي ص 125 .
( 2 ) مقدمة مرآة العقول ج 1 / 67 ، وما يأتي من الكتاب ص 124 .
( 3 ) صحيح مسلم باب صلاة المسافر وقصرها ، وما يأتي من الكتاب ص 405 و 412 ( * ) .

- ص 13 -


فقد اعتذر ابن حزم : عن أبي الغادية قاتل عمار ( رض ) من انه متأول مجتهد فحطي له أجر واحد ( 1 ) . مع ما تواتر من قول النبي صلى الله عليه وآله في عمار انه " تقتله الفئة الباغية " ( 2 ) .

بل تمادوا في الاعتذار عن أشقى الأولين والآخرين ابن ملجم في الجريمة التي هزت السموات والأرض وهى قتله لسيد الوصيين عليه السلام . اعتذروا لابن ملجم كما اعتذروا ليزيد بن معاوية في قتله لسيد شباب أهل الجنة ريحانة الرسول صلى الله عليه وآله وقرة عين الزهراء البتول الإمام الحسين سبط الرسول عليه السلام ( 3 ) .

اعتذروا لهم انهم تأولوا فأخطأوا فلهم أجر واحد . وإذا رجعنا إلى كتب اللغة في معنى التأويل لرأيناهم يذكرون ان : التأويل هو بمعنى التفسير . وتفسير ما يأول إليه الشئ ( 4 ) .

ولكن المعتذرين استعملوه في غير معناه اللغوي بل في الأفعال التي ارتكبت مخالفة للنصوص الصريحة ( 5 ) .

( 1 ) الفصل لابن حزم ، والإصابة ج 4 / 151 .
( 2 ) راجع مصادر هذا الحديث في كتاب سبيل النجاة في تتمة المراجعات .
( 3 ) المحلى لابن حزم ج 10 / 484 والجوهر النقي لابن التركمان بذيل سنن البيهقي ج 8 / 58 وتاريخ ابن كثير ج 8 / 223 .
( 4 ) راجع كتب اللغة الصحاح ولسان العرب .
( 5 ) راجع ما يأتي من أبحاث في الكتاب ، ومقدمة مرآة العقول . ( * )

أبو طالب
04-21-2006, 09:20 PM
مدرسة الرأي

وفي القرن الثاني تطورت أسباب الاعتذار والتبرير من " التأويل " إلى الرأي وكانت مدارس الرأي كثيرة ادعى بعضهم وجودها في زمن الصحابة في الصدر الأول من الإسلام ولكن مدرسة الإمام أبي حنيفة المتوفى 150 ه‍ والمتواجدة في العراق فاقت بقية مدارس الرأي فقد بالغ بالأخذ به كمصدر أساسي للأحكام الشرعية ودليل قاطع فقد روى الخطيب البغدادي في ترجمة أبي حنيفة من تاريخ بغداد عن يوسف بن أسباط قال قال أبو حنيفة : " لو أدركني رسول الله وأدركته لأخذ بكثير من قولي وهل الدين الا الرأي الحسن " ( 1 ) .

ولهذا تشدد في أخذ النصوص من السنة النبوية إلى حد كان يرفض جملة كبيرة منها ، فقد روى الخطيب أيضا عن علي بن عاصم انه قال : حدثنا أبا حنيفة عن النبي فقال : لا آخذ به فقال : فقلت : عن النبي فقال : لا آخذ به وروي أيضا عن أبي إسحاق الفزاري قال : كنت آتي أبا حنيفة أسأله عن الشئ من أمر الغزو فسألته عن مسألة فأجاب فيها فقلت له : انه يروى فيه عن النبي كذا وكذا قال : دعنا عن هذا . وقال أيضا : كان أبو حنيفة يجيئه الشئ عن النبي صلى الله عليه وآله فيخالفه إلى غيره ( 2 ) .

وعلى هذا المبنى فقد أفتى بجملة من الأحكام الشرعية التي توجد كثير من الروايات على خلافها ( 3 ) .

والحاصل : ان الرأي في مدرسة أبي حنيفة بل وفي غيرها يساوي الاجتهاد

( 1 ) تاريخ بغداد ج 13 / 387 - 390 .
( 2 ) راجع هذه النصوص وغيرها في تاريخ بغداد للخطيب ج 13 / 387 - 390 وكتاب المجروحين لبستى ج 3 / 65 كما في مقدمة مرآة العقول ج 2 .
( 3 ) راجع ذلك في كتاب المحلى لابن حزم ج 7 / 81 و 111 وج 8 / 351 وج 10 / 360 وبداية المجتهد ومقدمة مرآة العقول ج 2 / 40 - 46 ( * ) .

- ص 15 -


وهما بمعنى واحد يقول مصطفى عبد الرزاق : " فالرأي الذي نتحدث عنه هو الاعتماد على الفكر في استنباط الأحكام الشرعية وهو مرادنا بالاجتهاد " ( 1 ) .

وهذا الاجتهاد عندهم على الأقل عدل للكتاب والسنة فكما انهما مدركان للأحكام الشرعية كذلك الرأي يقول الدواليبي في تقسيم الاجتهاد إلى ثلاثة :
أولا : البيان والتفسير لنصوص الكتاب والسنة .
ثانيا : القياس على الأشباه في الكتاب والسنة .
ثالثا : الرأي الذي لا يعتمد على نص خاص وانما على روح الشريعة . . " ( 2 ) .

ولعل الفقر العلمي الذي حصل لديهم وذلك من ان التلقي للأحاديث ومن مصدرها قد انقطع بوفاة الرسول صلى الله عليه واله لهذا مست الحاجة إلى مثل هذه الأمور بعكسه لمدرسة أهل البيت مثلا التي ترى ان الأئمة عليهم السلام هم استمرار لحركة الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وهم قد حفظوا جميع آثاره وهم لسانه الناطق فبوجودهم عليهم السلام لا تحتاج شيعتهم إلى الرأي والقياس وما شاكلهما .


مدرسة الحديث

ولما انتشرت مدرسة الرأي خرجت في قبالها مدرسة الحديث وقد أخذت هذه موقفا عكسيا لمدارس الرأي فقد اعتمدت هذه على ظواهر الحديث وشجبت جميع القضايا العقلية كالقياس والاستحسان والرأي وتعبدت بظواهر النصوص وكان من المؤيدين إلى هذه المدرسة الإمام مالك بن أنس ثم تم تشييدها على يد داود بن علي الظاهري المتوفى سنة 270 ه‍ وسمي بالظاهري

( 1 ) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ص 138 . ( 2 ) المدخل إلى علم أصول الفقه ص 55 ( * )

- ص 16 -


لأنه كان يعتمد على ظواهر الكتاب والسنة ولم يعتمد على الإجماع الا إذا اتفق جميع العلماء على الحكم .

وهذه المدرسة لم تتمكن من مصارعة مدرسة الرأي بالرغم من وجود علماء وأنصار لها كابن حزم الأندلسي فقد انقرضت هذه المدرسة في القرن الثامن الهجري .

أبو طالب
04-21-2006, 09:20 PM
مدرسة أهل البيت

ان مدرسة أهل البيت في تلقي الأحكام الإلهية ونشرها لها مميزاتها ومباديها الخاصة ولها الاستقلالية التامة عن جميع المدارس الأخرى التي حدثت وتعتقد ان الأحكام الشرعية يجب أن تكون من مصدر الهي ومن منبع الرسالة المحمدية لا غير وان علومهم علوم جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله ولهذا كثيرا ما يكررون ويؤكدون ان حديثهم هو حديث جدهم سواء أسندوها إليه أم لا ، وانهم لا يقولون بآرائهم بل علمهم موروث من جدهم إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ثم إلى الحسن ثم الحسين ثم الأئمة من بعده واحدا بعد واحد فمثلا علوم سيد العترة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مأخوذة من علم الرسول صلى الله عليه وآله فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله : " ان الله علم رسول الله الحلال والحرام والتأويل وعلم رسول الله علمه كله عليا " ( 1 ) .

و ( سأل رجل أبا عبدالله عليه السلام - الإمام الصادق - عن مسألة فأجابه فيها ، فقال الرجل : أرأيت ان كان كذا وكذا ما يكون القول فيها ؟ فقال له : مه ما أجبتك من شئ فهو عن رسول الله صلى الله عليه وآله لسنا من أرأيت في شئ " ( 2 ) .

( 1 ) بصائر الدرجات ص 290 وسائل الشيعة ، وراجع ما يأتي في الكتاب من الأحاديث التي قد وردت عن طريق مدرسة الخلفاء بهذا الصدد ص 568 وغيرها .
( 2 ) الكافي ج 1 / 58 ( * ) .

- ص 17 -


وفي حديث آخر للإمام الصادق عليه السلام : " مهما أجبتك فيه بشئ فهو عن رسول الله صلى الله عليه وآله لسنا نقول برأينا من شئ " ( 1 ) .

وغيرهما من عشرات الأحاديث في هذا الموضوع التي تؤكد ان مصدرهم هو جدهم الأعظم .

موقف مدرسة أهل البيت من الرأي

ان مدرسة أهل البيت عليهم السلام وقفت من القياس والرأي والاستحسان موقفا سلبيا بل ومن الاجتهاد الذي يساوي الرأي وأنكرته أشد الإنكار .

فقد ورد عنهم " ان دين الله لا يصاب بالمقائيس " و " ان دين الله لا يصاب بالقياس " وقالوا " ان السنة لا تقاس ألا ترى ان امرأة تقضى صومها ولا تقضى صلاتها يا أبان ان السنة إذا قيست محق الدين " ( 2 ) .

وكان موقف الإمام الصادق عليه السلام من مدرسة الرأي واضحا فقد أنكر على رائديها وخصوصا أبي حنيفة وقد وصلت عدة مناقشات بين الإمام الصادق وأبي حنيفة حصلت الغلبة فيها للصادق عليه السلام ( 3 ) .

وكذلك علماء مدرسة أهل البيت أنكروا العمل بالرأي والاجتهاد الذي يساويه . وقد ألفوا الكتب في الرد على من عمل بالرأي أو القياس قبل الغيبة الصغرى

( 1 ) بصائر الدرجات ص 301 .
( 2 ) راجع هذه الأحاديث في الكافي ج 1 / 56 و 57 .
( 3 ) حلية الأولياء ج 3 / 196 وابطال القياس لابن حزم ص 71 وسائل الشيعة ج 19 / 468 باب 44 من أبواب الديات . ( * )

- ص 18 -


وبعدها ، فقد صنف عبدالله بن عبدالرحمن الزبيري كتابا أسماه : " الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس " وصنف هلال بن أبي الفتح المدني كتابا في الموضوع باسم : " الرد على من رد آثار الرسول واعتمد على نتائج العقول " ( 1 ) .

وكان الشيخ الصدوق والشيخ المفيد والسيد المرتضى ينكرون الاجتهاد والرأي والقياس والاستحسان وان هذه الامور ليست من مذهب الإمامية ( 2 ) .

ولهذا أنكروا على ابن أبي الجنيد عمله بالقياس إلى حد رفضوا فتاويه مع ان الشيخ المفيد والسيد المرتضى من كبار المجتهدين . فيعرف من هذا ان الاجتهاد له مفهومان : مفهوم خاص ومفهوم عام

اما المفهوم الخاص : للاجتهاد فهو المفهوم الذي يساوي الرأي أو القياس أو الاستحسان يقول الشافعي . " في القياس ؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان قلت : هما اسمان بمعنى واحد " ( 3 ) وهذا الاجتهاد هو الذي كانت تأخذ به مدارس الرأي والتي تجعله مصدرا ودليلا للأحكام الشرعية كالكتاب والسنة ، وهذا بعينه الاجتهاد المرفوض لدى مدرسة أهل البيت وعلمائها رفضا باتا سواء كان في قباله نص صريح أم لا ولعل بعض الأبحاث التي دار الحديث عنها في داخل الكتاب يكون من مصاديقه .

( 1 ) رجال النجاشي ، المعالم الجديدة للأصول ص 24 .
( 2 ) المعالم الجديدة ص 25 ، الذريعة للسيد المرتضى ج 2 / 308 ، الجواهر ج 40 / 89 .
( 3 ) الرسالة للشافعي ص 477 ( * ) .

أبو طالب
04-21-2006, 09:21 PM
المفهوم العام للاجتهاد

وهو قريب من المعنى اللغوي ان لم يكن هو فان هذا الاجتهاد هو ان يقوم الفقيه بعملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها كالكتاب والسنة فبينما أصبح الاجتهاد بالمعنى الخاص دليلا يعتمد عليه الشخص حينما يسأل ويقول اجتهادي كان الاجتهاد بالمعنى العام هو بذل الجهد والطاقة في فهم الحكم الشرعي من الكتاب أو السنة الشريفة وان كان قد اختلف العناء والمشقة في استخراج الحكم من ظاهر الآية أو الرواية فبينما كان في السابق لا يوجد فيها أي عناء فلا يقال له اجتهاد بينما الآن أصبح العناء فيها شديدا جدا لما يبذله الفقيه من جهد علمي لتحديد الحكم الشرعي فيصدق عليه انه مجتهد . ومع البعد الزمني أصبحت عملية الاستنباط ليست جائزة فحسب بل واجبة وذلك لتوقف فهم الحكم الشرعي عليها وتحديد الوظيفة العملية للمكلف بها . وبهذا يفسر موقف جملة من علمائنا الأخيار حيث شجبوا الاجتهاد .

واستدلوا على حرمته بالروايات السابقة وغيرها ، فانه قد حصل اللبس والخلط بين المعنى الأول التي ترفضه مدرسة أهل البيت والمعنى الثاني التي توجبه على نحو الكفاية .


الاجتهاد في قبال النص

نعم مدرسة أهل البيت لا تجيز الاجتهاد مطلقا في ما إذا وجد نص على خلافه بل تلزم بالبحث عن النص قبل الحكم خصوصا مع احتمال وجوده وعلى هذا بنى المصنف كتابه هذا فانما هذه الموارد المذكورة يوجد على خلافها

- ص 20 -


النصوص الصريحة الواضحة والتي كانت منتشرة في البلاد وبين أيديهم الكثير منهم يعرفونها .

وعلى فرض عدم معرفتها لابد من الفحص ليتأكد عدم وجود الدليل ، ومن الواضح جدا ان الرسول الأعظم حينما يحدث بحديث قد يكون عنده شخص أو شخصان أو أكثر لان أكثرية الصحابة مشغولون بأمورهم وترتيب نظام اجتماعهم فيلزم بقية الصحابة الذين لم يحضروا وقت الحديث ان يفحصوا عنه وإلا فلا يحق لهم الحكم بدون ذلك .

* * *

وهذا الكتاب لأهميته في الأوساط العلمية وفائدته الجليلة ولأنه يعالج بعض القضايا بالرغم من كونها صعبة الا انها سوف تعود على الأمة الإسلامية بالنفع الكثيرة وخدمتها وتوحيد كلمتها ولم شعثها خصوصا وان مؤلفه الإمام شرف الدين لم يألوا جهدا في جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم وكتاباته في مراجعاته وفي فصوله المهمة تدل على ذلك لأجل ذلك وغيره طلب مني بعض الفضلاء والسادة الاجلة منذ زمن بعيد وتكرر الطلب على ان أحققه واعلق عليه وبعد مد وجزر قمت بذلك وتم والحمد لله فأرجو من الله العلي القدير ان يجعله خالصا لوجهه الكريم وان ينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين

أبو طالب
04-21-2006, 09:22 PM
النص والاجتهاد
تأليف الإمام عبد الحسين شرف الدين الموسوي قدس الله سره
تحقيق وتعليق أبو مجتبى

بسم الله الرحمن الرحيم ( 1 )

خطبة الكتاب

الحمد لله الذي اختص عبده ورسوله محمدا بما اختصه به من الكرامة والمنزلة والزلفى لديه ، فعلمه علم ما كان وعلم ما بقي ، وآتاه من الفضل ما لم يؤت أحدا من العالمين ، و " الله أعلم حيث يجعل رسالته " فختم به النبوة والوحي ونسخ بشريعته السمحة ما كان قبلها من شرائعه المقدسة المتعلقة بأفعال المكلفين ( 2 ) فحلال محمد هو الحلال إلى يوم القيامة ، وكذلك حرامه وسائر أحكامه ( 3 ) ، سواء أكانت تكليفية أم وضعية . وهذا مما أجمع عليه

( 1 ) بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد والأئمة من آله شهداء دار الفناء وشفعاء دار البقاء وعلى الصالحين من ذريتهم ومواليهم في كل خلف ورحمة الله وبركاته ( منه قدس ) .
( 2 ) دون ما كان منها متعلقا بأصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والبعث والجنة والنار والثواب والعقاب ، فان هذه وأمثالها مما جاء به آدم وسائر من بعده من الأنبياء حتى خاتمهم صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين ( منه قدس ) .
( 3 ) مضمون الحديث القائل : حلال محمد حلال إلى يوم القيامة . وسائل الشيعة ج 18 / 124 ح 47 ( * ) .

- ص 2 -


كافة ، كإجماعهم على نبوته صلى الله عليه وآله لم ينبس ( 1 ) منهم واحد بكلمة من خلاف فيه ، ولا رتم بها أبدا . وقد علموا - ولله الحمد - ان الشرائع الإسلامية قد وسعت الدنيا والآخرة بنظمها وقوانينها وحكمتها في جميع أحكامها وقسطها في موازينها ، وانها المدنية الحكيمة الرحيمة الصالحة لأهل الأرض في كل مكان وزمان ، على اختلافهم في أجناسهم وأنواعهم وألوانهم ولغاتهم .

لم يبق شارع الإسلام " وهو علام الغيوب جل وعلا " غاية الا أوضح سبيلها وأقام لأولي الألباب دليلها ، وحاشاه تعالت آلاؤه أن يوكل الناس إلى آرائهم ، أو يذرهم يسرحون في دينه على غلوائهم ، بل ربطهم - على لسان عبده وخاتم رسالته - بحبليه ، وعصمهم بثقليه ، وبشرهم بالهدى ما ان أخذوا بهديهما ، وأنذرهم الضلال ان لم يتمسكوا بهما ، واخبرهم انهما لن يفترقا ولن تخلو الأرض منهما حتى يردا عليه الحوض ( 2 ) ، فهما معا مفزع الأمة ومرجعها بعد نبيها ، فالمنتهج نهجهما لاحق به ، والمتخلف عنهما أو عن أحدهما مفارق له صلى الله عليه وآله وسلم ( 3 ) .

( 1 ) أي ما تكلم ، وكذا ما نبس ولا رتم ( منه قدس ) .
( 2 ) أشارة إلى حديث الثقلين الآتي مع مصادره تحت رقم - 15 - .
( 3 ) مشيرا إلى قوله صلى الله عليه وآله في القرآن وعترته : " فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم اعلم منكم " راجع الحديث في : الصواعق المحرقة ص 148 و 226 ط المحمدية وص 89 و 136 ط الميمنية ، مجمع الزوائد ج 9 ص 163 ط بيروت ، كنز العمال ج 1 ص 168 ح 958 ط 2 ، الدر المنثور للسيوطي ج 2 ص 60 ط مصر ، ينابيع المودة للقندوزى ص 41 و 355 ط الحيدرية وص 37 و 296 ط اسلامبول ، الغدير للأميني ج 1 ص 34 وج 3 ص 80 ط بيروت .

أبو طالب
04-21-2006, 09:22 PM
- ص 3 -


مثلهم في هذه الأمة كباب حطة في بني إسرائيل ، وكسفينة نوح في قومه ( 4 ) ، فليس لأحد - وان عظم شأنه - أن يتبع غير سبيلهم ، ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ) ( 5 )

وليس لأحد أن يحمل من المأثور عن الله تعالى آية أو عن رسوله سنة الا على ظاهرهما المتبادر منهما إلى الأذهان ، وليس له أن يحيد عن الظاهر المتبادر فضلا عن المنصوص عليه بصراحة ، الا بسلطان مبين ، فان كان هناك سلطان يخرج به الظاهر عن ظاهره عمل بمقتضاه ، والا فقد ضل وابتدع .

هذا ما عليه الأمة المسلمة - امة محمد صلى الله عليه وآله - بجميع مذاهبها ، فان من دينهم التعبد بظواهر الكتاب والسنة ، فضلا عن نصوصها الصريحة .

جروا في الأخذ بهما ، والعمل على مقتضاهما مجرى أهل العرف من أهل اللغات كلها ، فان أهل اللغات بأسرهم انما يحملون ألفاظهم المطلقة على ما يسبق منها إلى أذهانهم من المعاني ، لا يتأولون منها - عند انطلاقها - شيئا ، ولا يحملونها على ما تقتضيه أغراضهم ومصالحهم ، شخصية كانت أم عامة .

نعم رأيت - بكل أسف - بعض ساسة السلف وكبرائهم يؤثرون اجتهادهم في ابتغاء المصالح على التعبد بظواهر الكتاب والسنة ونصوصهما

( 4 ) مشيرا إلى حديث السفينة الآتي تحت رقم ( 17 ) فراجع .
( 5 ) أخرج ابن مردويه في تفسير الآية : ان المراد بمشاققة الرسول هنا انما هي المشاققة في شأن علي وان الهدى في قوله بعد ما تبين له الهدى انما هو شأنه عليه السلام وأخرج العياشي في تفسيره نحوه ، والصحاح متواترة من طريق العترة الطاهرة ، في ان سبيل المؤمنين انما هو سبيلهم عليهم السلام ( منه قدس ) . تفسير على بن إبراهيم القمي ج 1 ص 152 ط النجف ، البرهان في تفسير القرآن ج 2 ص 415 ط طهران . ( * )

- ص 4 -


الصريحة يتأولونها بكل جرأة ويحملون الناس على معارضتهما طوعا وكرها بكل قوة وهذا أمر ليس له قبلة ولا دبرة ( 1 ) فانا لله وإنا إليه راجعون .

وقد قال الله تعالى : ( ... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 2 ) )

وقال عز سلطانه : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ( 3 ) )

( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ( 4 ) )

( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ( 5 ) )

( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ( 6 ) )

( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) ( 7 ) .

فنطقه صلى الله عليه وآله كالقرآن الحكيم ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) ( 8 )

فليس لمن يؤمن بهذه الآيات أو يصدق بنبوته صلى الله عليه وآله أن يحيد عن نصوصه قيد شعرة فما دونها ، وما كان القوم كحائدين ، وانما كانوا كمجتهدين متأولين ( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) فانا لله وإنا إليه راجعون .

( 1 ) أي لا يعرف له وجه ( منه قدس ) .
( 2 ) الحشر آية 7 .
( 3 ) الأحزاب آية 36 . ( 4 ) النساء آية 65 .
( 5 ) التكوير آية 19 .
( 6 ) الحاقة آية 40 . ( 7 ) النجم آية 3 .
( 8 ) فصلت آية 42 ( * ) .

- ص 5 -


واليك في كتابنا هذا ( النص والاجتهاد ) من موارد تأولهم للنصوص واجتهادهم في إيثار المصلحة عليها ما تسعه العجالة وضعف الشيخوخة ، وبلابل المحن والإحن ونوائب الزمن ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب .

فخذها إليك مائة مورد في فصول سبعة لتسمعن بها ولك بعد ذلك رأيك ، والله الهادي إلى الحق والصواب ، واليه المرجع والمآب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير .

أبو طالب
04-21-2006, 09:23 PM
الفصل الأول
تأول أبى بكر واتباعه

المورد ( 1 ) يوم السقيفة


إذ بسط أبو بكر يده ليبايع بالخلافة عن رسول الله ( ص ) فبايعه من بايعه طوعا ، وبايعه - بعد ذلك - آخرون كرها ( 6 ) مع علمهم جميعا بعهد رسول

( 6 ) وقد تخلف عن بيعة أبى بكر جماعة منهم : 1 - على بن أبى طالب عليه السلام . 2 - العباس بن عبد المطلب 3 - الفضل بن العباس 4 - عتبة بن أبى لهب 5 - سلمان الفارسي 6 - أبو ذر الغفاري 7 - عمار بن ياسر 8 - المقداد 9 - البراء بن عازب 10 - أبى بن كعب 11 - سعد بن أبى وقاص 12 - طلحة بن عبيد الله 13 - الزبير بن العوام 14 - خزيمة بن ثابت 15 - فروة بن عمرو الأنصاري 16 - خالد بن سعيد بن العاص الأموي 17 - سعد بن عبادة الأنصاري لم يبايع حتى مات في خلافة عمر . وجماعة من بني هاشم راجع : العقد الفريد لابن عبد ربه ج 4 ص 259 ط 2 بمصر وج 2 ص 251 ط آخر و =>

- ص 7 -


الله صلى الله عليه وآله بها إلى أخيه وابن عمه علي بن أبي طالب ، وقد رأوه وسمعوه ينص عليه مستمرا في تكرار هذا النص من مبدأ أمره - في نبوته - إلى منتهى عمره الشريف . ويورده بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه .

ومن أراد التفصيل فعليه بكتابنا ( المراجعات ) ( 7 ) إذ استقصينا البحث ثمة عن تلك النصوص ، وعن كل ما هو حولها مما يقوله الفريقان في هذا الموضوع ، تبادلنا ذلك مع شيخنا شيخ الإسلام ومربي العلماء الأعلام الشيخ سليم البشري المالكي شيخ الجامع الأزهر يومئذ رحمه الله تعالى ، أيام كنا في خدمته ( 1 ) وكان إذ ذاك شيخ الأزهر ، فعني بي عنايته بحملة العلم عنه ، وجرت بيننا وبينه حول الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ونصوصها مناظرات

=> ج 3 ص 64 ط آخر أيضا ، عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 ص 105 ط 3 بيروت ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 ص 131 - 134 ط 1 بمصر ، الغدير للأميني ج 5 ص 370 - 371 وج 7 ص 76 و 77 ط بيروت ، مروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 301 ط دار الأندلس بيروت ، أسد الغابة لابن الأثير ج 3 ص 222 ط مصر ، تاريخ الطبري ج 3 ص 208 ط دار المعارف بمصر ، الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 325 و 331 ط دار صادر ، تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 103 و 105 ط الغرى ، سمط النجوم العوالي للعاصمى المكى ج 2 ص 244 ط السلفية ، السيرة الحلبية ج 3 ص 356 ط البهية بمصر .
استعمال القوة والإكراه في البيعة لأبي بكر . راجع : شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 ص 219 وج 6 ص 9 و 11 و 19 و 40 و 47 و 48 و 49 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل وج 1 ص 74 وج 2 ص 4 - 19 ط 1 ، وغيرها .

( 7 ) وكتابنا ( سبيل النجاة في تتمة المراجعات ) المطبوع ملحقا بالمراجعات ط بغداد والطبعة الثانية في بيروت 1402 ه‍ .

( 1 ) وذلك سنة 1329 والتي بعدها بعد رجوعنا من الجامعة العلمية في النجف الأشرف ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 9 -


ومراجعات خطية ، بذلنا الوسع فيها ايغالا في البحث والتمحيص ، وإمعانا فيما يوجبه الإنصاف والاعتراف بالحق ، فكانت تلك المراجعات بيمن نقيبة الشيخ سفرا من انفع أسفار الحق ، يتجلى فيها الهدى بأجلى مظاهره والحمد لله على التوفيق ( 1 ) .

وها هي تلك ، منتشرة في طول البلاد وعرضها ، تدعو إلى المناظرة بصدر شرحه الله للبحث ، وقلب واع لما يقوله الفريقان ، ورأي جميع ولب رصين ، فلا تفوتنكم أيها الباحثون . نعم لي رجاء أنيطه بكم فلا تخيبوه .

أمعنوا في أهداف النبي صلى الله عليه وآله ومراميه من أقواله وأفعاله . التي هي محل البحث بيننا وبين الجمهور ، ولا تغلبنكم العاطفة على إفهامكم وعقولكم ، كالذين عاملوها معاملة المجمل أو المتشابه من القول ، لا يأبهون بشئ من صحتها ، ولا من صراحتها ، والله تعالى يقول : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ) ( 8 ) فأين تذهبون ، أيها المسلمون ( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) ( 9 ) .

ما رأيت كنصوص الخلافة صريحة متواترة صودرت من أكثر الأمة ، والجرح لما يندمل والنبي لما يقبر . على ان حياة النبي بعد النبوة كانت مليئة مفعمة بتلك النصوص منذ يوم الإنذار في دار أبي طالب ( 10 ) فما بعده من الأيام حتى سجي صلى الله عليه وآله على فراش الموت

( 1 ) وقد بلغت مائة واثنتي عشرة مراجعة ( منه قدس ) .
( 8 ) سورة التكوير آية : 19 - 22 .
( 9 ) سورة الحاقة آية : 3 - 5 .
( 10 ) إذا دعا عشيرته الأقربين لينذرهم ، وكان آخر كلامه معهم ان أخذ بيد على =>

أبو طالب
04-21-2006, 09:24 PM
- ص 9 -


. . . . . .

=> فقال : ان هذا أخي ووزيري ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا ، فلتراجع المراجعة 20 والتي بعدها من المراجعات ( منه قدس ) .
حديث الدار يوم الإنذار وفيه قال النبي صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام : " ان هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا " .
راجع : تاريخ الطبري ج 2 ص 319 - 321 ط دار المعارف بمصر ، الكامل في التاريخ لابن الأثير الشافعي ج 2 ص 62 و 63 ط دار صادر في بيروت ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 13 ص 210 و 244 وصححه ط مصر بتحقيق أبو الفضل ، السيرة الحلبية للحلبي الشافعي ج 1 ص 311 ط البهية بمصر ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 41 و 42 ط الميمنية بمصر ، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج 1 ص 371 ح 514 و 580 ط 1 بيروت ، كنز العمال ج 6 ص 392 ط 1 وج 15 ص 115 ح 334 ط 2 ، ترجمة الإمام على بن أبى طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ج 1 ص 85 ح 139 و 140 و 141 ط 1 بيروت ، حياة محمد لمحمد حسين هيكل ص 104 الطبعة الأولى سنة 1354 ه‍

وفى الطبعة الثانية وما بعدها من طبعات الكتاب حذف من الحديث قوله صلى الله عليه وآله : " وان يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم " ! وأكبر شاهد مراجعة الطبعة الأولى والطبعات الأخرى ، جريدة السياسة المصرية لمحمد حسين هيكل ملحق عدد - 2751 - بتاريخ 12 ذي القعدة 1350 ه‍ ص 5 وص 6 من ملحق عدد : - 2785 - ذكر الحديث بتمامه ، تفسير الخازن ج 3 ص 371 و 390 ط مصر ، التفسير المنير لمعالم التنزيل للجاوي ج 2 ص 118 ط 3 ، تفسير الطبري ج 19 ص 121 ط 2 ولكن المؤلف أو الطابع حرف آخر الحديث فحذف قوله صلى الله عليه وآله : " ان هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم " وذكر بدله " ان هذا أخي وكذا وكذا ! ! " فيا للعجب لهذه الأعمال التي تنطوي على الحقد الدفين والحسد المشين مع انه ذكر الحديث تاما في تاريخه ج 2 ص 219 كما تقدم . وبلفظ آخر : وفيه نزل قوله تعالى : " وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ " الشعراء : 214 يوجد في =>

- ص 10 -


والحجرة غاصة بأصحابه فقال : " أيها الناس يوشك أن اقبض قبضا سريعا فينطلق بي . وقد قدمت إليكم الا أني مخلف فيكم كتاب الله عزوجل وعترتي أهل بيتي " . ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال : " هذا علي مع القرآن ، والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض " ( 11 ) . وكفى بنصوص

=> شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج 1 ص 372 ح 514 وج 2 ص 420 ح 580 ط 1 بيروت ، مسند أحمد ج 1 ص 111 ط الميمنية بمصر ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 204 - 206 ط الحيدرية وص 89 ط الغرى ، تذكرة الخواص للسبط بن الجوزى الحنفي ص 38 ط الحيدرية وص 44 ط النجف ، كنز العمال ج 6 ص 396 ط 1 وج 15 ص 113 و 115 ط 2 ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 41 و 42 و 43 ط الميمنية بمصر ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 105 ط اسلامبول وص 122 ط الحيدرية ، تاريخ أبى الفداء ج 1 ص 119 ط القسطنطنية ، الدر المنثور للسيوطي ج 5 ص 97 ط مصر ، تفسير ابن كثير ج 3 ص 351 ط مصر . وبلفظ ثالث يوجد في : خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 86 ط الحيدرية وص 30 ط بيروت ، نظم درر السمطين للزرندى الحنفي ص 83 ط النجف ، مجمع الزوائد ج 8 ص 302 وج 9 ص 113 ط القدسي . ولاجل المزيد من المصادر راجع ( سبيل النجاة في تتمة المراجعات ) تحت رقم - 711 - ط بيروت .
( 11 ) يوجد في : الصواعق المحرقة لابن حجر الشافعي ص 124 ط المحمدية وص 75 ط الميمنية بمصر ، ينابيع المودة للقندوزى الحنفي ص 285 ط اسلامبول وص 342 ط الحيدرية .

وقوله صلى الله عليه وآله : " علي مع القرآن والقرآن مع على لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " يوجد في : المستدرك على الصحيحين للحاكم ج 3 ص 124 وصححه ، تلخيص المستدرك للذهبي مطبوع بذيل المستدرك ج 3 ص 124 وصححه أيضا ، المناقب للخوارزمي الحنفي =>

- ص 11 -


الثقلين حكما بين الفريقين ( 12 ) ، وخصائص علي كل نص جلي : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) ( 13 ) .

استأثروا بالأمر يوم السقيفة ، متأولين نصوص لا يلوون على شئ ، وقد قضوا أمرهم بينهم بدون أن يؤذنوا به أحدا من بني هاشم وأوليائهم ( 14 ) وهم أهل بيت النبوة ، وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ، ومهبط الوحي والتنزيل ، حتى كأنهم عليهم السلام لم يكونوا ثقل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأعدال كتاب الله عزوجل ( 15 )

=> ص 110 ط الحيدرية وص 107 ط تبريز ، المعجم الصغير للطبراني ج 1 ص 55 ط دار النصر بالقاهرة ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 399 ط الحيدرية وص 254 ط الغرى ، مجمع الزوائد ج 9 ص 134 ط القدسي ، الصواعق المحرقة ص 122 و 124 ط المحمدية وص 74 و 75 ط الميمنية ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 173 ط السعادة ، إسعاف الراغبين المطبوع بهامش نور الأبصار ص 157 ط السعيدية وص 143 ط العثمانية ، الغدير للأميني ج 3 ص 180 ط بيروت ، نور الأبصار للشبلنجى ص 73 ط السعيدية ، ينابيع المودة للقندوزى ص 40 و 90 و 185 و 237 و 283 و 285 ط اسلامبول وص 44 و 103 و 219 و 281 و 339 و 342 ط الحيدرية وج 1 ص 38 و 88 وج 2 ص 10 و 61 و 108 و 110 ط العرفان بصيدا ، فيض القدير للشوكاني ج 4 ص 358 ، الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 56 ط الميمنية ، الفتح الكبير للنبهاني ج 2 ص 242 ط مصر ، غاية المرام ص 540 ( باب ) 45 ط ايران ، أسنى المطالب للحوت ص 201 ح 898 .
( 12 ) سوف تأتى مصادره تحت رقم ( 15 ) .
( 13 ) سورة ق : 37 .
( 14 ) لم يحضر أحد من بني هاشم السقيفة بل كانوا متخلفين راجع المصادر تحت رقم ( 6 )
( 15 ) إشارة إلى النصوص الصريحة في السنن الصحيحة ، التي أنزلت العترة من منزلة الكتاب فجعلتهما القدوة لأولى الألباب ، وقد أخرجها مسلم في صحيحه ، وأخرجها =>

أبو طالب
04-21-2006, 09:24 PM
- ص 12 -


. . . . . . .

=> الترمذي والنسائي والإمام أحمد في مسنده والطبراني في الكبير ، والحاكم في مستدركه والذهبي في تلخيص المستدرك ، وابن أبى شيبة وأبو يعلى في سننهما ، وابن سعد في الطبقات ، وغير واحد من أصحاب السنن بطرق متعددة وأسانيد كثيرة ، والتفصيل في المراجعة 8 من مراجعاتنا ( منه قدس ) .
أقول : إشارة إلى مضمون الحديث المتواتر وهو حديث الثقلين قال ( ص ) : " يا أيها الناس إني تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي " . راجع الحديث في : صحيح الترمذي ج 5 ص 328 ط بيروت وج 13 ص 199 ط الصاوى وج 2 ص 308 ط بولاق بمصر ، تفسير ابن كثير ج 4 ص 113 دار إحياء الكتب العربية بمصر ، مصابيح السنة للبغوي ص 206 ط القاهرة وج 2 ص 279 ط محمد على صبيح ، جامع الأصول لابن الأثير ج 1 ص 187 ط مصر ، مشكاة المصابيح ج 3 ص 258 ط دمشق ، إحياء الميت للسيوطي بهامش الإتحاف ص 114 ط الحلبي ، الفتح الكبير للنبهاني ج 1 ص 503 وج 3 ص 385 ط دار الكتب العربية ، الشرف المؤبد للنبهاني أيضا ص 18 ط مصر ، نظم درر السمطين للزرندى الحنفي ص 232 ط النجف ، ينابيع المودة للقندوزى الحنفي ص 33 و 45 و 445 ط الحيدرية وص 30 و 41 و 370 ط اسلامبول

وبلفظ ثان قال صلى الله عليه وآله : " إني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى ، أحدهما أعظم من الأخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما " . راجع الحديث في : صحيح الترمذي ج 5 ص 329 ط دار الفكر بيروت وج 13 ص 200 ط الصاوى وج 2 ص 308 ط بولاق بمصر ، نظم درر السمطين للزرندى ص 231 ط النجف ، الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص 7 و 306 ط مصر ، ذخائر العقبى ص 16 ط القدسي ، الصواعق المحرقة ص 89 ط الميمنية وص 147 و 226 ط المحمدية ، أسد الغابة لابن الأثير ج 2 ص 12 =>


- ص 13 -


وأمان الأمة من الاختلاف ( 16 )

=> ط مصر ، المعجم الصغير للطبراني ج 1 ص 135 ط دار النصر بمصر ، ينابيع المودة للقندوزى الحنفي ص 33 و 40 و 226 و 355 ط الحيدرية وص 30 و 36 و 191 و 296 ط اسلامبول ، تفسير ابن كثير ج 4 ص 113 ط مصر ، عبقات الأنوار ج 1 من حديث الثقلين ص 25 ط اصفهان ، كنز العمال ج 1 ص 44 ح 874 ط 1 وج 1 ص 154 ط 2 ، الفتح الكبير للنبهاني ج 1 ص 451 ط مصر ، تفسير الخازن ج 1 ص 4 ط مصر ، مصابيح السنة للبغوي ج 2 ص 279 ط محمد على صبيح وص 206 ط الخيرية ، جامع الأصول لابن الأثير ج 1 ص 187 ط مصر ، مشكاة المصابيح للعمري ج 3 ص 258 ط دمشق .
وفى لفظ ثالث عن زيد بن ثابت قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وآله إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وانهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض " . راجع : الفضائل لأحمد بن حنبل بترجمة الإمام الحسين ص 28 ح 56 . مسند أحمد بن حنبل ج 5 / 182 و 189 ط 1 ، فرائد السمطين للحموينى ج 2 / 144 عن زيد بن ثابت قال : قال النبي صلى الله عليه وآله : " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عزوجل وعترتي أهل بيتي ألا وهما الخليفتان من بعدى ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " .

وعن أبى سعيد الخدري أيضا : " إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الأخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وانهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض " . الفضائل لأحمد بن حنبل ص 20 ح 35 ترجمة الحسين وح 36 . ويوجد هذا الحديث بألفاظ أخرى متعددة ومصادر كثيرة جدا ولأجل المزيد من الاطلاع راجع ( سبيل النجاة في تتمة المراجعات تحت رقم - 30 و 31 و 32 و 33 و 34 و 35 و 36 ط في بغداد وبيروت مع المراجعات ) .

( 16 ) إشارة إلى قوله صلى الله عليه وآله : أهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف ، فإذا خالفتهم =>

- ص 14 -


وسفينة نجاتها من الضلال ( 17 ) . وباب حطتها ( 18 ) .

=> قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس . أخرجه الحاكم في ص 149 من الجزء 3 من المستدرك ، ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ( منه قدس ) . والصواعق المحرقة لابن حجر ص 91 و 140 ط الميمنية وص 150 و 234 ط المحمدية وصححه ، إحياء الميت للسيوطي بهامش الإتحاف ص 114 ط الحلبي بمصر ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 93 ط الميمنية بمصر ، ينابيع المودة للقندوزى الحنفي ص 298 ط اسلامبول وص 357 ط الحيدرية ، جواهر البحار للنبهاني ج 1 / 361 . ولأجل المزيد من المصادر راجع كتاب ( سبيل النجاة في تتمة المراجعات طبع ملحقا بالمراجعات في بغداد وبيروت تحت رقم - 41 - ) .
( 17 ) إشارة إلى ما أخرجه الحاكم بالإسناد إلى أبى ذر ص 151 من الجزء 3 من المستدرك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " ان مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق " ( منه قدس ) . وراجع أيضا : تلخيص المستدرك للذهبي ، نظم درر السمطين للزرندى الحنفي ص 235 ط النجف ، ينابيع المودة للقندوزى ص 30 و 370 ط الحيدرية وص 27 و 308 ط اسلامبول ، الصواعق المحرقة ص 184 و 234 ط المحمدية وص 111 و 140 ط الميمنية ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ، إسعاف الراغبين للصبان ص 109 ط السعيدية و 102 ط العثمانية ، جواهر البحار ج 1 / 361 ، الفضائل لأحمد بن حنبل بترجمة الإمام الحسين ص 28 ح 55 .

( 18 ) إشارة إلى ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبى سعيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إنما مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة بني إسرائيل من دخله غفر له ( منه قدس ) . راجع : كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 378 ط الحيدرية وص 234 ط الغرى ، مجمع الزوائد ج 9 ص 168 ، المعجم الصغير للطبراني ج 2 ص 22 ط دار =>

- ص 15 -


وكأنهم لم يكونوا من الأمة بمنزلة الرأس من الجسد ، وبمنزلة العينين من الرأس ( 19 ) بل كأنهم انما كانوا ممن عناهم الشاعر في المثل السائر .

=> النصر بمصر ، إحياء الميت للسيوطي بهامش الإتحاف ص 113 ط الحلبي ، ينابيع المودة ص 28 و 298 ط اسلامبول وص 30 و 358 ط الحيدرية ، رشفة الصادى لأبي بكر الحضرمي ص 79 ط مصر ، الصواعق المحرقة ص 91 ط الميمنية وص 150 ط المحمدية وهذا الحديث من الأحاديث المتواترة وان شئت المزيد فراجع ( سبيل النجاة في تتمة المراجعات تحت رقم - 39 و 40 ) ففيهما عشرات المصادر .

وفى لفظ آخر يقول صلى الله عليه وآله : " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق " . يوجد في : حلية الأولياء ج 4 ص 306 ط السعادة بمصر ، مناقب على بن أبى طالب لابن المغازلى الشافعي ص 132 ح 173 و 176 ط 1 بطهران ، ذخائر العقبى ص 20 ط القدسي ، مجمع الزوائد ج 9 / 168 ، إحياء الميت ص 113 ، الجامع الصغير للسيوطي ج 2 / 132 ط الميمنية ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 / 92 ط الميمنية ، الفتح الكبير للنبهاني ج 3 / 123 ط مصر ، ينابيع المودة ص 187 و 193 ط اسلامبول وص 221 و 228 ط الحيدرية ، مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 / 104 ط مطبعة الزهراء . وغيرها من المصادر .

( 19 ) نقل الإمام الصبان في كتابه - إسعاف الراغبين - والشيخ يوسف النبهاني في - الشرف المؤبد - وغير واحد من الثقات بالإسناد إلى أبى ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله اجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد ، ومكان العينين من الرأس ، ولا يهتدى الرأس الا بالعينين ، ومن أراد تفصيل هذه الأحاديث وما يجرى مجراها فعليه بمراجعاتنا ، ولا سيما المراجعة 6 وما بعدها حتى المراجعة 13 ( منه قدس ) . راجع : إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص 110 ط السعيدية وص 102 ط العثمانية ، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكى ص 8 ط الحيدرية ، مجمع الزوائد ج 9 ص 172 ط بيروت ، الشرف المؤبد للنبهاني . ( * )

أبو طالب
04-21-2006, 09:25 PM
- ص 16 -



ويقضي الأمر حين تغيب تيم = ولا يستأذنون وهم شهود ( 20 )

أجل قضي الأمر في السقيفة ورسول الله صلى الله عليه وآله لقى بين عترته الطاهرة وأوليائهم ثلاثة أيام ، وهم حوله يتقطعون حسرات ، ويتصعدون زفرات قد أخذهم من الحزن ما تنفطر به المرائر ، ومن الهم والغم ما يذيب لفائف القلوب ، ومن الرعب والوجل ما تميد به الجبال ومن الهول والفرق ما أطار عيونهم ، وضيق الأرض برحبها عليهم .

وأولئك في معزل عن المسجى ثلاثا - بأبي وأمي - يرهفون لسلطانه عزائمهم ويشحذون لملكه آراءهم ، لم يهتموا في شئ من أمره ، حتى قضوا أمرهم مستأثرين به . وما ان فاءوا إلى مواراته حتى فاجأوا أولياءه وأحباءه بأخذ البيعة منهم ، أو التحريق عليهم ( 21 ) كما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدته السائرة :

( 20 ) هذا البيت .
( 21 ) تهديدهم عليا بالتحريق ثابت بالتواتر القطعي ، وحسبك ما أخرجه أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب ( السقيفة ) كما في ص 130 وفى ص 134 من المجلد الأول من شرح النهج الحميدى . وأخرجه ابن جرير الطبري في موضعين في أحداث السنة الحادية عشرة من تاريخ الأمم والملوك . وذكره ابن قتيبة في أوائل كتابه - الإمامة والسياسة - . وابن عبد ربه المالكي في حديث السقيفة في الجزء الثاني من العقد الفريد .
والمسعودي في مروج الذهب نقلا عن عروة بن الزبير في مقام الاعتذار عن أخيه عبدالله ، إذ هم بالتحريق على بني هاشم حين تخلفوا عن بيعته . وابن الشحنة حيث ذكر بيعة السقيفة في كتابه ( روضة المناظر ) . وأبو الفداء حيث أتى على ذكر أخبار أبى بكر في تاريخه الموسوم بالمختصر في أخبار البشر . ورواه الشهرستاني عن النظام عند ذكره للفرقة النظامية من كتاب - الملل والنحل - ونقله العلامة الحلي في ( نهج الصدق ) عن كتاب ( المحاسن وأنفاس الجواهر ) وغرر ابن خنزابة . وأفرد أبو مخنف لبيعة السقيفة كتابا فيه التفصيل ( منه قدس ) =>

- ص 17 -



وقولة لعلي قالها عمر = أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرقت دارك لا أبقى عليك بها= ان لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص بقائلها= أمام فارس عدنان وحاميها ( 22 )

فلو فرض ان لا نص بالخلافة على أحد من آل محمد صلى الله عليه وآله ، وفرض كونهم مع هذا غير مبرزين في حسب أو نسب ، أو أخلاق ، أو جهاد ، أو علم ، أو عمل ، أو إيمان ، أو إخلاص ولم يكن لهم السبق في مضامير كل فضل ، بل كانوا كسائر الصحابة ، فهل كان من مانع شرعي أو عقلي أو عرفي ، يمنع من تأجيل عقد البيعة إلى فراغهم من تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ؟ ولو بأن يوكل حفظ الأمن إلى القيادة العسكرية مؤقتا حتى يستتب أمر الخلافة ؟

أليس هذا المقدار من التريث كان أرفق بأولئك المفجوعين ؟ وهم وديعة النبي لديهم ، وبقيته فيهم ، وقد قال الله تعالى : ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) ( 23 ) أليس على حق هذا الرسول - الذي يعز عليه عنت الأمة ، ويحرص على

=> تهديد عمر عليا وفاطمة بالإحراق : راجع : الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج 1 / 12 ط مصر ، العقد الفريد لابن عبد ربه المالكي ج 4 / 259 و 60 ط 2 بمصر ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 134 وج 2 / 19 ط 1 بمصر وج 2 / 56 وج 6 / 48 ط مصر بتحقيق أبو الفضل وج 1 / 157 ط دار الفكر ، تاريخ الطبري ج 3 / 202 ط دار المعارف بمصر ، الملل والنحل للشهرستاني ج 1 / 57 ط بيروت ، تاريخ أبى الفداء ج 1 / 156 ، أعلام النساء ج 3 / 1207 ، تاريخ ابن شحنة بهامش الكامل ج 7 / 164 ، بحار الأنوار ج 28 / 328 و 339 ط الجديد ، الغدير للأميني ج 7 / 77 ط بيروت ، عبدالله بن سبأ ج 1 / 108 ط بيروت .
( 22 ) ديوان حافظ إبراهيم . ( 23 ) سورة التوبة : 128 ( * ) .

- ص 18 -


سعادتها ، وهو الرؤوف بها الرحيم لها - ان لا تعنت عترته فلا تفاجأ بمثل ما فوجئت به ، - والجرح لما يندمل ، والنبي لما يقبر - ؟ ! وحسبها يومئذ فقد رسول الله صلى الله عليه وآله قارعة تفترش بها القلق ، وتتوسد الأرق ، وتساور الهموم ، وتسامر النجوم ، وتتجرع الغصص ، وتعالج البرحاء ، فالتريث الذي قلناه كان أولى بتعزيتها ، وأدنى إلى حفظ رسول الله صلى الله عليه وآله فيها ، وأجمع لكلمة الأمة ، واقرب إلى استعمال الحكمة ، ولكن القوم صمموا على صرف الخلافة عن آل محمد صلى الله عليه وآله مهما كلفهم الأمر ، فخافوا من التريث أن يفضي بهم إلى خلاف ما صمموا عليه ، فان آل محمد إذا حضروا المشورة ظهرت حجتهم وعلت كلمتهم ، فبادر القوم بعقد البيعة ، واغتنموا اشتغال الهاشميين برزيتهم ، وانتهزوا انصرافهم بكلهم إلى واجباتهم بتجهيز جنازتهم المفداة .

وأعان أولئك على ما دبروه دهشة المسلمين وذعرهم ، وتزلزل أقدامهم ، واجتماع أكثر الأنصار في السقيفة يرشحون سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج ، لكن ابن عمه بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي وأسيد بن الحضير سيد الأوس ، كانا ينافسانه في السيادة فحسداه على هذا الترشيح وخافا أن يتم له الأمر ، فأضمرا له الحسيكة مجمعين على صرف الأمر عنه بكل ما لديهما من وسيلة ، وصافقهما على ذلك عويم بن ساعدة الأوسي ، ومعن بن عدي حليف الأنصار ، وقد كان هذان على اتفاق سري مع أبي بكر وعمر وحزبهما ، فكانا من أولياء أبي بكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكانا مع ذلك ذوي بغض وشحناء لسعد بن أبي عبادة ، فانطلق عويم إلى أبي بكر وعمر مسرعا فشحذ عزمهما لمعارضة سعد ، وأسرع بهما إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة ، وسالم مولى أبي حذيفة ، ولحقهم آخرون من حزبهم من المهاجرين .

أبو طالب
04-21-2006, 09:26 PM
- ص 19 -


فاحتدم الجدال بين المهاجرين والأنصار ، واشتدت الخصومة حتى ارتفعت أصواتهم بها وكادت الفتنة أن تقع ، فقام أبو بكر بكلام أثنى فيه على الأنصار ، واعترف لهم بالجميل خاطبا ودهم بلين ورقة

واحتج عليهم : بأن المهاجرين شجرة رسول الله وبيضته التي تفقأت عنه ، ورشحهم للوزارة إذا تمت للمهاجرين الإمرة ، ثم أخذ بضبعي عمر وأبي عبيدة فأمر المجتمعين بمبايعة أيهما شاؤا ، وما ان فعل ذلك حتى تسابق إلى بيعته عمر وبشير ، وما ان بايعاه حتى تبارى إلى بيعته أسيد بن الحضير ، وعويم بن ساعدة ، ومعن بن عدي ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولي أبي حذيفة ، وخالد بن الوليد ( 24 ) واشتد هؤلاء على حمل الناس على البيعة بكل طريق ، وكان أشدهم في ذلك عمر ، ثم أسيد وخالد وقنفذ ( 1 ) بن عمير بن جدعان التميمي ( 25 ) وما بويع أبو بكر حتى أقبلت به الفئة التي بايعته تزفه إلى مسجد

( 24 ) ولأجل المزيد من المصادر راجع : كتاب عبدالله بن سبأ للعسكري ج 1 / 82 - 132 .
( 1 ) كان هؤلاء مع الجماعة الذين دخلوا بيت فاطمة عليها السلام وحسبك ما هو منقول عنهم في ص 19 من المجلد الثاني من شرح النهج . وروى أحمد بن عبد العزيز الجوهري - كما في ص 130 من المجلد الأول من شرح النهج - قال : لما بويع أبو بكر كان الزبير والمقداد يختلفان في جماعة من الناس إلى علي وهو في بيت فاطمة فخرج عمر حتى دخل على فاطمة فقال : يا بنت رسول الله ما من أحد من الخلق أحب إلينا من أبيك ، ومنك بعد أبيك وايم الله ما هذا بما نعى ان اجتمع هؤلاء النفر عندك ان آمر بتحريق البيت عليهم . ( الحديث ) ( منه قدس ) .
( 25 ) استعمال القوة والإكراه في البيعة لأبي بكر : راجع : شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 219 وج 6 / 9 و 11 و 19 و 40 و 47 و 48 و 49 ط مصر بتحقيق أبو الفضل وج 1 / 74 وج 2 / 4 - 19 ط 1 بمصر . ( * )

- ص 20 -


رسول الله صلى الله عليه وآله زفاف العروس ( 26 ) والنبي صلى الله عليه وآله ثمة لقي بين أولئك المولهين والمولهات من الطيبين والطيبات ، فما وسع أمير المؤمنين عليه السلام حينئذ الا التمثيل بقول القائل ؟


وأصبح أقوام يقولون ما اشتهوا =ويطغون لما غال زيدا غوائل ( 27 )

وكان عليه السلام على علم من تصميم القوم على صرف الأمر عنه ، وانه لو نازعهم فيه لنازعوه ، ولو قاتلهم عليه لقاتلوه ، وان ذلك يوجب التغرير في الدين والخطر بالأمة ، فاختار الكف احتياطا على الإسلام ، وإيثارا للصالح العام ، وتقديما للأهم على المهم ، عهد معهود من رسول الله صلى الله عليه وآله . صبر أمير المؤمنين على تنفيذه وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى ( 1 ) .

نعم قعد في بيته ساخطا مما فعلوه ، حتى أخرجوه كرها ( 28 ) احتفاظا بحقه المعهود به إليه

( 26 ) نص على زفافه الزبير بن بكار في الموفقيات كما في ص 8 من المجلد الثاني من شرح النهج ( منه قدس ) . وج 6 / 19 ط مصر بتحقيق أبو الفضل .
( 27 ) نقل تمثله بهذا البيت أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب - السقيفة - كما في ص 5 من المجلد الثاني من شرح النهج الحميدى ( منه قدس ) . شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 6 / 14 بتحقيق أبو الفضل .
( 1 ) وتفصيل هذه الأمور كلها في رسالتنا - فلسفة الميثاق والولاية - وحسبك المراجعة 82 و 84 من كتابنا - المراجعات - فان فيهما من التفصيل ما يثلج الغليل . وكذلك التنبيه المعقود في الفصل الثامن من - فصولنا المهمة - فراجع ( منه قدس ) .

( 28 ) أخرج أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة - كما في ص 19 من المجلد الثاني من شرح النهج الحميدى - عن الشعبى حديثا قال فيه : فانطلق عمر وخالد بن الوليد إلى بيت فاطمة فدخل عمر ووقف خالد على الباب ، فقال عمر للزبير : ما هذا =>

- ص 21 -


واحتجاجه على من استبد به ( 29 ) وما أبلغ حجته إذ قال مخاطبا لأبي بكر :


فأن كنت بالقربى حججت خصيمهم= فغيرك أولى بالنبي وأقرب
=> السيف ؟ قال : أعددته لأبايع عليا . قال وكان في البيت ناس كثير منهم المقداد وجمهور الهاشميين ، فاخترط عمر السيف وضرب به صخرة في البيت فكسره ثم أخرجوا الزبير إلى خالد ومن معه ، وكان معه جمع كثير أرسلهم أبو بكر ردءا لعمر وخالد ، ثم قال عمر لعلى : قم فبايع . فتلكأ وأحتبس ، فأخذ بيده فقال : قم ، فأبى فحملوه ودفعوه إلى خالد كما دفعوا الزبير وساقهما عمر ومن معه من الرجال سوقا عنيفا ، واجتمع الناس ينظرون ، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال ، فلما رأت فاطمة ما صنع عمر صرخت وولولت ، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهن ، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت : يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله . والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله ، ( الحديث ) ، ومن استقصى ما كان منهم يومئذ تجلت له الحقيقة في قول أبى بكر عند موته : وددت إني لم أكشف عن بيت فاطمة ولو أغلق على حرب .
وأخرج أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة أيضا من حديث أبى لهيعة عن أبى الأسود : ان عمر وأصحابه اقتحموا الدار وفاطمة تصيح وتناشدهم الله ، وأخرجوا عليا والزبير يسوقهما عمر سوقا ، وأخرج أبو بكر الجوهري : ان عمر جاء إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار ونفر قليل من المهاجرين ، فقال : والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم ، فخرج إليه الزبير مصلتا بالسيف ، فاجتمعوا عليه حتى ندر السيف من يده ، فضرب به عمر الحجر فكسره ، ثم أخرجهم بتلابيبهم يسوقهم سوقا عنيفا . ( الحديث ) ، فراجعه في ص 19 من المجلد الثاني من شرح النهج ، وكل ما ذكرناه هنا تجده هناك ( منه قدس ) .

أخراج الإمام أمير المؤمنين ( ع ) كرها لأجل البيعة : راجع : العقد الفريد ج 4 / 335 ط لجنة التأليف والنشر في مصر وج 2 / 285 ط آخر ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 3 / 415 ط أفست بيروت وج 6 / 11 و 48 ط مصر بتحقيق أبو الفضل .
( 29 ) مطالبة الإمام ( ع ) بحقه واحتجاجه عليهم =>

أبو طالب
04-21-2006, 09:26 PM
- ص 22 -



وان كنت بالشورى ملكت أمورهم = فكيف بهذا والمشيرون غيب ( 1 )

=> راجع : نهج البلاغة للإمام علي راجع الخطبة برقم : 2 و 3 و 6 و 26 و 87 و 143 و 149 و 166 و 167 و ( باب الكلام ) برقم : 71 و 161 و ( باب الحكم ) برقم : 21 ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 138 و 205 و 223 وج 2 / 20 وج 6 / 384 وج 9 / 84 و 132 و 241 و 305 و 306 و 307 وج 11 / 109 وج 16 / 148 وج 18 / 132 ط مصر بتحقيق أبو الفضل ، الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج 1 / 144 ط مصطفى محمد وج 1 / 155 و 156 ط الحلبي وج 1 / 134 ط سجل العرب ، تاريخ الطبري ج 4 / 236 ط دار المعارف بمصر ، الكامل في التاريخ ج 3 / 74 ط دار صادر ، السقيفة والخلافة لعبد الفتاح عبد المقصود ص 15 - 17 .
وراجع : الاحتجاج للطبرسي ج 1 وج 2 ط النجف ، بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 28 باب - 4 - ص 175 وما بعدها ط الجديد ، تلخيص الشافي للشيخ الطوسى ج 3 / 47 - 57 ط النجف . وان شئت المزيد من المصادر في ذلك فراجع كتابنا ( سبيل النجاة في تتمة المراجعات رقم : 631 و 633 و 634 و 635 و 636 و 892 و 898 و 899 و 900 و 901 و 902 و 903 و 904 و 905 و 906 و 907 و 908 و 909 و 110 طبع في بغداد وبيروت مع المراجعات ) . وكذلك أهل البيت وغيرهم احتجوا على القوم في أمر الخلافة راجع مصادر ذلك في ( سبيل النجاة في تتمة المراجعات تحت رقم : 911 - إلى - 925 و 829 و 625 ) .

( 1 ) البيتان في نهج البلاغة ، وقد علق عليهما كل من الشيخ محمد عبده وعبد الحميد بن أبى الحديد في شرحيهما تعليقة يجدر بالباحثين أن يقفوا عليها ، وقد نبهنا إلى ذلك فيما علقناه عليهما حيث أوردناهما في المراجعة 80 من كتاب - المراجعات - وللعباس بن عبد المطلب احتجاج على أبى بكر كانه مأخوذ من هذين البيتين ، وذلك إذ قال له في كلام دار بينهما : فان كنت برسول الله طلبت ، فحقنا أخذت ، وان كنت بالمؤمنين طلبت ، فنحن متقدمون فيهم ، وان كان هذا الأمر انما يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين . وقال له مرة أخرى - كما في ص 1 من المجلد الثاني من شرح النهج الحميدى =>

- ص 23 -


. . . . . .

=> أما قولك نحن شجرة رسول الله ، فانما أنتم جيرانها ونحن أغصانها أه‍ . وهذا مضمون قول أمير المؤمنين : احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة .
وقال الفضل ابن العباس - فيما رواه الزبير بن بكار في الموفقيات كما في ص 8 من المجلد الثاني من شرح النهج الحميدى - : يا معشر قريش ، وخصوصا يا بني تيم ، انما أخذتم الخلافة بالنبوة ونحن أهلها دونكم ولو طلبنا هذا الأمر الذي نحن أهله لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا ، حسدا منهم لنا ، وحقدا علينا ، وانا لنعلم ان صاحبنا عهدا هو ينتهي إليه اه‍ ،

وقال عتبة ابن أبى لهب - كما في مختصر أبى الفداء ، وآخر صفحة 8 من المجلد الثاني من شرح النهج الحميدى :


ما كنت أحسب ان الأمر منصرف=عن هاشم ثم منها عن أبى حسن
أليس أول من صلى لقبلتكم = واعلم الناس بالقرآن والسنن
وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن = جبريل عون له بالغسل والكفن
من فيه ما فيهم لا يمترون به =وليس في القوم ما فيه من الحسن
ماذا الذي ردهم عنه فنعلمه =ها ان ذا غبن من أعظم الغبن

قال الزبير بن بكار - إذ نقل عنه هذه الأبيات في الموفقيات - : فبعث إليه على فنهاه وأمره أن لا يعود . وقال عليه السلام : سلامة الدين أحب إلينا من غيرها .

وروى الزبير في الموفقيات أيضا - كما في ص 7 من المجلد الثاني من شرح النهج الحميدى - ان أبا سفيان بن حرب مر بالبيت الذي فيه علي فوقف وأنشد :


بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم= ولاسيما تيم بن مرة أو عدى
فما الأمر الا فيكم واليكم= وليس لها الا أبو حسن على
أبا حسن فاشدد بها كف حازم= فانك بالأمر الذي يرتجى ملى

فلم يكن لكلامه أثر عند علي ، وكان مما قاله : ان رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلى عهدا فأنا عليه . قال الزبير : فتركه أبو سفيان وعدل إلى العباس بن عبد المطلب في منزله فقال : يا أبا الفضل أنت لها أهل وأحق بميراث ابن أخيك ، أمدد يدك لأبايعك ، فضحك العباس وقال : يدفعها علي ويطلبها العباس ؟ ! فخرج أبو سفيان خائبا اه‍ ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 24 -


وقد كانت بيعتهم فلتة ، وقى الله المسلمين شرها كما زعموا ( 30 ) ، لكن تلك الوقاية انما كانت على يد أمير المؤمنين بصبره على الأذى ، وغمضه على القذى ، وتضحيته حقه في سبيل حياة الإسلام ، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير جزاء المحسنين .

[ الفلتة : ]
( 30 ) قال أبو بكر : " ان بيعتي كانت فلتة وقى الله شرها وخشيت الفتنة . . " راجع : شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 132 وج 2 / 19 ط 1 وج 1 / 311 ط مكتبة دار الحياة وج 2 / 50 وج 6 / 47 ط مصر بتحقيق أبو الفضل وج 1 / 154 ط بيروت ، أنساب الأشراف للبلاذرى ج 1 / 590 ط مصر .
وقال عمر : " ان بيعة أبى بكر كانت فلتة وقى الله شرها . . " يوجد في : صحيح البخاري ك الحدود باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت ج 8 / 26 ط دار الفكر على ط استانبول وج 8 / 210 ط مطابع الشعب وج 8 / 208 ط محمد على صبيح وج 4 / 179 ط دار إحياء الكتب وج 4 / 119 ط المعاهد وج 4 / 125 ط الشرفية وج 8 / 140 ط الفجالة وج 4 / 110 ط الميمنية وج 8 / 8 ط بمبى وج 4 / 128 ط الخيرية شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 123 و 124 ط 1 وج 2 / 23 و 26 و 29 ط مصر بتحقيق أبو الفضل وج 1 / 292 ط مكتبة دار الحياة وج 1 / 144 ط دار الفكر بيروت ، السيرة النبوية لابن هشام ج 4 / 226 ط دار الجيل وص 338 ط آخر ، النهاية لابن الأثير ج 3 / 466 ط بيروت ، تاريخ الطبري ج 3 / 205 ط دار المعارف ، الكامل في التاريخ ج 2 / 327 ط دار صادر ، الصواعق المحرقة ص 5 و 8 ط الميمنية وص 8 و 12 ط المحمدية ، تاج العروس ج 1 / 568 ، لسان العرب ج 2 / 371 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 67 ، السيرة الحلبية ج 3 / 360 و 363 . ولأجل المزيد من المصادر راجع ( سبيل النجاة في تتمة المراجعات تحت رقم :826 ( * ) .

أبو طالب
04-21-2006, 09:27 PM
المورد ( 2 )
يوم حضرت أبا بكر الوفاة ، إذ عهد بالخلافة إلى عمر


وي . وي . ( فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشد ما تشطرا ضرعيها ) ( 31 )

وي . وي . كأن الرجل يملك الآخر عن مالكه ! فعهد به إلى من أراد لا يخشى عقابا ، ولا حسابا ، ولا عتابا ،

وي . وي كأنه نسى أو تناسى عهد النبي بالخلافة عنه صلى الله عليه وآله إلى علي ( 32 ) ؟ ! ثم من بعده إلى الأئمة من ولده أحد الثقلين الذين لا يضل من تمسك بهما ولا يهتدي إلى الحق من لم ينتهج في الدين نهجهما عدل القرآن في الميزان لن يفترقا حتى يردا عليه صلى الله عليه وآله الحوض ( 33 ) . وهم كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ، وكباب حطة

( 31 ) من خطبة لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام المسمات بالشقشقية وهى الخطبة الثالثة من كتاب نهج البلاغة .
( 32 ) نصوص الخلافة من النبي صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام كثيرة جدا حتى بلغت حد التواتر فراجع : ترجمة الإمام على بن أبى طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ج 1 / 77 ح 124 و 126 و 139 و 140 و 249 ط 1 بيروت ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 187 ط الحيدرية وص 79 ط الغرى ، المناقب للخوارزمي الحنفي ص 89 و 90 ، مناقب على بن أبى طالب لابن المغازلى الشافعي ص 200 ح 238 و 313 ، ذخائر العقبى ص 71 ، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج 1 / 206 ح 269 وص 157 ح 211 ، الغدير للأميني ج 5 / 365 .
وراجع حديث الدار يوم الإنذار وحديث الغدير وحديث الثقلين وحديث السفينة وغيرها من عشرات بل مئات النصوص في ذلك . وان شئت المزيد من البحث والتنقيب عن الحقيقة فراجع : كتاب الغدير للأميني وكتاب المراجعات لشرف الدين وكتاب سبيل النجاة في تتمة المراجعات والعبقات ودلائل الصدق واحقاق الحق للتستري وغيرها من عشرات المصادر .
( 33 ) تقدم حديث الثقلين مع مصادره تحت رقم - 15 - فراجع . ( * )


- ص 26 -


من دخله غفر له ( 34 ) . وأمان أهل الأرض من العذاب ، وأمن الأمة من الاختلاف [ في الدين ] فإذا خالفتهم قبيلة اختلفت فصارت حزب إبليس ( 35 ) إلى آخر ما اقتضته النصوص الصريحة ، التي أوجبت لهم الحق بالخلافة عن رسول الله " ص " على جميع الخلق ، وقد أوردنا طائفة منها في كتاب - المراجعات - فلتراجع ( 1 ) .


( 34 ) تقدم الحديث مع مصادره تحت رقمي - 17 و 18 - فراجع .
( 35 ) تقدم الحديث مع مصادره تحت رقم 16 - فراجع .
( 1 ) تجدونها في المراجعة 8 ص 20 ( من الطبعة الثالثة ) فما بعدها إلى منتهى المراجعة 14 وقد احتدم النزاع في هذه المراجعات بيني وبين شيخ الإسلام البشرى رحمه الله تعالى ، حتى قال في آخر ما كتبه إلى في هذا الموضوع : صعدت في كتابك الأخير نظرى وصوبته ، فلمعت من مضامينه بوارق نجمك ولاحت لى أشراط فوزك . قلت : " والحمد لله رب العالمين النجح والفوز " ( منه قدس )

أبو طالب
04-21-2006, 09:27 PM
المورد ( 3 )
غزوة مؤتة

وكانت في جمادي الأولى سنة ثمان استعمل رسول الله صلى الله عليه وآله على الجيش فيها زيد بن حارثة وقال : ان أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب ، فان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة ، هذا ما يقوله جمهور المسلمين كافة ، ولعل الصواب ما يقوله أصحابنا الإمامية ، ان الأول من هؤلاء الأمراء انما هو جعفر والثاني انما هو زيد وثالثهم عبدالله بن رواحة واخبارنا في هذا متظافرة من طريق العترة الطاهرة ( 36 ) .

( 36 ) الأمير الأول في مؤتة هو جعفر الطيار : راجع : بحار الأنوار للمجلسي ج 1 / 55 ، مناقب آل أبى طالب لابن شهر آشوب =>

- ص 27 -


ويشهد لهذا ما رواه محمد بن إسحاق في مغازيه عن كل من حسان بن ثابت وكعب بن مالك الأنصاريين من شعرهما في رثاء جعفر ومدحه إذ استشهد ( 37 ) وكيف كان الواقع من ترتيب رسول الله لهؤلاء الأمراء الثلاثة فقد نص صلى الله عليه وآله على تأمير زيد ( 38 ) ، سواء أكان الأول منهم ، أم كان الثاني ، وسمعه الجيش وسائر الصحابة يؤمره فلا وجه لطعن الطاعنين منهم بعد ذلك في تأميره ( 39 ) الا إذا جاز الاجتهاد من غير المعصوم ، في مقابل النص من المعصوم .

وكان السبب في هذه الغزوة ان رسول الله صلى الله عليه وآله بعث من أصحابه الحرث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب يدعوه فيه إلى الله تعالى ورسوله وطاعتهما ليكون من المسلمين له ما لهم ، وعليه ما عليهم ، فعرض له شرحبيل

=> ج 1 / 205 ، أعلام الورى بأعلام الهدى ص 110 ط 2 ، أعيان الشيعة ج 2 / 324 ، تاريخ اليعقوبي ج 2 / 65 ط دار صادر ، دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج 1 / 210 ، كتاب سليم بن قيس ص 188 ط النجف ، قاموس الرجال ج 6 / 40 .

( 37 ) وقد أورد ابن أبى الحديد من شعرهما في هذا الموضوع في 607 والتي بعدها من المجلد الثالث من شرح النهج . فليراجع ( منه قدس ) . المغازي لمحمد بن اسحاق ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 15 / 62 - 64 ط مصر بتحقيق أبو الفضل ، ديوان حسان بن ثابت ج 1 / 98 ط دار صادر ، السيرة النبوية لابن هشام ج 2 / 384 - 387 ، البداية والنهاية ج 4 / 260 - 261 ، السيرة الدحلانية ج 2 / 72 ، الإصابة ج 1 / 238 ، أعيان الشيعة ج 2 / 324 - 325 ، مقاتل الطالبين ص 15 ، تهذيب ابن عساكر ج 1 / 150 - 151 ، دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج 1 / 212 ، الدرجات الرفيعة ص 77 - 78 .
( 38 ) تأمير زيد : ولا خلاف فيه راجع : الكامل في التاريخ ج 2 / 234 ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 15 / 61 و 62 تاريخ الطبري ج 3 / 36 و 40 .
( 39 ) وسوف يأتي تحت رقم
( 49 ) فراجع . ( * )


- ص 28 -


بن عمرو ، فقال له : أين تريد ؟ فقال الشام . قال : لعلك من رسل محمد ؟ قال نعم . فأمر به فأوثق رباطا ثم قدمه فضرب عنقه . ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وآله رسول غيره . وبلغ رسول الله ذلك فبعث هذا البعث ( 40 ) ، وأمر عليه الأمراء الثلاثة ، ورتبهم حسب ما أسلفناه .

أرسل صلى الله عليه وآله هذا البعث ، والبعث الآخر مع أسامة بن زيد لفتح الشام فوقرت بهما مهابة الإسلام والمسلمين في الصدور ، وامتلأت صدور الروم هيبة وإجلالا بما رأته من رباطة الجأش وصدق اللقاء ، والتفاني في الفتح ، والمسابقة إلى الموت في سبيله من كلا الجيشين .

ولله ذو الجناحين جعفر بن أبي طالب إذ اشتد بمن معه وهم ثلاثة آلاف على عدوه هرقل وهو في مئتى ألف ( 41 ) وهو يقول :


يا حبذا الجنة واقترابها = طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها =كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها

فلما اشتد القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم فقطعت يداه وقتل . وكان جعفر أول من عقر فرسه في الإسلام ، فوجدوا به بضعا

( 40 ) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 15 / 61 ، السيرة الحلبية ج 3 / 77 ط مصطفى محمد .
( 41 ) مئة ألف من الروم ومئة ألف من المستعربة من لخم وجذام وغيرهما . كما في كامل ابن الأثير وغيره ( منه قدس ) . جعفر في ثلاثة آلاف وعدوه في مائة ألف : راجع : الكامل في التاريخ ج 2 / 234 و 235 ، تاريخ الطبري ج 3 / 37 ، السيرة النبوية لابن هشام ج 2 / 373 و 375 ، بحار الأنوار ج 21 / 55 ، السيرة الحلبية ج 3 / 77 ( * ) .

- ص 29 -


وثمانين جرحا بين رمية وضربة وطعنة ( 42 ) .

ويؤثر عن رسول الله ( 1 ) أنه صلى الله عليه وآله قال : مر بي جعفر البارحة في نفر من الملائكة له جناحان مخضب القوادم بالدم ( 43 ) .

ولله موقف زيد بن حارثة وقد شاط في رماح القوم أعلى الله مقامه كما شرف في الدنيا ختامه . وما أشرف موقف عبدالله بن رواحة إذ يشجع نفسه في مقابلة مئتى الف من عدوه فيقول :


يا نفس ان لم تقتلي تموتي =هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت = ان تفعلي فعلهما هديت
وقال : أقسمت يا نفس لتنزلنه = طائعة أو لا لتكرهنه
ان أجلب الناس وشدوا الرنة = مالي أراك تكرهين الجنة
قد طالما قد كنت مطمئنة= هل أنت الا نطفة في شنة

ثم نزل عن فرسه وأتاه ابن عم له بعرق من لحم ، فقال له : شد بهذا صلبك فقد لقيت ما لقيت. فأخذه فانتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية العسكر فقال لنفسه : وأنت في الدنيا ؟ ثم ألقاه وأخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى قتل ( 44 ).

( 42 ) الكامل في التاريخ 2 / 236 مع تغيير يسير في اللفظ ، تاريخ الخميس ج 2 / 71 ، السيرة النبوية لابن هشام ج 2 / 378 .
( 1 ) كما في غزوة مؤتة من كامل ابن الأثير وغيره من كتب الحديث والأخبار . ولذا كان لقبه عند المسلمين كافة ذا الجناحين ( منه قدس ) .
( 43 ) الكامل 2 / 238 ، تاريخ الطبري 3 / 41 .
( 44 ) مقتل زيد بن حارثة : راجع : الكامل 2 / 236 - 237 ، شرح النهج لابن أبى الحديد 15 / 69 - 70 ، السيرة النبوية لابن هشام ج 2 / 379 ، تاريخ الطبري 3 / 39 - 40 ، تاريخ الخميس ج 2 / 71 - 72 ( * ) .
- ص30 -

وكان بعض المسلمين من هذا الجيش - إذ علم أن عدوهم الناهد إليهم مئتا ألف - رأى ان يخبر رسول الله بذلك ، فشجعهم عبدالله بن رواحة ( على المضي ) بقوله : " والله ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم الا بهذا الدين ، الذي أكرمنا الله تعالى به ، فانطلقوا فما هي الا إحدى الحسنيين . اما ظهور واما شهادة " فقال الناس : صدق والله ( 45 ) وساروا فما ضعفوا وما استكانوا ، ان هذا والله لهو الشرف ، يعلو جناح النسر ، ويزحم منكب الجوزاء ، اجل ، انما هو الإيمان بالله ورسوله ، فياليتنا كنا معهم فنفوز فوزا عظيما .

( 45 ) راجع : شرح النهج لابن أبى الحديد 15 / 67 ، تاريخ الطبري 3 / 38 ، السيرة النبوية لابن هشام ج 2 / 375 ، بحار الأنوار ج 21 / 56 و 61 ، السيرة الحلبية ج 3 / 77 ( * ) .

أبو طالب
04-21-2006, 09:28 PM
المورد ( 4 )
سرية أسامة ابن زيد

ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد اهتم بهذه السرية اهتماما عظيما فأمر أصحابه بالتهيؤ لها وحضهم على ذلك ، ثم عبأهم بنفسه الزكية ، ارهافا لعزائمهم ، واستنهاضا لهممهم ، فلم يبق أحدا من وجوه المهاجرين والأنصار ، كأبي بكر

- ص 31 -


وعمر ( 46 ) وأبي عبيدة وسعد وأمثالهم الا وقد عبأه بالجيش ( 1 ) وكان

( 46 ) أجمع أهل السير والأخبار على ان أبا بكر وعمر كانا في الجيش ، وأرسلوا ذلك في كتبهم إرسال المسلمات وهذا ما لم يختلفوا فيه . فراجع ما شئت من الكتب المشتملة على هذه السرية ، كطبقات ابن سعد وتاريخي الطبري وابن الأثير والسيرة الدحلانية وغيرها لتعلم ذلك .
وقد أورد الحلبي ذكر هذه السرية في الجزء الثالث من سيرته حكاية طريفة نوردها بعين لفظه . قال : ان الخليفة المهدي لما دخل البصرة رأى أياس بن معاوية ، الذي يضرب به المثل في الذكاء . وهو صبى ووراءه أربعمائة من العلماء وأصحاب الطيالسة فقال المهدي : أف لهذه العثانين - أي اللحى - أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث ! ثم التفت إليه المهدي وقال : كم سنك يا فتى ؟ فقال أطال الله بقاء أمير المؤمنين سن أسامة بن زيد بن حارثة لما ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله جيشا فيه أبو بكر وعمر . فقال : تقدم بارك الله فيك . ( قال الحلبي ) : وكان سنه سبع عشرة سنة ، أه‍ ( منه قدس ) .
أبو بكر وعمر في جيش أسامة : راجع : الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 / 190 وج 4 / 66 ، تاريخ اليعقوبي ج 2 / 93 ط الغرى وج 2 / 74 ط بيروت ، الكامل لابن الأثير ج 2 / 317 ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 53 وج 2 / 21 ط 1 وج 1 / 159 وج 6 / 52 بتحقيق أبو الفضل ، سمط النجوم العوالي للعاصمى ج 2 / 224 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية ج 2 / 339 ، كنز العمال ج 5 / 312 ط 1 وج 10 / 570 ط حلب ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 4 / 180 ، عبدالله بن سبأ للعسكري ج 1 / 71 ، أنساب الأشراف للبلاذرى ج 1 / 474 ، تهذيب ابن عساكر ج 2 / 391 ، أسد الغابة ج 1 / 68 ، السيرة الحلبية ج 3 / 234 ، تاريخ أبى الفداء ج 1 / 156 ذكر عمر في السرية ، مقدمة مرآة العقول ج 1 / 58 و 59 .

( 1 ) كان عمر يقول لأسامة : مات رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت علي أمير . نقل ذلك عنه جماعة من الأعلام كالحلبي في سرية أسامة من سيرته الحلبية ، وغير واحد من المحدثين والمؤرخين ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 32 -


ذلك لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشر للهجرة ، فلما كان من الغد دعا أسامة فقال له : " سر إلى موضع قتل أبيك ، فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك هذا الجيش ، فأغز صباحا على أهل أبنى ( 1 ) وحرق عليهم ، وأسرع السير لتسبق الإخبار ، فأن أظفرك الله عليهم ، فأقل اللبث فيهم ، وخذ معك الإدلاء ، وقدم العيون والطلائع معك " ( 47 ) .

فلما كان يوم الثامن والعشرين من صفر بدأ به صلى الله عليه وآله مرض الموت ، فحم - بأبي وأمي - وصدع ، فلما أصبح يوم التاسع والعشرين ووجدهم مثاقلين ، خرج إليهم فحضهم على السير ، وعقد صلى الله عليه وآله اللواء لأسامة بيده الشريفة تحريكا لحميتهم ، وإرهافا لعزيمتهم ، ثم قال : " اغز باسم الله وفي سبيل الله ، وقاتل من كفر بالله " ( 48 ) فخرج بلوائه معقودا ، فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرف ، ثم تثاقلوا هناك فلم يبرحوا مع ما وعوه ورأوه من النصوص الصريحة في وجوب إسراعهم كقوله صلى الله عليه وآله : اغز صباحا على أهل ابني ، وقوله : وأسرع السير لتسبق الأخبار إلى كثير من أمثال هذه الأوامر التي لم

( 1 ) ابني ، بضم الهمزة وسكون الباء ثم نون مفتوحة بعدها ألف مقصورة ، ناحية بالبلقاء من أرض سوريا ، بين عسقلان والرملة ، وهى قرب مؤتة التي استشهد عندها جعفر بن أبى طالب ذو الجناحين في الجنة عليه السلام ، وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهما ( منه قدس ) .
( 47 ) الرسول صلى الله عليه وآله يحث على مسير جيش أسامة : راجع : المغازي للواقدي ج 3 / 1117 ، السيرة الحلبية ج 3 / 207 ط البهية وج 3 / 234 ط مصطفى محمد ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية ج 2 / 339 ، الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 / 190 . ( 48 ) السيرة الحلبية ج 3 / 234 ( * ) .

- ص 33 -


يعملوا بها في تلك السرية .

وطعن قوم منهم في تأمير أسامة ، كما طعنوا من قبل في تأمير أبيه ، وقالوا في ذلك ، فأكثروا مع ما شاهدوه من عهد النبي له بالامارة ، وقوله صلى الله عليه وآله له يومئذ : فقد وليتك هذا الجيش ، ورأوه يعقد له لواء الامارة : - وهو محموم - بيده الشريفة ، فلم يمنعهم ذلك من الطعن في تأميره ، حتى غضب صلى عليه وآله وسلم من طعنهم غضبا شديدا ، فخرج - بأبي وأمي - معصب الرأس ( 1 ) مدثرا بقطيفته محموما ألما ، وكان ذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول ، قبل وفاته - بأبي وأمي - بيومين ( فيما يرويه الجمور ) فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال - فيما اجمع أهل الأخبار على نقله ، واتفق الخاصة والعامة من أولى العلم على صدوره منه صلى الله عليه وآله : " أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وأيم الله ان كان لخليقا بالامارة ، وان ابنه من بعده لخليق بها ( 49 ) " وحضهم على المبادرة إلى السير فجعلوا يودعونه ويخرجون إلى العسكر بالجرف وهو يحضهم على التعجيل ، ثم ثقل - بأبي وأمي - في مرضه ، فجعل يقول : " جهزوا جيش أسامة ،

( 1 ) كل من ذكر هذه السرية من المحدثين وأهل السير والأخبار نقل طعنهم في تأمير أسامة ، وأنه صلى الله عليه وآله غضب غضبا شديدا فخرج على الكيفية التي ذكرناها فخطب الخطبة التي أوردناها ، فراجع سرية أسامة من طبقات ابن سعد ، وسيرتي الحلبي والدحلانى وغيرهما من المؤلفات في هذا الموضوع ( منه قدس ) .
( 49 ) راجع المغازي للواقدي ج 3 / 1119 ، الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 / 190 ، شرح النهج لابن أبى الحديد ج 1 / 53 ط 1 وج 1 / 159 ط مصر بتحقيق أبو الفضل السيرة الحلبية ج 3 / 207 وج 3 / 234 ط آخر ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش الحلبية ج 2 / 339 ، عبدالله بن سبأ ج 1 / 70 ، كنز العمال ج 10 / 572 - 573 ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 4 / 182 ( * ) .

أبو طالب
04-21-2006, 09:28 PM
- ص 34 -


أنفذوا جيش أسامة ، أرسلوا بعث أسامة ، يكرر ذلك " ( 50 ) وهم مثاقلون .

فلما كان يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول دخل أسامة من معسكره على النبي صلى الله عليه وآله فأمره بالسير قائلا له : " أغد على بركة الله تعالى " ( 51 ) فودعه وخرج إلى المعسكر ، ثم رجع ومعه عمر وأبو عبيدة فانتهوا إليه - بأبي وأمي - وهو يجود بنفسه ، فتوفي - روحي وأرواح العالمين له الفداء - في ذلك اليوم ، فرجع الجيش باللواء إلى المدينة الطيبة ، ثم عزموا على إلغاء البعث بالمرة ، وكلموا أبا بكر في ذلك وأصروا عليه غاية الإصرار ( 52 ) .

مع ما رأوه من اهتمام النبي صلى الله عليه وآله في انفاذه ، وعنايته التامة في تعجيل إرساله ، ونصوصه المتوالية في الإسراع به ، على وجه يسبق الأخبار ، وبذله الوسع في ذلك منذ عبأه بنفسه ، وعهد إلى أسامة في أمره ، وعقد لواءه بيده إلى أن احتضر - بأبي وأمي - فقال : " أغد على بركة الله تعالى " كما سمعت ولولا الخليفة لأجمعوا يومئذ على رد البعث وحل اللواء ، لكنه أبى عليهم ذلك فلما رأوا منه العزم على إرسال البعث ، جاءه عمر بن الخطاب حينئذ

( 50 ) الرسول يأمر بتنفيذ جيش أسامة : راجع : كنز العمال ج 10 / 573 ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 4 / 182 .
( 51 ) الرسول صلى الله عليه وآله يأمر أسامة بالذهاب إلى الحرب : راجع : المغازي للواقدي ج 3 / 1120 ، الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 / 191 السيرة الحلبية ج 3 / 208 وج 3 / 235 ط آخر ، السيرة النبوية الدحلانية بهامش الحلبية ج 2 / 340 ، شرح النهج لابن أبى الحديد ج 1 / 53 ط 1 وج 1 / 160 بتحقيق أبو الفضل كنز العمال ج 10 / 574 .
( 52 ) محاولة التراجع عن الغزو مع أسامة : راجع : الكامل ج 2 / 334 - 335 ، كنز العمال ج 10 / 575 ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 4 / 183 ، السيرة الحلبية ج 3 / 236 ( * ) .
- ص 35 -


يلتمس منه بلسان الأنصار ان يعزل أسامة ويولي غيره .

هذا ولم يطل العهد منهم بغضب النبي وانزعاجه من طعنهم في تأمير أسامة ، ولا بخروجه من بيته بسبب ذلك محموما ألما ، معصبا مدثرا ، يرسف في مشيته ، ورجله لا تكاد تقله مما كان به من لغوب ، فصعد المنبر وهو يتنفس الصعداء ، ويعالج البرحاء ، فقال : " أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة ، لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وأيم الله ان كان لخليقا بالامارة ، وان ابنه من بعده لخليق بها " ( 53 ).

فأكد صلى الله عليه وآله الحكم بالقسم وان ، واسمية الجملة ، ولام التأكيد ليقلعوا عما كانوا عليه فلم يقلعوا ، لكن الخليفة أبى ان يجيبهم إلى عزل أسامة ، كما أبى أن يجيبهم إلى إلغاء البعث ، ووثب فأخذ بلحية عمر ( 1 ) فقال : ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب ، استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وتأمرني أن أنزعه ! " ( 54 ) .

ولما سيروا الجيش - وما كادوا يفعلون - خرج أسامة في ثلاثة آلاف مقاتل فيهم ألف فرس ( 2 ) وتخلف عنه جماعة ممن عبأهم رسول الله صلى الله عليه وآله في

( 53 ) كما تقدم تحت رقم - 49 - .
( 1 ) نقله الحلبي والدحلانى في سيرتهما ، وابن جرير الطبري في أحداث سنة 11 من تاريخه ، وغير واحد من أصحاب الأخبار ( منه قدس ) .
( 54 ) بين أبى بكر وعمر : راجع : تاريخ الطبري ج 3 / 226 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 335 ، السيرة الحلبية ج 3 / 209 وج 3 / 236 ط آخر ، السيرة النبوية بهامش الحلبية ج 2 / 340 .
( 2 ) فشن الغارة على أهل ابني فحرق منازلهم وقطع نخلهم وأجال الخيل في عرصاتهم وقتل من قتل منهم وأسر من أسر ، وقتل يومئذ قاتل أبيه . ولم يقتل - والحمد لله رب العالمين - من المسلمين أحد . وكان أسامة يومئذ على فرس أبيه وشعارهم يا منصور = >

أبو طالب
04-21-2006, 09:29 PM
- ص 36 -


جيشه ، وقد قال صلى الله عليه وآله - فيما أورده الشهرستاني في المقدمة الرابعة من كتاب الملل والنحل - " جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عنه " ( 55 ) .

وقد تعلم انهم انما تثاقلوا عن السير أولا ، وتخلفوا عن الجيش أخيرا ، ليحكموا قواعد ساستهم ، ويقيموا عمدها ترجيحا منهم لذلك على التعبد بالنص حيث رأوه أولى بالمحافظة ، وأحق بالرعاية ، إذ لا يفوت البعث بثاقلهم عن السير ، ولا بتخلف من تخلف منهم عن الجيش ، اما لخلافة فانها تنصرف عنهم لا محالة إذا انصرفوا إلى الغزوة قبل وفاته صلى الله عليه وآله .

وكان - بأبي وأمي - أراد أن تخلو منهم العاصمة فيصفو الأمر من بعده لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب على سكون وطمأنينة ، فإذا رجعوا وقد ابرم عهد الخلافة وأحكم لعلي عقدها ، كانوا عن المنازعة والخلاف ابعد .

وانما أمر عليهم أسامة وهو ابن سبع عشرة سنة ( 56 ) ليا لاعنة البعض وردا لجماح أهل الجماح منهم ، واحتياطا من الأمن في المستقبل من نزاع أهل التنافس لو أمر أحدهم كما لا يخفى لكنهم فطنوا إلى ما دبر صلى الله عليه وآله ، فطعنوا

= > امت - وهو شعار النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر - واسهم للفارس سهمين وللراجل سهما واحدا وأخذ لنفسه مثل ذلك ( منه قدس ) .
( 55 ) راجع : الملل والنحل للشهرستاني الشافعي ج 1 / 23 أفست دار المعرفة في بيروت وج 1 / 20 بهامش الفصل لابن حزم أفست دار المعرفة .
( 56 ) على الأظهر وقيل كان ابن سنة 18 وقيل ابن 19 أو 20 سنة ولا قائل بأكثر من ذلك ( منه قدس ) . أسامة عمره - 17 - سنة وهو أمير على شيوخ الصحابة : راجع : السيرة الحلبية ج 3 / 234 ، أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير ج 1 / 64 ، الإصابة لابن حجر ج 1 / 46 ، الاستيعاب لابن عبد البر بذيل الإصابة ج 1 / 34 ( * ) .
- ص 37 -


في تأمير أسامة ، وتثاقلوا عن السير معه فلم يبرحوا من الجرف حتى لحق النبي بربه ، فهموا حينئذ بالغاء البعث وحل اللواء تارة ، وبعزل أسامة أخرى ، ثم تخلف منهم عن الجيش وفي أولهم أبو بكر وعمر ( 57 ) . فهذه خمسة أمور في هذه السرية ، لم يتعبدوا فيها بالنصوص الجلية ، إيثارا لرأيهم في الأمور السياسية ، وترجيحا لاجتهادهم فيها على التعبد بنصوصه صلى الله عليه وآله اعتذر عنهم شيخ الإسلام البشري في بعض مراجعاتنا معه فقال : " نعم كان رسول الله عليه السلام قد حضهم على تعجيل السير في غزوة أسامة ، وأمرهم بالاسرع كما ذكرت ، وضيق عليهم في ذلك حتى قال لأسامة حين عهد إليه : اغز صباحا على أهل أبنى ، فلم يمهله إلى المساء ، وقال له : اسرع السير فلم يرض منه الا بالإسراع ، لكنه عليه السلام تمرض بعد ذلك بلا فصل فثقل حتى خيف عليه ، فلم تسمح نفوسهم بفراقه وهو في تلك الحال ، فتربصوا ينتظرون في الجرف ما تنتهي إليه حاله .

وهذا من وفور إشفاقهم عليه ، وولوع قلوبهم به ، ولم يكن لهم مقصد في تثاقلهم الا انتظار إحدى الغايتين ، اما قرة عيونهم بصحته ، واما الفوز بالتشرف بتجهيزه ، وتوطيد الأمر لمن يتولى عليهم من بعده ، فهم معذورون

( 57 )
ولا كان في بعث ابن زيد مؤمراً= عليه ليضحى لابن زيد مؤمرا
ولا كان يوم الغار يهفو جنانه =حذارا ولا يوم العريش تسترا
ولا كان معزولا غداة براءة= ولا في صلاة أم فيها مؤخرا
فتى لم يعرق فيه تيم ابن مرة= ولا عبد اللات الخبيثة أعصرا
امام هدى بالقرص آثر فاقتضى= له القرص رد القرص أبيض أزهرا
يزاحمه جبريل تحت عباءة = لها قيل كل الصيد في جانب الفرا
لابن أبى الحديد المعتزلي الحنفي ( منه قدس ) تخلف أبى بكر وعمر عن جيش أسامة معلوم بالوجدان بعد أن دل عليه التاريخ . ( * )


- ص 38 -


في هذا التربص ، ولا جناح عليهم فيه .

واما طعنهم قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله في تأمير أسامة مع ما وعوه ورأوه من النصوص قولا وفعلا على تأميره ، فلم يكن منهم الا لحداثته ، مع كونهم بين كهول وشيوخ ، ونفوس الكهول والشيوخ تأبى - بجبلتها - ان تنقاد إلى الأحداث ، وتنفر - بطبعها - من النزول على حكم الشبان ، فكراهتهم لتأميره ليست بدعا منهم ، وانما كانت على مقتضى الطبع البشري ، والجبلة الآدمية .

وأما طلبهم عزل أسامة بعد وفاة الرسول ، فقد اعتذر عنه بعض العلماء بأنهم ربما جوزوا ان يوافقهم الصديق على رجحان عزله ، لاقتضاء المصلحة - بحسب نظرهم - لذلك . ( قال ) : والإنصاف إني لا اعرف وجها يقبله العقل في طلبهم عزله ، بعد غضب النبي من طعنهم في تأميره ، وخروجه بسبب ذلك محموما معصبا مدثرا منددا بهم في خطبته تلك على المنبر التي كانت من الوقائع التاريخية الشائعة بينهم ، وقد سارت كل مسير ، فوجه معذرتهم بعدها لا يعلمه الا الله تعالى .

وأما عزمهم على إلغاء البعث ، وإصرارهم على الصديق في ذلك مع ما رأوه من اهتمام النبي في انفاذه ، وعنايته التامة في تعجيل إرساله ، ونصوصه المتوالية في ذلك ، فانما كان منهم احتياطا على عاصمة الإسلام ان يتخطفها المشركون من حولهم إذا خلت من القوة ، وبعد عنها الجيش ، وقد ظهر النفاق بموت النبي عليه السلام ، وقويت نفوس اليهود والنصارى ، وارتدت طوائف من العرب ، ومنع الزكاة طوائف أخرى ، فكلم الصحابة سيدنا الصديق في منع أسامة من السفر فأبى وقال : والله لان تخطفني الطير أحب إلي من أن ابدأ بشئ قبل انفاذ أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ، هذا ما نقله أصحابنا عن الصديق ، وأما غيره فمعذور فيما أراد من رد البعث ، إذا لم يكن له مقصد

أبو طالب
04-21-2006, 09:30 PM
- ص 39 -


سوى الاحتياط على الإسلام .

وأما تخلف أبي بكر وعمر وغيرهما عن الجيش حين سار به أسامة ، فانما كان لتوطيد الملك الإسلامي ، وتأييد الدولة المحمدية ، وحفظ الخلافة التي لا يحفظ الدين وأهله يومئذ الا بها .

وأما ما نقلتموه عن الشهرستاني في كتاب الملل والنحل ، فقد وجدناه مرسلا غير مسند ، والحلبي والسيد الدحلانى في سيرتيهما قالا : لم يرد فيه حديث أصلا ، فان كنت سلمك الله تروي من طريق أهل السنة حديثا في ذلك فدلني عليه أشكرك " ( 58 ) .

قلنا في جواب الشيخ : " سلمتم - سلمكم الله تعالى - بتأخرهم في سرية أسامة عن السير ، وتثاقلهم في الجرف تلك المدة ، مع ما قد أمروا به من الإسراع والتعجيل . وسلمتم بطعنهم في تأمير أسامة مع ما وعوه ورأوه من النصوص قولا وفعلا على تأميره .

وسلمتم بطلبهم من أبي بكر عزله ، بعد غضب النبي صلى الله عليه وآله من طعنهم في امارته ، وخروجه بسبب ذلك محموما معصبا مدثرا ، منددا بهم في خطبته تلك على المنبر التي قلتم انها كانت من الوقائع التاريخية ، وقد أعلن فيها كون أسامة وأبيه أهلا للامارة .

وسلمتم بطلبهم من الخليفة الغاء البعث الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وحل اللواء الذي عقده بيده الشريفة ، مع ما رأوه من اهتمامه في انفاذه ، وعنايته التامة في تعجيل إرساله ، ونصوصه المتوالية في وجوب ذلك .

( 58 ) المراجعات للسيد عبد الحسين شرف الدين ص 370 - 371 في مراجعة - 91 - الطبعة الثانية في بيروت . ( * )

- ص 40 -


وسلمتم بتخلف بعض من عبأهم صلى الله عليه وآله في ذلك الجيش ، وأمرهم بالنفوذ تحت قيادة أسامة . سلمتم بكل هذا كما نص عليه أهل الأخبار : واجتمعت عليه كلمة المحدثين وحفظة الآثار ، وقلتم انهم معذورون في ذلك ، وحاصل ما ذكرتموه من عذرهم انهم انما آثروا في هذه الأمور مصلحة الإسلام بما اقتضته أنظارهم ، لا بما أوجبته النصوص النبوية ، ونحن ما ادعينا - في هذا المقام - أكثر من هذا .

وبعبارة أخرى ، موضوع كلامنا انما هو في انهم أهل كانوا يتعبدون في جميع النصوص أم لا ؟ اخترتم الأول ، ونحن اخترنا الثاني . فاعترافكم الآن بعدم تعبدهم في هذه الأوامر يثبت ما اخترناه ، وكونهم معذورين أو غير معذورين ، خارج عن موضوع البحث كما لا يخفى .

وحيث ثبت لديكم إيثارهم في سرية أسامة مصلحة الإسلام بما اقتضته أنظارهم على التعبد بما أوجبته تلك النصوص ، فلم لا تقولون انهم آثروا في أمر الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله مصلحة الإسلام بما اقتضته أنظارهم على التعبد بنصوص الغدير وأمثالها ؟ ! .

اعتذرتم عن طعن الطاعنين في تأمير أسامة بأنهم انما طعنوا بتأميره لحداثته مع كونهم بين كهول وشيوخ ، وقلتم : ان نفوس الكهول والشيوخ تأبى بجبلتها وطبعها أن تنقاد إلى الأحداث فلم لم تقولوا هذا بعينه فيمن لم يتعبدوا بنصوص الغدير المقتضية لتأمير علي وهو شاب على كهول الصحابة وشيوخهم ، لانهم - بحكم الضرورة من اخبارهم - قد استحدثوا سنه يوم مات رسول الله صلى الله عليه وآله كما استحدثوا سن أسامة يوم ولاه صلى الله عليه وآله عليهم في تلك السرية ، وشتان بين الخلافة وامارة السرية .

فإذا أبت نفوسهم بجبلتها ان تنقاد للحدث في سرية واحدة ، فهي أولى بأن تأبى ان تنقاد للحدث مدة حياته في

- ص 41 -


جميع الشؤون الدنيوية والأخروية . على ما ذكرتموه " من ان نفوس الشيوخ والكهول تنفر بطبيعتها من الانقياد للأحداث " فممنوع ان كان مرادكم الإطلاق في هذا الحكم ، لان نفوس المؤمنين من الشيوخ الكاملين في إيمانهم لا تنفر من طاعة الله ورسوله في الانقياد للأحداث ، ولا في غيره من سائر الأشياء ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ) ( 59 )

( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) ( 60 )

" وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا " ( 61 ) .

اما الكلمة المتعلقة فيمن تخلف عن جيش أسامة التي أرسلها الشهرستاني إرسال المسلمات ، فقد جاءت في حديث مسند أخرجه أبو بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة ، انقله لك بعين لفظه ، قال : " حدثنا احمد بن إسحاق بن صالح عن احمد بن يسار عن سعيد بن كثير الأنصاري عن رجاله عن عبدالله بن عبدالرحمن ان رسول الله صلى الله عليه وآله في مرض موته أمر أسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين والأنصار منهم أبو بكر ، وعمر ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة ، والزبير وأمره ان يغير على مؤتة حيث قتل أبوه زيد وان يغزو وادي فلسطين فتثاقل أسامة وتثاقل الجيش بتثاقله ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه يثقل ويخف ويؤكد القول في تنفيذ ذلك البعث ، حتى قال له أسامة

( 59 ) سورة النساء : 65 . ( 60 ) سورة الحشر : 7 . ( 61 ) سورة الأحزاب : 36 ( * ) .

- ص 42 -


بأبي أنت وأمي : أتأذن لي ان امكث أياما حتى يشفيك الله تعالى . فقال : اخرج وسر على بركة الله . فقال : يا رسول الله ان أنا خرجت وأنت على هذه الحال خرجت وفي قلبي قرحة . فقال : سر على النصر والعافية . فقال : يا رسول الله إني أكره أن أسائل عنك الركبان . فقال : انفذ لما أمرتك به .

ثم أغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقام أسامة فتجهز للخروج ، فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وآله سأل عن أسامة والبعث ، فأخبر انهم يتجهزون ، فجعل يقول : أنفذوا بعث أسامة لعن الله من تخلف عنه ، وكرر ذلك ، فخرج أسامة واللواء على رأسه ، والصحابة بين يديه .

حتى إذا كان بالجرف نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين ، ومن الأنصار أسيد بن خضير وبشير بن سعد وغيرهم من الوجوه ، فجاءه رسول أم أيمن يقول له : ادخل فان رسول الله يموت ، فقام من فوره فدخل المدينة واللواء معه فجاء به حتى ركزه بباب رسول الله ، ورسول الله قد مات في تلك الساعة " انتهى بعين لفظه ( 62 ) وقد نقله جماعة من المؤرخين ، منهم العلامة المعتزلي في آخر ص 20 والتي بعدها من المجلد الثاني من شرح نهج البلاغة ، طبع مصر ( 63 )

( 62 ) شرح النهج لابن أبى الحديد ج 6 / 52 .
( 63 ) المراجعات مراجعة - 92 - ص 372 - 374 ط الثانية في بيروت مع سبيل النجاة في تتمة المراجعات . ( * )

أبو طالب
04-21-2006, 09:30 PM
المورد - ( 5 ) -
سهم المؤلفة قلوبهم


وذلك أن الله تعالى فرض في محكم كتابه العظيم للمؤلفة قلوبهم سهما في الزكاة إذ يقول عزوجل ( 1 ) : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعطي المؤلفة قلوبهم هذا السهم من الزكاة وهم أصناف ، فمنهم أشراف من العرب كان صلى الله عليه وآله يتألفهم ليسلموا فيرضخ لهم ، ومنهم قوم اسلموا ونياتهم ضعيفة فيؤلف قلوبهم بإجزال العطاء ، كأبي سفيان ، وابنه معاوية ، وعيينة بن حصن ، والأقرع ابن حابس ، وعباس بن مرداس ومنهم من يترقب - باعطاهم - اسلام نظرائهم من رجالات العرب ، ولعل الصنف الأول كان يعطيهم الرسول صلى الله عليه وآله من سدس الخمس الذي هو خالص ماله ، وقد عد منهم من كان يؤلف قلبه بشئ من الزكاة على قتال الكفار ( 64 ) هذه سيرته المستمرة مع المؤلفة قلوبهم منذ نزلت الآية الحكيمة عليه صلى الله عليه وآله حتى لحق بالرفيق الأعلى ، ولم يعهد إلى احد من بعده بإسقاط هذا السهم إجماعا من الأمة المسلمة كافة وقولا واحدا .

لكن لما ولي أبو بكر جاء المؤلفة قلوبهم لاستيفاء سهمهم هذا جريا على عادتهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله فكتب أبو بكر لهم بذلك ، فذهبوا بكتابه إلى عمر ليأخذوا خطه عليه فمزقه وقال : لا حاجة لنا بكم فقد اعز الله الإسلام وأغنى عنكم ، فان أسلمتم والا السيف بيننا وبينكم ، فرجعوا إلى أبي بكر ، فقالوا له : أنت الخليفة أم هو ؟ . فقال : بل هو ان شاء الله تعالى وأمضى ما

( 1 ) هي الآية 61 من سورة التوبة ( منه قدس ) .
( 64 ) المؤلفة قلوبهم من قبل الرسول صلى الله عليه وآله : راجع : تفسير القرطبي ج 8 / 179 - 180 ، فتح القدير للشوكاني ج 2 / 355 ، الدر المنثور للسيوطي ج 3 / 251 ( * ) .

- ص 44 -


فعله عمر ( 65 ) .

فاستقر الأمر لدى الخليفتين ، ومن يرى رأيهما من منع المؤلفة قلوبهم من سهمهم هذا ، وصرفه إلى من عداهم من الأصناف المذكورين في الآية . ولبعض فضلاء الأصوليين هنا كلام يجدر بنا نقله وتمحيصه لما في ذلك من الفوائد .

( 65 ) تجد هذه القضية بألفاظها في كتاب الجوهرة النيرة على مختصر القدورى في الفقه الحنفي ص 164 من جزئه الأول . وقد ذكرها غير واحد من اثباتهم في مناقب الخليفتين وخصائصهما .
وكم لعمر من قضايا تشبه قضيته هذه ، فمنها ما ذكره المؤرخون إذ قالوا : جاء عيينة بن حصن والاقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا له : ان عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلا ولا منفعة قال رأيت أن تقطعناها لعل الله ينفع بها بعد اليوم فقال أبو بكر لمن حوله : ما تقولون ؟ فقالوا : لا بأس فكتب لهم كتابا بها ، فانطلقا إلى عمر ليشهد لهم ما فيه ، فأخذه منهم ثم تفل فيه فمحاه ، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة ، ثم ذهبا إلى أبي بكر وهما يتذمران . فقالا : والله ما ندرى أأنت الخليفة أم عمر ؟ ! . فقال : بل هو ، وجاء عمر حتى وقف على أبي بكر وهو مغضب . فقال : أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين أهي لك خاصة أم بين المسلمين ؟ ؟ فقال : بل بين المسلمين . فقال : ما حملك على أن تخص بها هذين ؟ قال : استشرت الذين حولي . فقال : أو كل المسلمين وسعتهم مشورة ورضى ؟ فقال أبو بكر ( رضي ) : فقد كنت قلت لك انك أقوى على هذا الأمر منى لكنك غلبتني . نقل هذه القضية ابن أبي الحديد في الجزء الثاني عشر من شرح النهج في ص 108 من المجلد الثالث . والعسقلاني في ترجمة عيينة من إصابته وغيرهما . وليتهما يوم السقيفة وسعا كل المسلمين مشورة ، ويا حبذا لو تأنيا حتى يفرغ بنو هاشم من أمر النبي صلى الله عليه وآله ليحضروا الشورى ، فانهم أولى الأمة بذلك ( منه قدس ) .
عمر يمنع سهم المؤلفة : راجع : تفسير المنار ج 10 / 496 ، الدر المنثور للسيوطي ج 3 / 252 ( * ) .

- ص 45 -


قال الأستاذ المعاصر الدواليبي ( 1 ) في كتابه - أصول الفقه ( 2 ) - : " ولعل اجتهاد عمر رضي الله عنه في قطع العطاء الذي جعله القرآن الكريم للمؤلفة قلوبهم كان في مقدمة الأحكام التي قال بها عمر تبعا لتغير المصلحة بتغير الأزمان رغم أن النص القرآني في ذلك الذي لا يزال ثابتا غير منسوخ إيثارا لرأيه الذي أدى إلى اجتهاده "

فتأمل فيما قال ، ثم أمعن فيما يلي من كلامه .

قال : " والخبر في هذا ان الله سبحانه وتعالى فرض في أول الإسلام ، وعندما كان المسلمون ضعافا ، عطاءا يعطي لبعض من يخشى شرهم ويرجى خيرهم تألفا لقلوبهم ، وذلك في جملة من عددهم القرآن لينفق عليهم من أموال بيت المال الخاص بالصدقات . فقال : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) .

قال : وهكذا قد جعل القرآن الكريم المؤلفة قلوبهم في جملة مصارف الصدقات ، وجعل لهم بعض المخصصات على نحو ما تفعله الدول اليوم في تخصيص بعض النفقات من ميزانياتها للدعاية السياسية ( 3 )

قال : " غير ان الإسلام لما اشتد ساعده ، وتوطد سلطانه رأى عمر رضي الله عنه حرمان المؤلفة قلوبهم من هذا العطاء المفروض لهم بنصوص القرآن " .

قلت : أعاد الأستاذ تصريحه بأن عمر رضي الله عنه قطع العطاء الذي * ( هامش ) *

.................................................. ..........

( 1 ) هو العلامة الشيخ محمد معروف أستاذ علم أصول الفقه والحقوق الرومانية في كلية الحقوق بالجامعة السورية ( منه قدس ) . ( 2 ) حيث ذكر الأمثلة على تغير الأحكام بتغير الأزمنة ص 239 ( منه قدس ) . ( 3 ) لعلهم اقتبسوا ذلك من آية المؤلفة قلوبهم ، فترى بريطانيا واميركا وأمثالهما يطعمون ويكسون الفقراء والمساكين من رعايا الدول الضعيفة وينعشونهم بمشاريع إصلاحية من غير حاجة لهم إلى تلك الدول ورعاياها سوى الأخذ بالحكمة التي هي هدف القرآن في إعطاء المؤلفة قلوبهم ( منه قدس ) ( * ) .

أبو طالب
04-21-2006, 09:31 PM
- ص 46 -


جعله القرآن الكريم بنصه الصريح حقا مفروضا للمؤلفة قلوبهم ، ايثارا لرأى رآه في ذلك ، ثم اعتذر عن الخليفة .

فقال : " وليس معنى ذلك ان عمر قد أبطل أو عطل نصا قرآنيا ، ولكنه نظر إلى علة النص لا إلى ظاهره ، واعتبر إعطاء المؤلفة قلوبهم معللا بظروف زمنية أي موقتة وتلك هي تألفهم واتقاء شرهم عندما كان الإسلام ضعيفا ، فلما قويت شوكة الإسلام وتغيرت الظروف الداعية للعطاء ، كان من موجبات النص ومن العمل بعلته ( 1 ) ان يمنعوا من هذا العطاء " .

قلت : لا يخفى ان النص على إعطائهم مطلق ، وإطلاقه جلي في الذكر الحكيم وهذا مما لا خلاف ولا شبهة فيه ، وليس لنا ان نعتبره مقيدا - والحال هذه - أو معللا بشئ ما الا بسلطان من الله تعالى أو من رسوله ، وليس ثمة من سلطان ( 2 ) .

فمن أين لنا ان نعتبر إعطاءهم معللا بظروف زمنية موقتة ، هي تألفهم حينما كان الإسلام ضعيفا دون غيره من الأزمنة ؟ . على أنا لو أمنا من شر المؤلفة قلوبهم في عهد ما فان دخولهم في الإسلام

( 1 ) لا علة هنا يدور الحكم مدارها وجودا وعدما ، ليكون الاخذ بها من موجبات النص ، فان تألف من جعل الله لهم هذا السهم في الصدقات ليس بعلة للحكم الشرعي ، وانما هو من الحكم والمصالح التي لوحظت في اشتراعه والأصوليون يعلمون ان العلة في الحكم شى والحكمة التي هي المصلحة في اشتراعه شئ آخر .
ألا ترى ان المصلحة في وجوب العدة على المطلقات المدخول بهن انما هي حفظ أنساب الأجنة اللواتي قد يكن في أرحامهن ؟ ! . ومع ذلك فعدة المدخول بها منهن مما لابد منه إجماعا حتى لو علم عدم حملها ! ( منه قدس ) .
( 2 ) ونزول النص في أول الإسلام وعندما كان الإسلام ضعيفا ليس من تقييده في شئ كما لا يخفى ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 47 -


بسبب إعطائهم لا ينقطع بذلك ، بل ربما اشتد بقوة سلطان الإسلام ، وكفى بهذا الأمل موجبا لتألفهم بالعطاء . وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يؤلف بعطائه هذا أصنافا متعددة ، صنفا ليسلموا ويسلم قومهم بإسلامهم ، وصنفا كانوا قد اسلموا ولكن على ضعف الإيمان فيريد تثبيتهم بإعطائه ، وصنفا يعطيهم لدفع شرهم فلو فرضنا أنا أمنا شر أهل الشر منهم ، فليعط هذا الحق لمن يرجى إسلامه ، أو إسلام قومه ، ولمن يقوي إيمانه ويثبته الله عليه بسبب هذا العطاء ، تأسيا برسول الله صلى الله عليه وآله . وأحب العباد إلى الله تعالى المتأسي بنبيه والمقتص أثره .

على ان قوة الإسلام تلك التي قهرت عدو المسلمين وأمنتهم من شره قد تغيرت إلى الضد مما كانت عليه . فاستحوذت عليهم الأجانب فاضطرتهم إلى تألفها ومصانعتها بالعطاء وغيره ، كما هو المشاهد العيان في هذا الزمان وما قبله ، وبهذا تبين ان إسقاط سهم المؤلفة قلوبهم يوم كان الإسلام قويا ، انما كان عن اغترار بحالتهم الحاضرة في ذلك الوقت ، لكن القرآن العظيم انما هو من لدن عليم حكيم ( 1 ) .

والآن نستأنف البحث عن النص المطلق وتقييده بالمصلحة التي تختلف باختلاف الأزمان ، فيختلف الحكم الشرعي باختلافها . نبحث عن هذا الأصل من حيث شروطه .

فنقول : نحن الإمامية إجماعا وقولا واحدا لا نعتبر المصلحة في تخصيص عام ولا في تقييد مطلق الا إذا كان لها في الشريعة نص خاص يشهد لها بالاعتبار فإذا لم يكن لها في الشريعة أصل شاهد باعتبارها إيجابا أو سلبا كانت عندنا مما لا اثر له ، فوجود المصالح المرسلة وعدمها عندنا على حد سواء ( 66 ) .

( 1 ) بنص آية المؤلفة قلوبهم فراجعها وامعن في هدفها الرفيع ( منه قدس ) .
( 66 ) وتفصيل ذلك في محله من كتبنا في أصول الفقه المنتشرة ببركة المطابع ( منه قدس ) =>

- ص 48 -


وهذا هو رأي الطائفتين الشافعية والحنفية ( 1 ) .

أما الحنابلة فإنهم وان اخذوا بالمصالح المرسلة التي لا يكون لها في الشريعة أصل يشهد لها ، لكنهم مع ذلك لا يقفون بالمصالح موقف المعارضة من النصوص بل يؤخرون المصلحة المرسلة عن النصوص ( 2 ) فهم إذن لا يقيدون بها نص المؤلفة قلوبهم ، فليعطفوا فيه وفي أمثاله على الإمامية والشافعية والحنفية .

وكذلك المالكية في نص المؤلفة قلوبهم وأمثاله ، لأنهم وان اخذوا بالمصالح المرسلة ، ووقفوا بها موقف المعارضة المنصوص ، لكنهم انما يعارضون بها أخبار الآحاد وأمثالها مما لا يكون قطعي الثبوت ، ويعارضون بها أيضا بعض العمومات القرآنية التي لا تكون قطعية الدلالة على العموم ، اما ما كان قطعي الثبوت وقطعي الدلالة كنص المؤلفة قلوبهم فلا يمكن عندهم ان تقف المصالح المرسلة معارضة لها أبدا ( 3 ) لأنها قطعية الثبوت والدلالة معا .

وبالجملة فان أصول الفقه على هذه المذاهب كلها لا تبيح حمل حرمان المؤلفة قلوبهم على ما قد أفاده الأستاذ وقد فصلنا ذلك . ولولا إجماع الجمهور ( 4 ) على ان الخليفتين رضي الله عنهما قد ألغيا

=> الشيعة الإمامية لا تعتمد على المصالح المرسلة : ولأجل الاطلاع على ذلك راجع : المعالم الجديدة للأصول للشهيد الصدر ص 36 - 40 ، كتاب الرسائل ( فرائد الأصول ) للشيخ الأنصاري ، كفاية الأصول ج 2 ، حقائق الأصول ج 2 ، دروس في علم الأصول للشهيد الرابع الإمام الصدر الحلقة الثالثة ج 2 .
( 1 ) نقله عنهم الفاضل الدواليبي ص 204 من كتابه أصول الفقه ( منه قدس ) .
( 2 ) فيما نقله عنهم الفاضل الدواليبي ص 206 من كتابه أصول الفقه ( منه قدس ) .
( 3 ) نقل ذلك عنهم الفاضل الدواليبي ص 207 من كتابه أصول الفقه ( منه قدس ) .
( 4 ) راجع من تفسير أبي السعود ما هو موجود في أول ص 150 من هامش الجزء الخامس من تفسير الرازي تجد دعوى الإجماع . وراجع ص 502 من كتاب الفقه على =>
- ص 49 -


- بعد النبي صلى الله عليه وآله - سهم المؤلفة قلوبهم وأبطلا هذا الحق الواجب لهم بنص القرآن ( 67 ) لكان من الوجاهة بمكان ان نقول : إنهما رضي الله عنهما لم يخالفا الآية وان لم يعطيا المؤلفة يومئذ لان الله عزوجل انما جعل الأصناف الثمانية في الآية مصارف الصدقات على سبيل حصر الصرف فيها خاصة دون غيرهما لا على سبيل توزيعها على الثمانية بأجمعها ، وعلى هذا فمن وضع صدقاته كلها في صنف واحد من الثمانية تبرأ ذمته ، كما تبرأ ذمة من وزعها على الثمانية وهذا مما اجمع عليه المسلمون وعليه عملهم في كل خلف منهم بعد رسول الله فأي بأس بما فعله عمر وأمضاه أبو بكر ، لولا القول بأنهما قد ابطلا هذا الحق وألغياه رغم النص القرآني الذي لا يزال ثابتا غير منسوخ ؟ ! .

وقبل ان نختم هذا البحث نرى لزاما علينا ان ننبه الأستاذ الدواليبي إلى تدارك ما نقله عن الإمامية ( 1 ) من الأخذ بالمصالح المرسلة وتقديمهم إياه على النصوص القطعية فان هذا مما لا صحة له ولم يقل به منهم احد ، وسليمان الطوفي من الغلاة الذين ما زالت خصومنا تحملنا أوزارهم .

ورأي الإمامية في هذه المسألة ما قد ذكرناه آنفا وعليه إجماعهم ، وتلك كتبهم في أصول الفقه ( 68 ) منتشرة فليراجعها الأستاذ وليعتمد عليها فيما ينقله عن الإمامية بدلا من اعتماده في ذلك على كتاب ابن حنبل سامحه الله تعالى.

=> المذاهب الأربعة الذي أخرجته وزارة الأوقاف المصرية تحقيقا لرجاء الملك فؤاد الأول - تجد القول بأن المؤلفة قلوبهم منعوا من الزكاة في خلافة الصديق مرسلا ذلك إرسال المسلمات ( منه قدس ) .
( 67 ) سهم المؤلفة : راجع : تفسير القرطبي ج 8 / 181 ، تفسير المنار ج 10 / 496 ، الدر المنثور ج 3 / 252 ، الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 / 621 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 12 / 83 ط أبو الفضل .
( 1 ) ص 207 وفى أول ص 209 من كتابه أصول الفقه ( منه قدس ) .
( 68 ) تقدم تحت رقم - 66 - فراجع . ( * )

أبو طالب
04-21-2006, 09:31 PM
المورد - ( 6 ) -
سهم ذي القربى المنصوص عليه بقوله عز من قائل : ( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ ( 1 ) فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ ( 2 ) وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ ( 3 ) وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 4 ) .

وقد اجمع أهل القبلة كافة على ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يختص بسهم من الخمس ويخص أقاربه بسهم آخر منه ، وانه لم يعهد بتغيير ذلك إلى احد حتى دعاه الله إليه ، واختاره الله إلى الرفيق الأعلى ( 69 ) .

( 1 ) الغنم والغنيمة والمغنم حقيقة عند العرب في كل ما يستفيده الإنسان ومعاجم اللغة صريحة في ذلك فلا وجه للتخصيص هنا بغنائم دار الحرب . وقوله من شئ بيان ما الموصولة في قوله أنما غنتم فيكون المعنى أن ما استفدتم من شئ ما كثر أو قل حتى الخيط فان لله خمسه ( منه قدس ) .
( 2 ) وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن ابن عباس : ان النبي صلى الله عليه وآله قال لوفد عبد القيس لما أمرهم بالإيمان بالله وحده - : أتدرون ما الإيمان بالله وحده - قالوا : الله ورسوله أعلم . قال شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله واقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس ( منه قدس ) .
( 3 ) معنى هذا الشرط ان الخمس حق شرعي لأربابه المذكورين في الآية يجب صرفه إليهم فاقطعوا عنه أطماعكم وأدوه إليهم ان كنتم آمنتم بالله ، وفيه من البعث على أداء الخمس والإنذار لتاركيه مالا يخفى ( منه قدس ) .
( 4 ) هذه الآية هي الآية 41 من سورة الأنفال ( منه قدس ) .
( 69 ) الرسول صلى الله عليه وآله وسهم ذي القربة : راجع : الكشاف للزمخشري ج 2 / 158 ، فتح القدير للشوكاني ج 2 / 295 ، =>

- ص 51 -


فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه تأول الآية فأسقط سهم النبي وسهم ذي القربى بموته صلى الله عليه وآله ومنع - كما في الكشاف ( 1 ) وغيره - بني هاشم من الخمس ، وجعلهم كغيرهم من يتامى المسلمين ومساكينهم وأبناء السبيل منهم ( 70 ) .

وقد أرسلت فاطمة عليها السلام تسأله ميراثها من رسول الله مما أفاء الله عليه بالمدينة و " فدك " وما بقي من خمس " خيبر " فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا

=> تفسير القرطبي ج 8 / 10 ، تفسير الطبري ج 10 / 4 - 5 و 7 ، الدر المنثور للسيوطي ج 3 / 185 - 186 ، تفسير المنار ج 10 / 15 و 16 ، سنن النسائي ك الفئ ب - 1 - ج 7 / 120 و 122 ، تاريخ الطبري ج 3 / 19 ، تفسير النيسأبوري بهامش تفسير الطبري ج 10 ، الأموال لأبي عبيد ص 325 و 14 ، أحكام القرآن للجصاص ج 3 / 60 ، مقدمة مرآة العقول ج 1 / 113 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 168 - 171 ، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 181 - 185 ، شرح صحيح مسلم للنووي ج 12 / 82 باب حكم الفئ من كتاب الجهاد .
( 1 ) قال حول بحثه عن آية الخمس ، وعن أبن عباس انه - أي الخمس - على ستة أسهم لله ولرسوله سهمان ، وسهم لأقاربه حتى قبض صلى الله عليه وآله فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة ، وكذلك روى عن عمر ومن بعده من الخلفاء قال : وروى ان أبا بكر قد منع بني هاشم من الخمس . . الخ ( منه قدس ) .

( 70 ) منع سهم ذي القربى : راجع الكشاف ج 2 / 159 ، تفسير القرطبي ج 8 / 10 ، فتح القدير للشوكاني ج 2 / 295 ، تفسير الطبري ج 10 / 6 ، الدر المنثور ج 3 / 187 ، سنن النسائي ك الفئ ب - 1 - ج 7 / 121 ، شرح النهج لابن أبى الحديد ج 16 / 230 و 231 وج 12 / 83 ، مقدمة مرآة العقول ج 1 / 144 ( * ) .

- ص 52 -


ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلى عليها . ( الحديث ) ( 71 ) .

وفي صحيح مسلم عن يزيد بن هرمز . قال : كتب نجدة بن عامر الحروري الخارجي إلى ابن عباس قال ابن هرمز : فشهدت ابن عباس حين قرأ الكتاب وحين كتب جوابه وقال ابن عباس والله لولا ان أرده عن نتن يقع فيه ما كتبت إليه ، ولا نعمة عين . قال فكتب إليه : انك سألتني عن سهم ذي القربى الذين ذكرهم الله من هم ؟ وانا كنا نرى ان قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله هم نحن فأبى ذلك علينا قومنا . الحديث ( 72 ) .

( 71 ) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما بإسنادهما إلى عائشة . فراجع من صحيح البخاري أواخر باب غزوة خيبر ص 36 من جزئه الثالث . وراجع من صحيح مسلم باب لا نورث ما تركناه فهو صدقة ص 72 من جزئه الثاني .
وتجده أيضا في مواضع أخر من الصحيحين ( منه قدس ) . وجد فاطمة على أبى بكر فلم تكلمه حتى ماتت وذلك بعد أن طالبته ب‍ ( فدك ) وما بقى من خمس ( خيبر ) وامتنع من دفعه إليها : راجع : صحيح البخاري ج 5 / 177 ط دار مطابع الشعب وج 3 / 55 ط دار إحياء الكتب العربية مع حاشية السندي ، صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب - 16 - ج 3 / 1380 ط بيروت بتحقيق محمد فؤاد ، مشكل الاثار ج 1 / 47 وقريبا منه أيضا رواه البخاري ك فضائل أصحاب النبي ب - 12 - ج 5 / 25 مطابع الشعب ورواه أيضا بمعنى آخر ك الفرائض ب - 3 - ج 4 / 164 ط دار إحياء الكتب العربية . ورواه في ك الخمس ب - 1 - ج 2 / 186 ط دار احياء الكتب العربية ، مسند أحمد ج 1 / 6 و 9 وج 2 / 353 ، سنن النسائي ك الفئ ب - 1 - ج 7 / 120 ، شرح النهج لابن أبى الحديد ج 16 / 217 ، صحيح الترمذي كتاب السير باب - 44 - ج 4 / 157 .

( 72 ) راجعه في باب النساء الغازيات يرضخ لهن وهو في آخر كتاب الجهاد والسير ص 105 من جزئه الثاني ( منه قدس ) . صحيح مسلم ك الجهاد والسير ب - 48 - ج 3 / 1444 وفى طبع العامرة ج 5 / 198 =>

أبو طالب
04-21-2006, 09:32 PM
- ص 53 -


وأخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس في أواخر ص 294 من الجزء الأول من مسنده ، ورواه كثير من أصحاب المسانيد بطرق كلها صحيحة ، وهذا هو مذهب أهل البيت المتواتر عن أئمتهم عليهم السلام .

لكن الكثير من أئمة الجمهور أخذوا برأي الخليفتين رضي الله عنهما فلم يجعلوا لذي القربى نصيبا من الخمس خاصا بهم . فأما مالك بن أنس فقد جعله بأجمعه مفوضا إلى رأي الإمام يجعله حيث يشاء من مصالح المسلمين ، لا حق فيه لذي قربى ولا ليتيم ولا لمسكين ولا لابن سبيل مطلقا ( 73 ) .

وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد أسقطوا بعد النبي صلى الله عليه وآله سهمه وسهم ذي قرباه وقسموه بين مطلق اليتامى والمساكين وابن السبيل على السواء ، لا فرق عندهم بين الهاشميين وغيرهم من المسلمين ( 74 ) .

والشافعي جعله خمسة أسهم : سهما لرسول الله صلى الله عليه وآله يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كعدة الغزاة من الخيل والسلاح والكراع

=> ، مسند أحمد ج 1 / 248 و 294 و 320 ، سنن النسائي ك الفئ ب - 1 - ج 7 / 117 ، الدر المنثور ج 3 / 186 ، فدك للقزويني ص 125 ، سنن الدرامي ج 2 / 225 ك السير ، مشكل الاثار للطحاوي ج 2 / 136 و 179 ، مسند الشافعي ص 183 ، حلية الأولياء لأبي نعيم ج 3 / 205 ، الأموال لأبي عبيد ص 333 . وقريب منه أحاديث أخرى راجعها في : مقدمة مرآة العقول ج 1 / 112 و 154 .
( 73 ) رأى مالك وأبى حنيفة في سهم ذي القربى : راجع : فتح القدير للشوكاني ج 2 / 295 ، تفسير القرطبي ج 8 / 11 ، تفسير المنار ج 10 / 16 ، الفقه على المذاهب الخمسة ص 188 .
( 74 ) نفس المصادر السابقة . ( * )
- ص 54 -


ونحو ذلك ، وسهما لذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ، والباقي للفرق الثلاث : اليتامى والمساكين وابن السبيل مطلقا ( 75 ) .

أما نحن - الإمامية - فنقسم ( 1 ) الخمس ستة أسهم : لله تعالى ولرسوله سهمان وهذان مع السهم الثالث - سهم ذي القربى - للإمام القائم مقام رسول الله صلى الله عليه وآله ، والثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل من آل محمد خاصة لا يشاركهم فيها غيرهم ، لان الله سبحانه حرم عليهم الصدقات ، فعوضهم عنها الخمس ( 76 ) وهذا ما رواه الطبري في تفسيره عن الإمامين علي بن الحسين زين العابدين وابنه محمد بن علي الباقر عليهما السلام ( 77 ) .


[ فائدة : ]

أجمع علماؤنا رضي الله عنهم على ان الخمس واجب في كل فائدة

( 75 ) نفس المصادر السابقة .
( 1 ) رأينا في الخمس وغيره من فروع الدين وأصوله إنما هو تبع لرأى الأئمة الإثنى عشر من آل محمد ( علي والأوصياء من بنيه ) ( منه قدس ) .
( 76 ) رأى الشيعة في الخمس : راجع وسائل الشيعة للحر العاملي ك الخمس ب - 1 - من أبواب قسمة الخمس ج 6 / 355 - 362 ، جواهر الكلام ج 16 / 84 - 114 ، مستمسك العروة الوثقى ج 9 / 567 - 596 ، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ج 2 / 78 - 86 ، العروة الوثقى ج 2 / 403 - 407 .
( 77 ) رأى الإمام الباقر عليه السلام في الخمس : راجع : تفسير الطبري ج 10 / 7 ، فتح القدير ج 2 / 295 ، تفسير المنار ج 10 / 15 ، تفسير القرطبي ج 8 / 10 ، مرآة العقول ج 1 / 115 ( * ) .
- ص 55 -


تحصل للإنسان من المكاسب وأرباح التجارات والحرف ومن الزرع والضرع والنخيل والأعناب ونحوها ، وتجب في الكنوز والمعادن والغوص وغير ذلك مما هو مذكور في فقهنا وحديثنا ( 78 ) .

ويمكن أن يستدل عليه بهذه الآية واعلموا أنما غنمتم من شئ فان كلاا من الغنيمة والغنم والمغنم حقيقة في كل ما يستفيده الإنسان ، ومعاجم اللغة صريحة في ذلك وتفصيل القول في هذا كله موكول إلى محله ، وموضوع البحث هنا انما هو الاجتهاد في إسقاط سهم ذي القربى مع نص الآية بكل صراحة .

( 78 ) جواهر الكلام في شرح شرايع الإسلام ج 16 / 5 - 83 ، المستمسك للسيد الحكيم ج 9 / 443 - 566 ، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ج 2 / 65 - 78 مسالك للشهيد الثاني ج 1 / 66 ، العروة الوثقى ج 2 / 366 - 403 .

أبو طالب
04-21-2006, 09:33 PM
المورد -( 7) -
توريث الأنبياء

المنصوص عليه بعموم قوله عز من قائل ( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ) ( 79 ) .

وقوله تعالى ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) ( 80 ) إلى آخر آيات المواريث ، وكلها عامة تشمل رسول الله صلى الله عليه وآله فمن دونه من سائر البشر فهي على حد قوله عزوجل ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى

( 79 ) سورة النساء : 7 . ( 80 ) سورة النساء : 11 ( * ) .

- ص 56 -


الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ) ( الآية ) ( 81 ) .

وقوله سبحانه وتعالى : ( فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) ( الآية ) ( 82 ) .

وقوله تبارك وتعالى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ) ( الآية ) ( 83 ) ونحو ذلك من آيات الأحكام الشرعية يشترك فيها النبي صلى الله عليه وآله وكل مكلف من البشر ، لا فرق بينه وبينهم ، غير ان الخطاب فيها متوجه إليه ليعمل به وليبلغه إلى من سواه ، فهو من هذه الحيثية أولى في الالتزام بالحكم من غيره .

ومنها : قوله عز وعلا ( وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) ( 84 ) جعل الله عزوجل في هذه الآية الكريمة ، الحق في الإرث لأولي قرابات الموروث ، وكان التوارث قبل نزولها من حقوق الولاية في الدين ، ثم لما أعز الله الإسلام وأهله نسخ بهذه الآية ما كان من ذي حق في الإرث قبلها ، وجعل حق الإرث منحصرا بأولي الأرحام الأقرب منهم للموروث فالأقرب مطلقا ، سواء أكان الموروث هو النبي صلى الله عليه وآله أم كان غيره ، وسواء أكان الوارث من عصبة الموروث أم من أصحاب الفرائض ، أم كان من غيرهما عملا بظاهر الآية الكريمة ( 1 ) .

ومنها : قوله تعالى فيما اقتص من خبر زكريا : ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا *

( 81 ) سورة البقرة : 183 .
( 82 ) سورة البقرة : 182 . ( 83 ) سورة المائدة : 3 .
( 84 ) سورة الأنفال : 75 .
( 1 ) ومن راجع صحاح السنن الواردة في تشريع المواريث وجدها بأسرها عامة تشمل النبي صلى الله عليه وآله وغيره على حد قوله صلى الله عليه وآله - من حديث أخرجه الشيخان كلاهما في كتاب الفرائض من صحيحيهما - : " ومن ترك مالا فلورثته " ( منه قدس ) ( * ) .
- ص 57 -


قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) ( 85 ) .

احتجت الزهراء والأئمة من بنيها بهذه الآية ، على أن الأنبياء يورثون المال ، وان الإرث المذكور فيها انما هو المال لا العلم ولا النبوة ، وتبعهم في ذلك أوليائهم من أعلام الإمامية كافة . فقالوا : ان لفظ الميراث في اللغة ( 86 ) والشريعة لا يطلق إلا على ما ينتقل من الموروث إلى الوارث كالأموال ، ولا يستعمل في غير المال إلا على طريق المجاز والتوسع ، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة ( 87 ) .

وأيضا فان زكريا عليه السلام قال في دعائه : ( واجعله رب رضيا ) أي اجعل يا رب ذلك الولي الذي يرثني مرضيا عندك . ممتثلا لأمرك ، ومتى حملنا الإرث على النبوة لم يكن لذلك معنى وكان لغوا عبثا ألا ترى انه لا يحسن أن يقول أحد : اللهم ابعث لنا نبيا واجعله عاقلا مرضيا في أخلاقه لأنه إذا كان نبيا فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا في النبوة . ويقوي ما قلناه أن زكريا عليه السلام صرح بأنه يخاف بني عمه بعده بقوله :

( 85 ) سورة مريم : 3 - 6 .
( 86 ) راجع تاج العروس مادة - ورث - ج 1 / 652 ، الصحاح ج 1 / 296 وغيرهما .
( 87 ) الإرث في الشريعة : راجع تفسير البيان للشيخ الطوسي ج 8 / 94 - 95 ، تلخيص الشافي للطوسي أيضا ج 3 / 132 - 136 ، مجمع البيان للطبرسي ج 6 / 503 ، شرح النهج لابن أبى الحديد ج 16 / 241 - 244 ، تفسير الفخر الرازي ج 21 / 184 ، تفسير الطبري ج 16 / 37 ( * ) .

أبو طالب
04-21-2006, 09:33 PM
- ص 58 -


( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي ) وإنما يطلب وارثا لأجل خوفه ، ولا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون النبوة والعلم ، لأنه عليه السلام كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف ان يبعث نبيا من هو ليس بأهل للنبوة ، وان يورث علمه وحكمته من ليس لهما بأهل ولأنه انما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس ، فكيف يخاف الأمر الذي هو الغرض في بعثته .

فان قيل : هذا يرجع عليكم في وراثة المال لان في ذلك إضافة البخل إليه .
فالجواب : معاذ الله أن يستوي الأمران ، فان المال قد يرزقه المؤمن والكافر والصالح والطالح ، ولا يمتنع أن يأسى على بني عمه إذ كانوا من أهل الفساد أن يظفروا بماله فيصرفوه فيما لا ينبغي ، بل في ذلك غاية الحكمة ، فان تقوية أهل الفساد ، وإعانتهم على أفعالهم المذمومة محظورة في الدين والعقل فمن عد ذلك بخلا فهو غير منصف .

وقوله : ( خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي ) يفهم منه أن خوفه انما كان من أخلاقهم وأفعالهم ، والمراد خفت الموالي ان يرثوا بعدي أموالي فينفقوها في معاصيك فهب لي يا رب ولدا رضيا يرثها لينفقها فيما يرضيك .

وبالجملة لابد من حمل الإرث في هذه الآية على ارث المال دون النبوة وشبهها حملا للفظ يرثني من معناه الحقيقي المتبادر منه إلى الأذهان ، إذ لا قرينة هنا على النبوة ونحوها ، بل القرائن في نفس الآية متوفرة على إرادة المعنى الحقيقي دون المجاز .

وهذا رأي العترة الطاهرة في الآية ( 88 ) . وهم أعدال الكتاب لا يفترقان أبدا .

( 88 ) راجع : الميزان في تفسير القرآن ج 14 / 9 - 15 وص 22 - 25 ( * ) .

- ص 59 -


وقد علم الناس ما كان بين الزهراء سيدة نساء العالمين ، وبين أبي بكر ، إذ أرسلت إليه تسأله ميراثها من رسول الله [ ص ] فقال أبو بكر : ان رسول الله قال : " لا نورث ما تركناه صدقة " ( 1 ) " قالت عائشة " : فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئا ، واستأثر لبيت المال بكل ما تركه النبي صلى الله عليه وآله من بلغة العيش لا يبقي ولا يذر شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا - بوصية منها ( 2 ) ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها . الحديث ( 89 ) .

( 1 ) هذا الحديث ردته الزهراء والأئمة من بنيها ، وهو - بألفاظه هذه الثابتة في باب غزوة خيبر من صحيح البخاري - لا يصلح لان يكون حجة عليها . الا أن يكون لفظه صدقة مرفوعا على الاخبار به عن ( ما ) الموصولة في قوله ما تركنا ، ولا سبيل إلى اثبات ذلك إذ لعل ( ما ) هذه في محل النصب على المفعولية لتركنا وتكون صدقة حالا من ( ما ) ، فيكون المعنى ان ما نتركه في أيدينا من الصدقات لا حق لو ارثنا فيه ( منه قدس ) .
( 2 ) كما اعترف به شارحا البخاري ، القسطلاني في ارشاده ، والأنصاري في تحفته ، فراجع ص 157 من المجلد الثامن من كل من الشرحين إذ ينتهيان فيهما إلى هذا الحديث ( منه قدس ) .
( 89 ) أخرجه أصحاب الصحاح بأسانيدهم إلى عائشة فراجع منها ص 37 والتي بعدها من الجزء الثالث من صحيح البخاري أثناء غزوة خيبر ، وص 72 من الجزء الثاني من صحيح مسلم في باب قول النبي : لا نورث ما تركنا فهو صدقة من كتاب الجهاد والسير ، وص 6 من الجزء الأول من مسند أحمد ( منه قدس ) .
وجد فاطمة على أبى بكر : تقدمت مصادر الحديث تحت رقم - 71 - وأيضا يوجد حديث مطالبتها بإرثها في صحيح الترمذي ك السير ب - 44 - ج 4 / 157 ح 1608 و 1609 ، مسند أحمد ج 1 / 6 و 9 وج 2 / 353 ، سنن النسائي ك الفئ ب - 1 - ج 7 / 120 ، تاريخ اليعقوبي ج 2 / 127 ، فدك للقزويني ص 87 ، وفاء الوفاء ج 2 / 995 ، فتوح البلدان للبلاذري ص 44 ( * ) .


- ص 60 -


ثم غضبت على اثارة ( 1 ) واستقلت غضبا ( 2 ) فلاثت خمارها واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمة من حفدتها ( 3 ) ونساء قومها تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى دخلت على أبي بكر ، وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت دونها ملاءة ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء .

وارتج المجلس ، فأمهلتهم حتى إذا سكن نشيجهم ، وهدأت فورتهم افتتحت الكلام " بحمد الله عزوجل " ، ثم انحدرت في خطبتها ( 90 ) . تعظ القوم في أتم خطاب * حكت المصطفى به وحكاها ( 91 ) - فخشعت الأبصار ، وبخعت النفوس ، ولولا السياسة ضاربة يومئذ بجرانها لردت شوارد الاهواء ، وقادت حرون الشهوات ، ولكنها السياسة توغل في غاياتها لا تلوي على شئ ، ومن وقف على خطبتها في ذلك اليوم ( 5 ) عرف

( 1 ) انما يقولون : غضب فلان على اثارة بالفتح إذا كان غضبه مسبوقا بغضب ، كغضب الزهراء لارثها مسبوقا بغضبها لكشف بيتها ، وذاك مسبوقا أيضا بما كان في السقيفة ( منه قدس ) .
( 2 ) انما يقولون : استقل غضبا إذا أشخصه فرط الغضب ، كما أشخص الزهراء من بيتها حتى دخلت على أبى بكر فخطبت محتجة بأشد لهجة ( منه قدس ) .
( 3 ) أي خادماتها ( منه قدس ) .
( 4 ) الملاءة الازار . والريطة ذات لفقين . ونيطت علقت ( منه قدس ) .
( 90 ) من خطبة لسيدة النساء فاطمة الزهراء راجعها في : بلاغات النساء لابن أبى طيفور المتوفى 280 ه‍ ص 12 - 19 ، أعلام النساء لعمر كحالة ج 3 / 1208 ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 16 / 211 - 213 و 249 - 253 ط مصر بتحقيق أبو الفضل ، تلخيص الشافي للشيخ الطوسي ج 3 / 139 .
( 91 ) هذا البيت للشيخ كاظم الأزري من قصيدته العصماء في أهل بيت النبوة .
( 5 ) السلف من بني علي وفاطمة يروى خطبتها في ذلك اليوم لمن بعده ومن بعده =>

أبو طالب
04-21-2006, 09:34 PM
- ص 61 -


ما كان بينها وبين القوم ( 92 ) .

=> رواها لمن بعده ، حتى انتهت إلينا يدا عن يد ، فنحن الفاطميين نرويها عن آبائنا ، وآبائنا يروونها عن آبائهم ، وهكذا كانت الحال في جميع الأجيال ، إلى زمن الأئمة من أبناء على وفاطمة ، ودونكموها في كتاب الاحتجاج للطبرسي ، وفى بحار الأنوار ، وقد أخرجها من اثبات الجمهور وأعلامهم أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة وفدك بطرق وأسانيد ينتهي بعضها إلى السيدة زينب بنت على وفاطمة ، وبعضها إلى الإمام أبى جعفر محمد الباقر ، وبعضها إلى عبدالله بن الحسن بن الحسن يرفعونها جميعا إلى الزهراء كما في ص 78 من المجلد الرابع من شرح النهج الحميدي ، وأخرجها أيضا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانى بالإسناد إلى عروة بن الزبير عن عائشة ترفعها إلى الزهراء كما في صفحة 93 من المجلد الرابع من شرح النهج ، وأخرجها المرزبانى أيضا كما في صفحة 94 من المجلد المذكور بالإسناد إلى أبى الحسين زيد ابن على بن الحسين بن على بن أبى طالب عن أبيه عن جده يبلغ فيها فاطمة عليها السلام ونقل ثمة عن زيد انه قال : رأيت مشايخ آل أبى طالب يروونها عن آبائهم ويعلمونها أولادهم ( منه قدس ) .
( 92 ) ومما كان بينها وبينهم ان قالت لأبي بكر حين منعها ارثها : لان مت اليوم يا أبا بكر من يرثك ؟ . قال : ولدى وأهلي . قالت : فلم أنت ورثت رسول الله دون ولده وأهله ؟ قال : ما فعلت يا بنت رسول الله . قالت : بلى انك عمدت إلى فدك وكانت صافية لرسول الله فأخذتها منا ، وعمدت إلى ما أنزل الله من السماء فرفعته عنا . الحديث أخرجه أبو بكر ابن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة وفدك - كما في ص 87 من المجلد الرابع من شرح النهج بسنده إلى مولى أم هاني .

وأخرج الجوهري في كتابه المذكور - كما في ص 82 من المجلد الرابع من شرح النهج - بالإسناد إلى أبى سلمة : ان فاطمة لما طلبت ارثها قال لها أبو بكر : سمعت رسول الله يقول : ان النبي لا يورث ، ولكن أعول على من كان النبي يعوله ، وأنفق على من كان النبي ينفق عليه ، فقالت : يا أبا بكر أيرثك بناتك ولا يرث رسول الله بناته ؟ فقال هو ذاك . وأخرج الإمام أحمد بالإسناد إلى أبى سلمة نحوه فراجع ص 10 من الجزء الأول من مسنده حيث أورد حديث أبى بكر =>

- ص 62 -


حيث أقامت على ارثها آيات محكمات ، حججا لا ترد ولا تكابر ، فكان مما أدلت به يومئذ ان قالت : " أعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ؟ إذ يقول : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) .

وقال فيما أقتص من خبر زكريا : ( فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) .

=> وأخرج الجوهري في كتاب السقيفة وفدك أيضا - كما في ص 81 من المجلد الرابع من شرح النهج - بالإسناد إلى أم هاني بنت أبى طالب : ان فاطمة قالت لأبي بكر من يرثك إذا مت ؟ . قال : ولدى وأهلي . قالت : فمالك ترث رسول الله دوننا ؟ قال : يا بنت رسول الله ما ورث ابوك شيئا . قالت : بلى سهم الله الذي جعله لنا وصار فيأنا وهو الآن في يدك . فقال لها : سمعت رسول الله يقول : إنما هي طعمة اطعمناها الله فإذا مت كانت بين المسلمين .
وعن أبى الطفيل فيما أخرجه الجوهري مثله . والأخبار في هذا متواترة ولا سيما من طريق العترة الطاهرة . وحسبك خطبتها العصماء التي اشرنا إليها في الأصل . ولها خطبة أخرى تتعلق بالخلافة أخرجها الجوهري في كتاب السقيفة وفدك - كما في ص 87 من المجلد الرابع من شرح النهج الحميدي - بالاسناد إلى عبدالله ابن الحسن بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين قالت : لما اشتد بفاطمة بنت رسول الله الوجع وثقلت في علتها اجتمع عندها نساء المهاجرين والأنصار فقلن لها : كيف أصبحت يا ابنة رسول الله قالت : أصبحت والله عائفة لديناكن قالية لرجالكن . . ( الخطبة ) وهى من ابلغ المأثور عن أهل البيت عليهم السلام .

وقد أخرجها أيضا الإمام أبو الفضل احمد بن أبي طاهر في ص 23 من كتابه بلاغات النساء بالإسناد إلى الزهراء وأصحابنا يروونها بالإسناد إلى سويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي عن الزهراء . وقد أوردها المجلسي في البحار والطبرسي في الاحتجاج . وغيرهما من الاثبات ( منه قدس ) ( * ) .

بين الزهراء وأبى بكر : راجع صحيح الترمذي ك السير باب - 44 - ج 4 / 157 ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 16 / 211 - 213 و 251 ، فدك للقزويني ص 43 و 87 و 126 ، وفاء الوفاء ج 3 / 995 ، مشكل الآثار ج 1 / 47 ( * ) .

- ص 63 -


وقال ( وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) .
وقال : ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) .
وقال : ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) . ثم قالت : أخصكم الله بآية أخرج بها أبي ؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ؟ ! أم تقولون : أهل ملتين لا يتوارثان ؟ ! ( الخطبة ) ( 93 ) .

فانظر كيف احتجت أولا : على توريث الأنبياء بآيتي داود وزكريا الصريحتين بتوريثهما . ولعمري انها عليها السلام أعلم بمفاد القرآن ممن جاءوا متأخرين عن تنزيله ، فصرفوا الإرث هنا إلى وراثة الحكمة والنبوة دون الأموال ، تقديما للمجاز على الحقيقة بلا قرينة تصرف اللفظ عن معناه الحقيقي المتبادر منه بمجرد الاطلاق ، وهذا مما لا يجوز ، ولو صح هذا التكلف لعارضها به أبو بكر يومئذ أو غيره ممن كان في ذلك الحشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ( 1 ) . على أن هناك قرائن تعين وراثة الأموال كما بيناه سابقا .

( 93 ) تقدمت مصادر الخطبة تحت رقم - 90 - فراجع .
( 1 ) لكنهم لم يعارضوها يومئذ به ولا بشئ سوى المصادرة ، إذ أجابها أبو بكر بقوله : يا ابنة رسول الله ، والله ما خلق الله خلقا أحب إلى من رسول الله أبيك صلى الله عليه وآله ولوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك صلى الله عليه وآله ، ووالله لان تفتقر عائشة أحب إلى من أن تفتقري أترينني أعطى الأبيض والأحمر حقه وأظلمك حقك ؟ وأنت بنت رسول الله ! ان هذا المال لم يكن للنبي ! وانما كان مالا من أموال المسلمين ! يحمل به النبي الرجال وينفقه في سبيل الله فلما توفى وليته كما كان يليه ؟ . قالت . والله لا كلمتك أبدا قال : والله لا هجرتك أبدا . قالت : والله لادعون الله عليك . قال : والله لادعون الله لك =>

أبو طالب
04-21-2006, 09:34 PM
- ص 64 -


واحتجت ثانيا : على استحقاقها الإرث من أبيها صلى الله عليه وآله بعموم آيات المواريث وعموم آية الوصية ، منكرة عليهم تخصيص العمومات بلا مخصص شرعي من كتاب أو سنة .

وما أشد إنكارها إذ قالت أخصكم الله بآية أخرج بها أبي ؟ فنفت بهذا الاستفهام الإنكاري وجود المخصص في الكتاب . ثم قالت : أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ؟ فنفت بهذا الاستفهام التوبيخي وجود المخصص في السنة . بل نفت وجوده مطلقا ، إذ لو كان ثمة مخصص لبينه لها النبي والوصي ويستحيل عليهما الجهل به لو كان في الواقع موجودا ، ولا يجوز عليهما أن يهملا تبيينه لها لما في ذلك من التفريط في البلاغ ، والتسويف في الإنذار ، والكتمان للحق ، والاغراء بالجهل ، والتعريض لطلب الباطل ، والتغرير بكرامتها ، والتهاون في صونها عن المجادلة والمجابهة والبغضاء والعداوة بغير حق ، وكل ذلك محال ممتنع عن الأنبياء وأوصيائهم .

وبالجملة كان كلف النبي صلى الله عليه وآله ببضعته الزهراء وإشفاقه عليها فوق كلف الاباء الرحيمة ، وشفاقهم على أبنائهم البررة ، يؤويها إلى الوارف من ظلال رحمته ، ويفديها بنفسه ( 1 ) مسترسلا إليها بأنسه .

=> فلما حضرتها الوفاة أوصت أن لا يصلى عليها . الحديث أخرجه أبو بكر الجوهري بهذه الألفاظ في كتاب السقيفة وفدك - كما في ص 80 من المجلد الرابع من شرح النهج الحميدي - وتراه ما عارضها فيما فهمته من التوريث في آيتي داود وزكريا ، وانما عارضها بدعواه ان هذا المال لم يكن للنبي فلم تقنع منه إذ هي أعلم بشؤون أبيها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ( منه قدس ) .
( 1 ) ذكرها صلى الله عليه وآله مرة فقال : فداؤها أبوها فداؤها أبوها - ثلاث مرات - في =>

- ص 65 -


وكان يحرص بكل ما لديه على تأديبها وتهذيبها وتعليمها وتكريمها حتى بلغ في ذلك كل غاية ، يزقها المعرفة بالله والعلم بشرائعه زقا ، لا يألو في ذلك جهدا ، ولا يدخر وسعا حتى عرج إلى أوج كل فضل ، ومستوى كل كرامة فهل يمكن أن يكتم عليها أمرا يرجع إلى تكليفها الشرعي ؟

حاشا لله ، وكيف يمكن ان يعرضها - بسبب الكتمان - لكل ما أصابها من بعده في سبيل الميراث ، من الامتهان بل يعرض الأمة للفتنة التي ترتبت على منع ارثها . وما بال بعلها خليل النبوة ، والمخصوص بالاخوة ، يجهل حديث " لا نورث " مع ما آتاه الله من العلم والحكمة ، والسبق ، والصهر ، والقرابة ، والكرامة والمنزلة ، والخصيصة ، والولاية ، والوصاية ، والنجوى ، وما بال رسول الله صلى الله عليه وآله يكتم ذلك عنه ، وهو حافظ سره ، وكاشف ضره وباب مدينة علمه ، وباب دار حكمته ، وأقضى أمته ، وباب حطتها ، وسفينة نجاتها وأمانها من الاختلاف .

وما بال أبي الفضل العباس وهو صنو أبيه ، وبقية السلف من أهله ، لم يسمع بذلك الحديث .

وما بال الهاشميين كافة وهم عيبته وبيضته التي تفقأت عنه ، لم يبلغهم الحديث حتى فوجئوا به بعد النبي صلى الله عليه وآله . وما بال أمهات المؤمنين يجلهنه فيرسلن عثمان يسأل لهن ميراثهن من رسول الله ( 94 ) .

=> حديث أخرجه الإمام أحمد بن حنبل ونقله عنه وعن غيره ابن حجر في الأمر الثاني من الأمور التي ذكرها في خاتمة الآية الرابعة عشرة من الآيات التي أوردها في الفصل الأول من الباب الحادي عشر من صواعقه ص 159 ( منه قدس ) .
( 94 ) أزواج النبي صلى الله عليه وآله يرسلن عثمان حول ميراثهن : راجع صحيح الترمذي ك السير باب - 44 - ج 4 / 157 ، شرح النهج لابن أبى =>

- ص 66 -


وكيف يجوز على رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبين هذا الحكم لغير الوارث ويدع بيانه للوارث ؟ .

ما هكذا كانت سيرته صلى الله عليه وآله إذ يصدع بالأحكام فيبلغها عن الله عزوجل ، ولا هذا هو المعروف عنه في انذار عشيرته الأقربين ، ولا مشبه لما كان يعاملهم به من جميل الرعاية وجليل العناية .

بقي للطاهرة البتول كلمة استفزت بها حمية القوم ، واستثارت حفائظهم ، بلغت بها أبعد الغايات ألا وهي قولها : " أم تقولون : أهل ملتين لا يتوارثان " تريد بهذا أن عمومات المواريث لا تتخصص بمثل ما زعمتم ، وانما تتخصص بمثل قوله صلى الله عليه وآله : " لا توارث بين أهل ملتين " واذن فهل تقولون ، إذ تمنعونني الإرث من أبي : اني لست على ملته ، فتكونون - لو أثبتم خروجي عن الملة - على حجة شرعية فيما تفعلون .

فانا لله وإنا إليه راجعون .

=> الحديد ج 16 / 220 و 223 ، الصواعق لابن حجر ص 22 ط الميمنية ، معجم البلدان للحموي ج 4 / 239 ، فتوح البلدان للبلاذري ص 43 .

أبو طالب
04-21-2006, 09:35 PM
المورد ( 8 )
نحلة الزهراء

وذلك أن الله عز سلطانه لما فتح لعبده وخاتم رسله حصون خيبر ، قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك فنزلوا علي حكم رسول الله صلي الله عليه وآله صاغرين ، فصالحوه عن نصف أرضهم ( 1 ) فقبل ذلك منهم أفكان نصف فدك ملكا خالصا لرسول الله صلي الله عليه وآله إذ لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب ، وهذا مما

( 1 ) وقيل : بل صالحوه على جميعها ( منه قدس ) ( * ).

- ص 67 -


أجمعت الأمة عليه بلا كلام لأحد منها في شئ منه ( 95 ) . ثم لما أنزل الله عزوجل عليه ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) أنحل فاطمة فدكا ، فكانت في يدها ( 96 ) حتى انتزعت منها لبيت المال .

هذا ما ادعته الزهراء بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وأوقفت في سبيله موقف المحاكمة بإجماع الأمة ، واليك ما جاء في محاكمتها :

قال الإمام فخر الدين الرازي : فلما مات رسول الله صلي الله عليه وآله ادعت فاطمة عليها السلام أنه كان ينحلها فدكا ، فقال لها أبو بكر : أنت أعز الناس علي

( 95 ) فدك ملك لرسول الله صلي الله عليه وآله : راجع : السيرة النبوية لابن هشام ج 2 / 353 ، فدك للقزويني ص 29 ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 16 / 210 ، تاريخ الطبري ج 3 / 20 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 224 وج 2 / 152 ط آخر ، معجم البلدان للحموي مادة - فدك - ج 4 / 238 - 240 ، وفاء الوفاء ج 3 997 و 998 ، فدك في التاريخ ص 20 ، فتوح البلدان للبلاذري ص 42 و 43 ، سنن أبى داود ج 2 / 47 باب صفايا رسول الله ك الخراج ، الأموال لأبي عبيد ص 9 ، سيرة ابن هشام ج 2 / 408 ، الاكتفاء ج 2 / 259 ، الأحكام السلطانية للماوردى ص 170 ، الأحكام السلطانية لأبي يعلي ص 185 ، المغازي للواقدي ص 706 ، أمتاع الأسماع ص 331 ، مقدمة مرآة العقول ج 1 / 133 ، شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 / 338 و 443 .
( 96 ) أئمة أهل البيت وشيعتهم كافة لا يرتابون في أن رسول الله صلي الله عليه وآله أنحل بضعته الزهراء ما كان خالصا له من فدك ، وانه كان في يدها حتى انتزع منها ، وحسبك قول أمير المؤمنين عليه السلام فيما كتبه لي عامله في البصرة عثمان بن حنيف : بلي كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحكم الله . . لي آخر كلامه وهو في نهج البلاغة ، وفى معناه نصوص متواترة عن أئمة العترة الطاهرة . والمحدثون الاثبات رووا بالإسناد لي أبى سعيد الخدري انه قال : لما نزل قوله تعلي ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) أعطى رسول الله فاطمة فدكا =>


- ص 68 -


فقرا ، وأحبهم إلي غنى ، لكني لا أعرف صحة قولك ( 1 ) فلا يجوز أن أحكم لك ، [ قال ] : فشهدت لها أم أيمن ومولي لرسول الله ( 2 ) فطلب منها أبو بكر الشاهد الذي يجوز قبول شهادته في الشرع فلم يكن . ( انتهى بلفظه ) ( 97 ) .

=> أخرجه الإمام الطبرسي في مجمع البيان فليراجع منه تفسير ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) وهى الآية 26 من سورة الإسراء . وتجد ثمة ان هذا الحديث مما ألزم المأمون برد فدك علي ولد فاطمة ( منه قدس ) .
فدك في يد فاطمة : راجع : شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج 1 / 338 ح 467 و 468 و 469 و 470 و 471 و 472 و 473 ، الدر المنثور ج 4 / 177 ، مجمع الزوائد ج 7 / 49 ، تفسير الطبري ج 15 / 82 ط 2 ، ينابيع المودة للقندوزى ص 49 و 140 ط الحيدرية وص 119 ط اسلامبول ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 1 / 228 ، إحقاق الحق ج 3 / 549 ، فضائل الخمسة ج 3 / 136 ، التبيان في تفسير القرآن للطوسي ج 6 / 468 ، تلخيص الشافي له أيضا ج 2 / 121 ، مجمع البيان ج 6 / 411 : شرح النهج لابن أبى الحديد ج 16 / 268 و 275 ، كنز العمال ج 3 / 767 ح 8696 ، فتوح البلدان للبلاذري ص 46 - 47 ، مقدمة مرآة العقول ج 1 ص 133 ، السبعة من السلف ص 35 ، الميزان الذهبي ج 2 / 228 ط السعادة .

( 1 ) بجدك قل لي يا أبا بكر هل كنت في الواقع وحقيقة الأمر لا تعرف صحة قولها ولا سيما بعد أن شهدت بصحته أم أيمن وشهد به أمير المؤمنين وهل كنت تراهم جميعا من أهل الزور والعدوان أو أنهم كانوا جميعا من الخطأ بمكان كلا ( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) ( منه قدس ) .
( 2 ) الشاهد لها مع أم أيمن انما هو أمير المؤمنين علي بن أبى طالب وهذا مما لا ريب فيه ، وكأن الرازي استفظع رد شهادة علي فلم يصرح باسمه احتراما له ولأبي بكر معا فكنى عنه بمولي رسول الله ( منه قدس ) .

( 97 ) فراجعه في تفسير آية الفئ من سورة الحشر تجده في ص 125 الجزء الثامن من تفسيره مفاتيح الغيب ( منه قدس ) =>

- ص 69 -


وفي الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي ما هذا لفظه : ودعوى فاطمة أنه صلي الله عليه وآله نحلها فدكا لم تأت عليها إلا بعلي وأم أيمن فلم يكمل نصاب البينة . . إلي آخر كلامه ( 1 ) .

وهذا بعينه ما هو المنقول في هذا الموضوع عن ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من أعلام الجماعة ( 98 ) .

قلت : عفا الله عنا وعنهم ورضي عن أبي بكر الصديق وأرضى عنه فاطمة وأباها وبعلها وبنيها ، ليته آثر ما هو الأليق به فلم يوقف وديعة رسول الله صلي الله عليه وآله وهي ثكلي مواقفها تلك منه ، تارة في سبيل ارثها ، وأخرى في سبيل نحلتها ، وثالثة ورابعة في شؤون وشجون ، وليته لم يدعها تنقلب عنه راغمة يائسة ، ثم تموت مدلهمة هاجرة له فتوصي بما أوصت . سبحان الله وبحمده أين حلمه وأناته ؟ .
وأين نظره البعيد في عواقب الأمور ؟ .
وأين احتياطه علي ربح المسلمين ؟ .

فليته أتقى فشل الزهراء في مواقفها بكل ما لديه من سبل الحكمة ، ولو فعل لكان ذلك أحمد في العقبى ، وأبعد عن مظان الندم ، وأنأى عن مواقف

=> شهادة أم أيمن وغيرها : راجع : تفسير الفخر الرازي ج 29 / 284 ط 2 . وممن ذكر ان الشاهد مع أم أيمن هو أمير المؤمنين علي بن أبى طالب عليه السلام الذي مع الحق والحق معه يدور حيث دار . السمهودي في وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ج 3 / 999 .
( 1 ) فراجعه في آخر ص 21 أثناء كلامه في الشبهة السابعة من شبه الرافضة ( منه قدس ) .
( 98 ) راجع : وفاء الوفاء ج 3 / 999 ، فدك للقزويني ، كتاب الخراج لأبي يوسف 24 ، سنن النسائي ج 2 / 179 ، الأموال لأبي عبيد ص 332 ، تفسير الطبري ج 10 / 6 ، مقدمة مرآة العقول ج 1 / 151 ( * ) .

أبو طالب
04-21-2006, 09:35 PM
- ص 70 -


اللوم ، وأجمع لشمل الأمة ، وأصلح له بالخصوص . وقد كان في وسعة أن يربأ بوديعة رسول الله ووحيدته عن الخيبة ، ويحفظها عن ان تنقلب عنه وهي تتعثر بأذيالها ، وماذا عليه ، إذ احتل محل أبيها ، لو سلمها فدكا من غير محاكمة ؟ ! فان للإمام أن يفعل ذلك بولايته العامة ، وما قيمة فدك في سبيل هذه المصلحة ؟ ودفع هذه المفسدة .

وهذا ما قد تمناه لأبي بكر كثير من متقدمي أوليائه ومتأخريهم .
واليك كلمة في هذا الموضوع لعليم المنصورة الأستاذ محمود أبو رية المصري المعاصر ، قال : بقي أمر لابد أن نقول فيه كلمة صريحة : ذلك هو موقف أبي بكر من فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وما فعل معها في ميراث أبيها ، لانا إذا سلمنا بأن خبر الآحاد الظني يخصص الكتاب القطعي ، وأنه قد ثبت أن النبي صلي الله عليه وآله قد قال : " انه لا يورث " وانه لا تخصيص في عموم هذا الخبر ، فان أبا بكر كان يسعه أن يعطي فاطمة رضي الله عنها بعض تركة أبيها صلي الله عليه وآله كان يخصها بفدك ، وهذا من حقه الذي لا يعارضه فيه أحد ، إذ يجوز للخليفة أن يخص من يشاء بما شاء . قال : وقد خص هو نفسه الزبير بن العوام ( 1 ) ، ومحمد بن مسلمة وغيرهما ببعض متروكات النبي ( 2 ) .

علي ان فدكا هذه التي منعها أبو بكر لم تلبث أن أقطعها الخليفة عثمان

( 1 ) وكان صهره علي أسماء أم عبدالله ( منه قدس ) .
( 2 ) قلت : وخص بنته أم المؤمنين بالحجرة فدفنته حين مات فيها لي جنب رسول الله ثم دفن فيها خليفته عمر برخصة منها ، فلما توفى الحسن ريحانة رسول الله أراد بنو هاشم تجديد العهد فيه بجده . فكان ما كان مما لست أذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر - فانا لله وانا إليه راجعون ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 71 -


لمروان ( 99 ) هذا كلامه بنصه ( 100 ) .

ونقل ابن أبي الحديد عن بعض السلف كلاما مضمونه العتب علي الخليفتين والعجب منهما في مواقفهما مع الزهراء بعد أبيها صلي الله عليه وآله . قالوا في آخره : " وقد كان الأجل أن يمنعهما التكرم عما ارتكباه من بنت رسول الله فضلا عن الدين " . فذيله ابن أبي الحديد بقوله ( 1 ) : " وهذا الكلام لا جواب عنه " .

قلت : دعنا من مقتضيات التكرم ، ولننظر في المسألة من حيث مقتضيات المحاكمة فنقول : قد تمت الموازين الشرعية التي توجب الحكم للزهراء بنحلتها وكانت مع تمامها متعددة كما لا يخفى علي المنصفين من أولي الألباب .

وحسبهم منها علم الحاكم يومئذ ان هذه المدعية انما هي بمثابة من

( 99 ) عثمان يعطى فدكا لمروان بن الحكم . راجع : المعارف لابن قتيبة ص 195 ، تاريخ أبى الفداء ج 1 / 169 ، سنن البيهقي ج 6 / 301 ، العقد الفريد ج 4 / 283 ط لجنة التأليف والنشر ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 198 ، الغدير للأميني ج 7 / 195 وج 8 / 236 - 238 ، وفاء الوفاء ج 3 / 1000 ، فدك في التاريخ ص 20 - 21 ، سنن أبى داود ج 2 / 49 . وقيل ان الذي أقطعها لمروان هو معاوية بن أبى سفيان : راجع : معجم البلدان للحموي ج 4 / 240 ، الغدير للأميني ج 7 / 195 ، وفاء الوفاء ج 3 / 1000 ، فدك في التاريخ ص 21 - 22 ، فتوح البلدان للبلاذري ص 46 .
( 100 ) وقد نشرته مجلة الرسالة المصرية في عددها 518 من السنة 11 فراجعه في ص 457 ( منه قدس ) . وقريب منه نقله في كتابه شيخ المضيرة أبو هريرة ص 169 ط 3 .
( 1 ) في ص 106 من المجلد الرابع من شرحه لنهج البلاغة حين أتى علي شرح قول أمير المؤمنين في كتابه لعثمان بن حنيف : بلي كانت في أيدينا فدك ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 72 -


القدس تعدل بها مريم بنت عمران ( 1 ) وانها أفضل منها ( 101 ) وانها ومريم

( 1 ) بحكم النصوص الصريحة في السنن المتظافرة الصحيحة . فمنها ما أخرجه ابن عبد البر في ترجمة الزهراء من استيعابه وغيره من أعلام اثباتهم : ان النبي صلي الله عليه وآله عادها وهى مريضة فقال : كيف تجدينك يا بنية ؟ قالت : انى لوجعة وانه ليزيدني انى ملي طعام آكله ، قال : يا بنية أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين . قالت : يا أبة فأين مريم بنت عمران ؟ . قال : تلك سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء عالمك ، أما والله لقد زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة اه‍ ( منه قدس ) .
( 101 ) تفضيلها علي مريم عليها السلام أمر مفروغ منه عند أئمة العترة الطاهرة وأوليائهم من الإمامية وغيرهم ، وصرح بأفضليتها علي سائر النساء حتى السيدة مريم كثير من محققي أهل السنة والجماعة كالتقي السبكي ، والجلال السيوطي ، والبدر ، والزركشي ، والتقى المقريزي ، وابن أبى داود ، والمناوي فيما نقله عنهم العلامة النبهاني في فضائل الزهراء ص 59 من كتابه - الشرف المؤبد - وهذا هو الذي صرح به السيد أحمد زيني دحلان مفتى الشافعية ، ونقله عن عدة من أعلامهم وذلك حيث أورد تزويج فاطمة بعلي في سيرته النبوية فراجع ( منه قدس ) .

فاطمة الزهراء عليها السلام أفضل من مريم بنت عمران . راجع : نور الأبصار للشبلنجى ص 42 ط اليوسفية ، الاستيعاب بذيل الإصابة ج 4 / 364 ، حلية الأولياء ج 2 / 42 ، جالية الكدر في شرح منظومة البرزنجي ص 202 ، الأنوار المحمدية للنبهاني ص 150 ، مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 / 79 ، مشكل الاثار ج 1 / 48 و 50 و 52 ، ذخائر العقبى ص 42 ، المعتصر من المختصر للباجى ج 2 / 247 تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 / 91 ، نظم درر السمطين ص 179 ، طرح التثريب ج 1 / 149 ، الإصابة ج 4 / 275 ، وسيلة المال ص 8 ، الثغور الباسمة للسيوطي ص 14 ، ينابيع المودة ص 174 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش الحلبية ج 2 / 6 ، مشارق الأنوار للحمزواى ص 105 ، الشرف المؤبد ص ، رشفة الصادى ص 226 ، أعلام النساء لعمر كحالة ج 3 / 1215 ، كنز العمال ج 13 / 145 ( * ) .

- ص 73 -


وخديجة وآسية أفضل نساء الجنة ( 102 ) وانها والثلاث خير نساء العالمين ( 103 ) ، وهي التي قال لها رسول الله صلي الله عليه وآله :

( 102 ) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس في ص 293 من الجزء الأول من مسنده ، ورواه أبو داود كما في ترجمة خديجة من الاستيعاب ، وقاسم بن محمد كما في ترجمة الزهراء من الاستيعاب أيضا ( منه قدس ) . راجع مسند أحمد بن حنبل ج 1 / 293 و 322 ط الميمنية بمصر ، الاستيعاب بهامش الإصابة ج 4 / 284 و 376 ط السعادة ، المستدرك للحاكم ج 3 / 160 ، تلخيص المستدرك للذهبي بذيل المستدرك ج 3 / 160 وصححه ، ذخائر العقبى ص 42 ، أسد الغابة ج 5 / 447 ، الإصابة لابن حجر ج 4 / 378 ط السعادة وج 4 / 366 ط مصطفى محمد بمصر ، ينابيع المودة ص 172 و 173 و 198 و 246 ط اسلامبول وص 202 و 204 و 234 ط الحيدرية ، مشكل الاثار للطحاوي ج 1 / 48 ، الاعتقاد البيهقي ص 165 ، تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 / 92 ، تهذيب التهذيب للذهبي ص 134 ، كنز العمال ج 13 / 143 منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 / 284 ، الخصائص الكبرى للسيوطي ج 2 / 265 ، الجامع الصغير للسيوطي ج 1 / 168 ، الفتح الكبير للنبهاني ج 1 / 214 ، البداية والنهاية لابن كثير ج 2 / 59 ، تهذيب التهذيب لابن حجر ج 12 / 441 ، طرح التشريب ص 169 ، إرشاد الساري ج 6 / 168 ، البيان والتعريف للحمزاوي ج 1 / 123 ، وسيلة المال ص 80 ، حسن الاسورة ص 31 ، أرجح المطالب ص 240 و 243 ، جواهر البحار للنبهاني ج 1 / 361 ، سبيل النجاة في تتمة المراجعات ص 238 رقم 770 .
( 103 ) أخرجه أبو داود كما في ترجمة خديجة من الاستيعاب بالإسناد لي أنس ، ورواه عبد الوارث بن سفيان كما في ترجمة الزهراء وخديجة من الاستيعاب ( منه قدس ) . راجع : الاستيعاب بهامش الإصابة ج 4 / 284 و 285 و 377 ط السعادة وبذيل الإصابة ج 4 / 365 ط مصطفى محمد بمصر ، الإصابة لابن حجر العسقلاني ج 4 / 378 ط السعادة وج 4 / 366 ط مصطفى محمد بمصر ، أسد الغابة ج 5 / 437 ، ذخائر العقبى ص 44 ، ينابيع المودة ص 204 و 218 ط الحيدرية وص 173 ط اسلامبول ، تاريخ بغداد ج 9 / 404 ، البداية والنهاية ج 2 / 59 ، تفسير ابن كثير ج 2 / 224 ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 / 284 ، كنز العمال ج 13 / 143 ، سبيل النجاة في تتمة المراجعات ص 239 رقم 771 ( * ) .

- ص 74 -


" يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين ، أو سيدة نساء هذه الأمة " ( 104 ) .

( 104 ) أخرجه البخاري في ص 64 من الجزء الرابع من صحيحه ، ومسلم في فضائل فاطمة من الجزء الثاني من صحيحه ، والترمذي في الصحيح ، وصاحب الجمع بين الصحيحين وصاحب الجمع بين الصحاح الستة ، والإمام أحمد من حديث الزهراء ص 282 علي الجزء السادس من مسنده وابن عبد البر في ترجمتها من استيعابه ، ومحمد بن سعد في ترجمتها من الجزء الثامن من طبقاته ، وفى باب ما قاله النبي في مرضه من المجلد الثاني من الطبقات أيضا .
واللفظ الذي تسمعه للبخاري في آخر ورقة من كتاب الاستئذان من الجزء الرابع من صحيحه ، قال : حدثنا موسى عن أبى عوانة عن فراس ، عن عامر ، عن مسروق ، قال : حدثتني عائشة أم المؤمنين قالت : أنا كنا أزواج النبي عنده جميعا لم تغادر منا واحدة ، فأقبلت فاطمة تمشى لا والله ما تخفى مشيتها من مشية رسول الله صلي الله عليه وآله فلما رآها رحب ، وقال : مرحبا بابنتي ، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثم سارها فبكت بكاءا شديدا ، فلما رأى حزنها سارها الثانية ، إذا هي تضحك ، فقلت لها أنا من بين نسائه : خصك رسول الله صلي الله عليه وآله بالسر من بيننا ، ثم أنت تبكين ؟ ! فلما قام رسول الله صلي الله عليه وآله سألتها : عم سارك ؟ قالت : ما كنت لأفشي على رسول الله سره ، فلما توفى قلت لها : عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما أخبرتني ، قالت : أما الآن فنعم فأخبرتني . قالت : أما سارني في الأمر الأول فانه أخبرني ان جبرئيل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة ، وانه عارضني به العام مرتين ، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب ، فاتقى الله واصبري ، فاني نعم السلف انا لك ، قالت فبكيت بكائي الذي رأيت . فلما رأى جزعي سارني الثانية ، قال : يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين ، أو نساء هذه الأمة أه‍ .

قلت : ولفظه فيما ذكره ابن حجر في ترجمتها من الإصابة ، وغير واحد من المحدثين : ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين ؟ وكيف كان فالحديث صحيح ، والنص في تفضيلها صريح .

وأخرج ابن سعد في باب ما قاله النبي لها في مرضه من المجلد الثاني من طبقاته بالإسناد لي أم سلمة ، قالت : لما حضر رسول الله صلي الله عليه وآله الوفاة دعا فاطمة فناجاها فبكت ، ثم ناجاها فضحكت ، فلم أسألها حتى توفى =>

أبو طالب
04-21-2006, 09:36 PM
- ص 75 -


وقد علم المسلمون كافة ان الله عزوجل اختارها من نساء الأمة . كما اختار ولديها من الأبناء ، واختار بعلها من الأنفس ، فهم الخيرة مع رسول الله للمباهلة يوم أوحى الله سبحانه إليه ( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) ( 105 ) .

=> رسول الله صلي الله عليه وآله فسألتها عن بكائها وضحكها فقالت : أخبرني انه يموت ، ثم أخبرني إني سيدة نساء أهل الجنة . الحديث أخرجه أيضا أبو يعلي - كما في ترجمة الزهراء من الإصابة - بالإسناد لي أم سلمة ، ورواه عنها غير واحد من أهل الحديث ( منه قدس ) .
فاطمة الزهراء سيدة نساء المؤمنين : راجع : صحيح البخاري ك الاستئذان ب من ناجى بين يدي الناس ج 8 / 79 ط مطابع الشعب وج 4 / 96 ط الحلبي بحاشية السندي ، صحيح مسلم ك فضائل الصحابة ب - 15 - فضائل فاطمة ج 4 / 1905 ط بتحقيق محمد فؤاد ، سنن ابن ماجة ك الجنائز ب 64 ج 1 / 518 بتحقيق محمد فؤاد ، الاستيعاب بذيل الإصابة ج 4 / 363 ، أسد الغابة ج 5 / 522 ، التاج الجامع للأصول ج 3 / 371 ، حلية الأولياء ج 2 / 39 ، مسند أحمد ج 6 / 282 ، نور الأبصار للشبلنجى ص 45 ، مسند أبى داود الطيالسي ص 196 ، الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 / 26 ، خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص ، جواهر البحار للنبهاني ج 1 / 360 ، المستدرك للحاكم ج 3 / 156 ، مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 / 54 ، مصابيح السنة للبغوي ج ص ، أسد الغابة ج 5 / 522 ، تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 / 94 ، الخصائص الكبرى للسيوطي ج 2 / 265 ، كنز العمال ج 12 / 110 ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 / 97 ينابيع المودة ص 260 ، إحقاق الحق ج 10 / 27 ، مشكل الاثار ج 1 / 48 .

( 105 ) لنا في الفصل الأول من كلمتنا الغراء حول هذه الخصيصة - المباهلة - مباحث جمة يجدر بكل بحاثة أن يقف عليها ( منه قدس ) . سورة آل عمران آية : 61 . أجمعت الأمة السلامية ان الآية نزلت في النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين =>


- ص 76 -


. . . . . . .

=> عليهم السلام راجع : صحيح مسلم كتاب الفضائل باب من فضائل علي بن أبى طالب ج 2 / 360 ط عيسى الحلبي وج 15 / 176 ط مصر بشرح النووي وج 7 / 120 ط محمد علي صبيح وج 4 / 1871 ط مصر بتحقيق محمد فؤاد ، صحيح الترمذي ج 4 / 393 وج 5 / 301 أفست بيروت ، شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 / 120 - 129 ح 168 و 170 و 171 و 172 و 173 و 175 ، المستدرك علي الصحيحين للحاكم ج 3 / 150 وصححه ، تلخيص المستدرك للذهبي بذيل المستدرك ، مناقب علي بن أبى طالب لابن المغازلي ص 263 ح 310 ، مسند أحمد ج 1 / 185 ط الميمنية وج 3 / 97 ح 1608 ط دار المعارف ، كفاية الطالب للكنجي ص 54 و 85 و 142 ط الحيدرية وص 13 و 28 - 29 و 55 و 59 ط الغرى ، ترجمة الإمام علي بن أبى طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر ج 1 / 21 ح 30 و 271 ، تفسير الطبري ج 3 / 299 و 300 و 301 ط 2 وج 3 / 192 ط الميمنية ، الكشاف للزمخشري ج 1 / 193 ط مصطفى محمد وج 1 / 368 - 370 ط بيروت ، تفسير ابن كثير ج 1 / 370 - 371 ، تفسير القرطبي ج 4 / 104 ط 3 ، أحكام القرآن للجصاص ج 2 / 295 ط 2 بتحقيق القمحاوى وادعى عدم الاختلاف في ذلك ، أحكام القرآن لابن عربي ج 1 / 115 ط السعادة وج 1 / 275 ط 2 ، التسهيل لعلوم التنزيل ج 1 / 109 ، فتح البيان في مقاصد القرآن ج 2 / 72 ، زاد المسير لابن الجوزي ج 1 / 399 ، فتح القدير للشوكاني ج 1 / 316 ط 1 وج 1 / 347 ط 2 ، تفسير الفخر الرازي ج 2 / 699 ط دار الطباعة العامرة بمصر وج 8 / 85 ط البهية ، تفسير أبى السعود بهامش تفسير الرازي ج 2 / 143 ط دار الطباعة بمصر ، جامع الأصول ج 9 / 470 ، تفسير الخازن ج 1 / 302 ، معالم التنزيل للبغوي بهامش تفسير الخازن ، تفسير الجلالين للسيوطي ج 1 / 33 ط مصر وص 77 ط بيروت ، تفسير البيضاوى ج 2 / 22 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 169 ، الصواعق المحرقة لابن حجر ص 72 و 87 و 93 ط الميمنية وص 119 و 143 و 153 ط المحمدية وفى المورد الأول من هذه الطبعة حذف اسم الإمام الحسن عليه السلام وهو موجود في الطبعة الأولي ص 72 فراجع ، الإتحاف بحب الأشراف للشبراوي ص 5 ، السيرة الحلبية ج 2 / 212 ط البهية وج 2 / 240 ط محمد علي صبيح ، السيرة النبوية =>

- ص 77 -


فخرج رسول الله صلي الله عليه وآله كما نص عليه الإمام الرازي في تفسير الآية من تفسيره الكبير وعليه مرط من شعر اسود وقد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول لهم : إذا انا دعوت فأمنوا . فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا لأزاله بها ، فلا تباهلوهم فتهلكوا ، ولا يبقى علي وجه الأرض نصراني لي يوم القيامة ( 106 ) .

وأيضا أجمع المسلمون كافة علي ان الزهراء عليها السلام ممن أنزل الله عزوجل فيهم ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ

=> لزين دحلان بهامش الحلبية ج 3 / 5 ط البهية ، المناقب للخوارزمي ص 60 و 97 ، الفصول المهمة لابن الصباغ ص 110 ، شرح النهج لابن أبى الحديد ج 4 / 108 ط 1 وج 16 / 291 ط مصر بتحقيق أبو الفضل ، أسد الغابة ج 4 / 26 ، الإصابة لابن حجر ج 2 / 509 ط السعادة وج 2 / 503 ط مصطفى محمد ، مرآة الجنان لليافعى ج 1 / 109 ، مشكاة المصابيح ج 3 / 254 ، البداية والنهاية ج 5 / 54 ولم يذكر أمير المؤمنين ، الرياض النضرة ج 2 / 248 ، فضائل الخمسة ج 1 / 244 ، إحقاق الحق للتستري ج 3 / 46 - 62 وج 9 / 70 - 71 ، شذرات الذهب ( الأئمة الاثنا عشر ) ص 53 ، فرائد السمطين ج 1 / 377 وج 2 / 23 وألف بخصوص هذه الآية عدة مؤلفات منها المباهلة للشيخ عبدالله السبيتى ط في النجف .
( 106 ) وهذا الحديث ذكره المفسرون والمحدثون وأهل السير والأخبار ، وكل من أرخ حوادث السنة العاشرة للهجرة وهى سنة المباهلة ، قال الرازي بعد إيراده في تفسيره الكبير : واعلم ان هذه الرواية كالمتفق علي صحتها بين أهل التفسير والحديث . قلت : أين كان الصديق عن هذه الوجوه يوم طالبته بالنحلة فرد دعواها ولم يقبل شهادة من شهد يومئذ منهم ( منه قدس ) . تفسير الرازي ج 8 / 80 ، الميزان في تفسير القرآن ج 3 / 222 - 244 ( * ) .


- ص 78 -


تَطْهِيرًا ) ( 107 ) .

( 107 ) كما فصلناه في الفصل الثاني من كلمتنا الغراء فليراجع بإمعان ( منه قدس ) . سورة الأحزاب آية : 33 . نزلت هذه الآية في النبي محمد صلي الله عليه وآله وأهل بيته وهم : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام يوجد ذلك في : صحيح مسلم ك فضائل الصحابة ب - فضائل أهل بيت النبي - ج 2 / 368 ط عيسى الحلبي وج 15 / 194 ط مصر بشرح النووي ، صحيح الترمذي ج 5 / 30 و 328 ط أفست دار الفكر وج 2 / 209 و 308 و 319 ط بولاق وج 13 / 200 ط آخر المستدرك للحاكم ج 3 / 133 و 146 و 147 و 158 وج 2 / 416 ، تلخيص المستدرك للذهبي بذيل المستدرك ، المعجم الصغير للطبراني ج 1 / 65 و 135 ، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج 2 / 11 - 92 حديث : 637 و 638 و 639 و 640 و 641 و 644 و 648 و 649 و 650 و 651 و 652 و 653 و 656 و 657 و 658 و 659 و 660 و 661 و 663 و 664 و 665 و 666 و 667 و 668 و 670 و 671 و 672 و 673 و 675 و 678 و 680 و 681 و 686 و 689 و 690 و 691 و 694 و 707 و 710 و 713 و 714 و 717 و 718 و 729 و 740 و 751 و 754 و 755 و 756 و 757 و 758 و 759 و 760 و 761 و 762 و 764 و 765 و 767 و 768 و 769 و 770 و 774 ، خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 4 ط مصر و 8 ط بيروت وص 49 ط النجف ، ترجمة الإمام علي بن أبى طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر ج 1 / 185 ح 250 و 272 و 320 و 321 و 322 ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 54 و 372 و 174 و 375 وقد صححه و 376 ط الحيدرية وص 13 و 227 و 230 وقد صححه و 231 و 232 ط الغرى ، مسند أحمد بن حنبل ج 1 / 330 وج 3 / 259 و 285 وج 4 / 107 وج 6 / 292 و 296 و 298 ، و 304 و 306 ط الميمنية وج 5 / 25 بسند صحيح ط دار المعارف بمصر ، أسد الغابة ج 2 / 12 و 20 وج 3 / 413 وج 5 / 521 و 589 ، ذخائر العقبى ص 21 و 23 و 24 ، أسباب النزول للواحدي ص 203 ، المناقب للخوارزمي ص 23 و 224 ، تفسير الطبري ج 22 / 6 و 7 و 8 ط 2 ، الدر المنثور ج 5 / 198 و 199 ، أحكام القرآن للجصاص ج 5 / 230 ط عبد الرحمن =>

- ص 79 -


. . . . . . .

=> محمد وج 5 / 443 ط القاهرة ، مناقب علي بن أبى طالب لابن المغازلي ص 301 ح 345 و 348 و 349 و 350 و 351 ، مصابيح السنة للبغوي ج 2 / 278 ط محمد علي صبيح وج 2 / 204 ط الخشاب ، مشكاة المصابيح ج 3 / 254 ، الكشاف للزمخشري ج 1 / 193 ط مصطفى محمد وج 1 / 369 ط بيروت ، تفسير ابن كثير ج 3 / 483 و 484 و 485 ط 2 ، تفسير القرطبي ج 14 / 182 ، التسهيل لعلوم التنزيل ج 3 / 137 ، التفسير لمعالم التنزيل للجاوى ج 2 / 183 ، الإتقان في علوم القرآن ج 4 / 240 ط المشهد الحسينى بمصر وج 2 / 200 ط آخر ، تذكرة الخواص للسبط بن الجوزى ص 233 ، مطالب السؤل ج 1 / 19 و 20 ط النجف وص 8 ط طهران ، أحكام القرآن لابن عربي ج 2 / 166 ط مصر وج 3 / 1526 ط آخر ، الفصول المهمة لابن الصباغ ص 8 ، الإصابة لابن حجر ج 2 / 502 وج 4 / 367 ط مصطفى محمد وج 2 / 509 وج 4 / 378 ط السعادة ، فرائد السمطين للحموينى ج 2 / 9 و 22 ، ترجمة الإمام الحسن من تاريخ دمشق لابن عساكر ص 63 ح 113 - 128 ، الصواعق المحرقة ص 85 و 137 ط الميمنية وص 141 و 227 ط المحمدية ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 / 96 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش الحلبية ج 3 / 329 و 330 ط البهية وج 3 / 365 ط محمد علي صبيح ، إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص 104 و 105 و 106 ط السعيدية وص 97 و 98 ط العثمانية ، فتح القدير للشوكاني ج 4 / 279 ، نور الأبصار للشبلنجى ص 102 ط السعيدية وص 101 ط العثمانية وص 112 ط مصطفى محمد ، إحقاق الحق للتستري ج 2 / 502 - 547 ، فضائل الخمسة ج 1 / 224 - 243 ، الاستيعاب لابن عبد البر بهامش الإصابة ج 3 / 37 ط السعادة وج 3 / 37 ط مصطفى محمد ، ينابيع المودة للقندوزى ص 107 و 108 و 228 و 229 و 230 و 244 و 260 و 294 ط اسلامبول وص 124 و 125 و 126 و 135 و 196 و 229 و 269 و 271 و 272 و 352 و 353 ط الحيدرية ، العقد الفريد ج 4 / 311 ط لجنة التأليف والنشر بمصر وج 2 / 394 ط دار الطباعة العامرة وج 2 / 275 ط آخر فتح البيان في مقاصد القرآن ج 7 / 363 و 364 و 365 ، الرياض النضرة ج 2 / 248 ط 2 ، الأنوار المحمدية للنبهاني ص 434 ، جواهر البحار للنبهاني ج 1 / 360 ، الفضائل =>

أبو طالب
04-21-2006, 09:37 PM
- ص 80 -


وأنها ممن افترض الله مودتهم علي الأمة وجعلها أجر رسالته " ص " ( 108 ) .

=> لأحمد بن حنبل ترجمة الإمام الحسين ص 28 ح 57 ، ولأجل المزيد من المصادر ، وان أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين ، دون نساء النبي باعتراف أم سلمة زوجة الرسول وعائشة ، وان الرسول كان يمر علي باب علي وفاطمة ستة أشهر ويقرء الآية . راجع كل ذلك في كتابنا ( سبيل النجاة في تتمة المراجعات ص 36 رقم 69 طبع في بغداد وبيروت ) .
( 108 ) كما فصلناه في الفصل الثالث من كلمتنا الغراء ( منه قدس ) . إشارة لي قوله تعلي : " قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى " سورة الشورى آية : 23 . هذه الآية نزلت في قربى الرسول وهم : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام . راجع : شواهد التنزيل للحسكاني ج 2 / 130 ح 822 و 823 و 824 و 826 و 827 و 828 و 832 و 833 و 834 و 838 ، مناقب علي بن أبى طالب لابن المغازلي ص 307 ح 352 ذخائر العقبى ص 25 و 138 ، المستدرك للحاكم ج 3 / 172 ، تفسير الطبري ج 25 / 14 و 15 ط الميمنية وج 25 / 25 ط 2 ، تفسير الكشاف للزمخشري ج 3 / 402 ط مصطفى محمد وج 4 / 220 ط بيروت ، تفسير الفخر الرازي ج 7 / 405 - 406 ط الدار العامرة وج 27 / 166 ط عبدالرحمن محمد ، تفسير البيضاوي ج 4 / 123 ط مصطفى محمد وج 5 / 53 ط بيروت وص 642 ط العثمانية ، تفسير ابن كثير ج 4 / 112 ط 2 ، مجمع الزوائد ج 7 / 103 وج 9 / 168 ، فتح البيان في مقاصد القرآن ج 8 / 372 تفسير القرطبي ج 16 / 22 ، فتح القدير للشوكاني ج 4 / 537 ، الدر المنثور ج 6 / 7 ، تفسير النسفي ج 4 / 105 ، الصواعق المحرقة ص 101 و 135 و 136 ط الميمنية وص 168 و 225 ط المحمدية ، مطالب السؤل لابن طلحة ص 8 ط طهران وج 1 / 21 ط النجف ، الفصول المهمة لابن الصباغ ص 11 ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 91 و 93 و 313 ط الحيدرية وص 31 و 32 و 175 و 178 ط الغرى ، مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 / 1 و 57 ، الإتحاف بحب الأشراف للشبراوي ص 5 و 13 ، إحياء الميت للسيوطي بهامش الإتحاف ص 110 ، نظم درر السمطين ص 24 ، نور الأبصار ص 102 ط السعيدية وص 106 ط العثمانية ، تلخيص المستدرك للذهبي مطبوع بذيل المستدرك للحاكم ج 3 / 172 ، =>


- ص 81 -


وأنها ممن تعبد الله الخلق بالصلاة عليهم ( 109 ) كما تعبدهم بالشهادتين في كل فريضة . ولله ما قاله - الإمام الشافعي - كما في الصواعق المحرقة وغيرها :


يا أهل بيت رسول الله حبكم =فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر إنكم= من لم يصل عليكم لا صلاة له ( 110 )

وقال الشيخ ابن العربي - كما في الصواعق المحرقة وغيرها :


رأيت ولائي آل طه فريضة=علي رغم أهل البعد يورثني القربى

=> ينابيع المودة للقندوزى ص 106 و 194 و 261 ط اسلامبول وص 123 و 229 و 311 ط الحيدرية وج 1 / 105 وج 2 / 19 و 85 ط صيدا ، حلية الأولياء ج 3 / 201 ، الغدير للأميني ج 2 / 306 - 311 ط بيروت ، إحقاق الحق للتستري ج 3 / 2 - 22 وج 9 / 92 - 101 ، فضائل الخمسة ج 1 / 259 ، الأنوار المحمدية للنبهاني ص 434 .
( 109 ) وجوب الصلاة علي آل محمد في أثناء الصلاة الواجبة : راجع : الغدير للأميني ج 2 / 302 ، الصواعق لابن حجر ص 87 و 139 ط الميمنية وص 144 - 145 و 231 ط المحمدية ، تفسير الرازي ج 7 / 391 ط الدار العامرة بمصر ، ذخائر العقبى ص 19 ، المستدرك للحاكم ج 1 / 269 ، فضائل الخمسة ج 1 / 208 . ولأجل المزيد من المصادر وكيفية الصلاة علي آل محمد ونزول آية ( ان الله وملائكته . . ) راجع ( سبيل النجاة في تتمة المراجعات تحت تسلسل - 126 - ) .

( 110 ) أبيات الإمام الشافعي في حب أهل البيت : راجعها في : الصواعق المحرقة ص 88 ط الميمنية وص 146 ط المحمدية ، ينابيع المودة للقندوزى ص 354 ط الحيدرية وص 295 ط اسلامبول ، إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص 118 ط السعيدية وص 108 ط العثمانية ، الإتحاف بحب الأشراف ص 29 ، نور الأبصار للشبلنجى ص 105 ط السعيدية وص 103 ط العثمانية ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش الحلبية ج 3 / 332 ، الغدير للأميني ج 3 / 173 وغيرها من مصادر . ( * )


- ص 82 -



فما طلب الرحمن أجرا علي الهدى= بتبليغه إلا المودة في القربى ( 111 )

وقال العلامة النبهاني في كتابه الشرف المؤبد .


آل طه يا آل خير نبي= جدكم خيرة وأنتم خيار
أذهب الله عنكم الرجس أهل ال‍ =بيت قدما فأنتم الأطهار
لم يسل جدكم علي الدين أجرا = غير ود القربى ونعم الاجار ( 112 )

وأيضا فان الزهراء لبرة الأبرار الذين قال الله عزوجل عنهم ( إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا ) الآيات ( 1 ) لي آخرها ( 113 ) .

( 111 ) الصواعق المحرقة لابن حجر ص 101 ط الميمنية ، إسعاف الراغبين للصبان بهامش نور الأبصار ص 117 .
( 112 ) الشرف المؤبد للنبهاني
( 1 ) أجمع أصحابنا الإمامية تبعا لائمتهم علي ان هذه الآيات انما نزلت في شأن علي وفاطمة والحسن والحسين بسبب صدقة منهم آثروا بها المسكين واليتيم والأسير علي أنفسهم في ثلاث ليال متوالية لم يذوقوا فيها الا الماء وصاموا أيامها الثلاثة وفاءا بنذرهم . والقضية هذه أرسلها الزمخشري في سورة الدهر من كشافه عن ابن عباس وأخرجها بالإسناد إليه كل من الإمام الواحدي في كتابه البسيط ، والإمام أبى إسحاق الثعلبي في تفسيره الكبير ، والإمام أبى المؤيد موفق بن أحمد في كتابه الفضائل ، وأرسلها إرسال المسلمات في كتب المناقب جماعة من الثقات ، وفى الفصل الرابع من كلمتنا الغراء في تفضيل الزهراء تعليقات وتنبيهات ألفت إليها أولي البحث والتحقيق فلتراجع ( منه قدس ) .
( 113 ) الآيات في سورة الدهر آية : 5 - 22 . هذه الآيات نزلت في : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام بمناسبة قصة النذر راجع ذلك في =>


- ص 83 -


وبالجملة فان للزهراء عليها السلام من منازل القدس عند الله عزوجل ورسوله صلي الله عليه وآله والمؤمنين ما يوجب الثقة التامة في صحة ما تدعي ، والطمأنينة الكاملة بكل ما تقول ، لا نحتاج في إثبات دعواها لي شاهد ، فان لسانها ليتجافى عن الباطل ، وحاشا الله أن ينطق بغير الحق ، فدعواها بمجردها تكشف عن

=> شواهد التنزيل للحسكاني ج 2 / 298 ح 1042 و 1046 و 1047 و 1048 و 1051 و 1053 و 1054 و 1055 و 1056 و 1057 و 1058 و 1059 و 1061 ، المناقب للخوارزمي ص 188 - 194 ، كفاية الطالب ص 345 - 348 ط الحيدرية وص 201 ط الغرى ، تذكرة الخواص للسبط بن الجوزى ص 312 - 317 ، نور الأبصار للشبلنجى ص 102 - 104 ط السعيدية وص 101 - 102 ط العثمانية ، الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) ج 19 / 130 ط 3 ، الكشاف للزمخشري ج 4 / 197 ط مصطفى محمد وج 4 / 670 ط بيروت وج 2 / 511 ط آخر ، روح المعاني للآلوسي ج 29 / 157 ، تفسير الفخر الرازي ج 13 / 243 ط البهية وج 8 / 392 ط الدار العامرة بمصر ، تفسير أبى السعود بهامش تفسير الرازي ج 8 / 393 ط الدار العامرة ، التسهيل لعلوم التنزيل للكلبى ج 4 / 167 ، فتح القدير للشوكاني ج 5 / 349 ط 2 مصطفى محمد وج 5 / 338 ط 1 الحلبي ، الدر المنثور ج 6 / 299 تفسير الخازن ج 7 / 159 ، معالم التنزيل للبغوي بهامش تفسير الخازن ج 7 / 159 ، تفسير البيضاوي ج 5 / 165 ط بيروت وج 4 / 235 ط مصطفى محمد وج 2 / 571 ط آخر ، تفسير النسفي ج 4 / 318 ، أسد الغابة ج 5 / 530 ، أسباب النزول للواحدي ص 251 ، ذخائر العقبى ص 88 و 102 ، مطالب السئول لابن طلحة ج 1 / 88 ، العقد الفريد ج 5 / 96 ط 2 لجنة التأليف والنشر وج 3 / 45 ط آخر ، الإصابة لابن حجر ج 4 / 387 ط السعادة وج 4 / 376 ط مصطفى محمد ، اللآلي المصنوعة للسيوطي ج 1 / 370 ، الغدير للأميني ج 3 / 107 - 111 ، إحقاق الحق للتستري ج 3 / 158 - 169 وج 9 / 110 - 123 ، ينابيع المودة للقندوزى ص 93 و 212 ط اسلامبول وص 107 - 108 و 251 ط الحيدرية ، نوادر الأصول للحكيم الترمذي ص 64 ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 21 وج 13 / 276 ، الرياض النضرة ج 2 / 274 و 302 ط 2 ، فضائل الخمسة ج 1 / 254 ( * ) .

- ص 84 -


صحة المدعى به كشفا تاما ليس فوقه كشف ، وهذا مما لا يرتاب فيه أحد ممن عرفها عليها السلام وأبو بكر من أعرف الناس بها وبصدق دعواها ولكن الأمر كما حكاه علي بن الفارقي وكان من أعلام بغداد . مدرسا في مدرستها الغربية ، وهو أحد شيوخ ابن أبي الحديد المعتزلي ، إذ سأله . فقال له : أكانت فاطمة صادقة - في دعواها النحلة - ؟ . قال : نعم . قال له - ابن أبي الحديد - : فلم لم يدفع لها أبو بكر فدكا وهي عنده صادقة ؟ فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته . قال : لو أعطاها اليوم فدكا بمجرد دعواها لجأت إليه غدا وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمكنه حينئذ الاعتذار بشئ ، لأنه يكون قد سجل علي نفسه بأنها صادقة فيما تدعى كائنا ما كان من غير حاجة لي بينة ولا شهود " ( 114 ) .

قلت : وبهذا استباح أبو بكر رد شهادة علي بن أبي طالب لفاطمة بالنحلة وإلا فان يهود خيبر على لؤمهم وأن عليا دمرهم لينزهونه عن شهادة الزور وبهذا أيضا لا بسواه استنوق الجمل فاعتبر ذات اليد المتصرفة مدعيه فطالبها بالبينة انما هي عليه ، الأمر الذي علمنا أنه دبر بليل .

وما ينس فلا ينس قوله في مجابهة فاطمة لست أعلم صحة قولك مع أن قولها بمجرده من أوضح موازين الحكم لها بما ادعت . ولو تنازلنا عن هذا كله وسلمنا أنها كسائر المؤمنات الصالحات تحتاج في إثبات دعواها لي بينة ، فقد شهد لها علي وحسبها اخو النبي ومن كان منه

( 114 ) شرح النهج لابن أبى الحديد ج 16 / 284 ( * ) .

- ص 85 -


بمنزلة هارون من موسى ( 115 ) شاهد حق تشرق بشهادته أنوار اليقين وليس بعد اليقين غاية يطلبها الحاكم في المرافعات ولهذا جعل رسول الله صلي الله عليه وآله شهادة خزيمة بن ثابت كشهادة عدلين ( 116 ) ، ولعمر الله أن عليا أولي بهذا من خزيمة وغيره وأحق بكل فضيلة من سائر ابدال المسلمين .

ولو تنازلنا فسلمنا أن شهادة علي كشهادة رجل واحد من عدول المؤمنين فهلا استحلف أبو بكر فاطمة الزهراء بدلا عن الشاهد الثاني ، فان حلفت وإلا رد دعواها ، ما رأيناه فعل ذلك ! وانما رد الدعوى ملغيا شهادة علي وأم أيمن ( 117 ) وهكذا كما ترى مما لم يكن بالحسبان ! بينا كان علي عدل

( 115 ) كما سوف يأتي مع مصادره . ( 116 ) شهادة خزيمة بشهادتين : راجع شرح النهج لابن أبى الحديد ج 16 / 273 ، فدك للقزويني ص 52 ، الإصابة ج 1 / 425 ، الاستيعاب بذيل الإصابة ج 1 / 416 ، أسد الغابة ج 2 / 114 ، كنز العمال ج 13 / 379 - 380 ، مسند أحمد بن حنبل ج 5 / 189 ط 1 .
( 117 ) هي مولاة النبي صلي الله عليه وآله وحاضنته اسمها بركة بنت ثعلبة وكان صلي الله عليه وآله يقول : أم أيمن أمي بعد أمي . وكان إذا نظر إليها يقول : هذا بقية أهل بيتى . وقد أخبر عنها ( كما في ترجمتها من الإصابة ) إنها من أهل الجنة . وترجم لها ابن حجر في إصابته ، وابن عبد البر في استيعابه وكل من ترجم للصحابة من أهل المعاجم فأثنوا عليها بامتيازها في الدين والعقل وحسن السيرة ، وابنها أيمن استشهد بين يدي رسول الله صلي الله عليه وآله في غزوة خيبر فاحتسبته عند الله صابرة تبتغى الأجر والمثوبة ( منه قدس ) .

شهادة علي وفاطمة وأم أيمن لفاطمة الزهراء : شرح النهج لابن أبى الحديد ج 16 / 214 و 216 و 225 ، فدك للقزويني ص 45 السيرة الحلبية ج 3 / 390 ، معجم البلدان للحموي ج 4 / 239 ، وفاء الوفاء ج 3 999 /و 1000 ، فتوح البلدان للبلاذري ص 44 . كفاية شاهد ويمين : صحيح مسلم ك الاقضية ب - 2 - ج 3 / 1337 ، كنز العمال ج 3 / 23 ح 17786 ( * ) .


- ص 86 -


القرآن في الميزان ( 118 ) وكان مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان ( 119 ) وهو في آية التباهل نفس المصطفى ليس غيره إياها ( 120 ) إذا هو في هذه المحاكمة ممن لا أثر لشهادتهم .

يالها مصيبة في الإسلام تلقيناها بقولنا إنا لله وإنا إليه راجعون .

( 118 ) اشارة لي الحديث المستفيض وقد أخرجه أصحاب الصحاح وغيرهم - حديث الثقلين - أعنى قوله صلي الله عليه وآله إني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي . ولا كلام في ان أمام العترة وسيدها انما هو علي عليه السلام ( منه قدس ) . تقدمت مصادر حديث الثقلين تحت رقم - 15 - فراجع .
( 119 ) اشارة لي قوله صلي الله عليه وآله من حديث أم سلمة إذ قالت : سمعت رسول الله يقول : " علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض . أخرجه الحاكم في باب علي مع القرآن والقرآن مع علي ص 124 من الجزء الثالث من مستدركه وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأورده الذهبي في تلخيصه مصرحا بصحته .

وقد قال رسول الله صلي الله عليه وآله في مرض موته والحجرة غاصة بأصحابه : أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بى وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم الا أنى مخلف فيكم كتاب ربى عزوجل وعترتي أهل بيتي . ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال : هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان . " ( الحديث ) تجده في الفصل 2 من الباب 9 من الصواعق المحرقة ص 75 فراجع ( منه قدس ) .

حديث الثقلين وكون علي مع القرآن والقرآن معه : راجع : المعجم الصغير للطبراني ج 1 / 55 ، المناقب للخوارزمي ص 110 ، كفاية الطالب ص 399 ط الحيدرية وص 254 ط الغرى ، مجمع الزوائد ج 9 / 134 ، الصواعق المحرقة ص 122 و 124 ط المحمدية وص 74 و 75 ط الميمنية ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 173 ، إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص 157 ط السعيدية وص 143 ط العثمانية ، نور الأبصار للشبلنجى ص 73 ط السعدية ، الغدير للأميني ج 3 / 180 ، ينابيع المودة للقندوزي ص 40 و 90 و 185 و 237 و 283 و 285 ط اسلامبول وص 44 و 103 و 219 و 281 و 339 و 342 ط الحيدرية . راجع بقية المصادر فيما تقدم تحت رقم ( 11 ) .

( 120 ) البيت للشيخ كاظم الازري . ديوانه الازرية ، لأجل المزيد من الاطلاع حول فدك يراجع : مقدمة مرآة العقول ج 1 / 151 - 176 .

أبو طالب
04-21-2006, 09:37 PM
المورد ( 9 )
إيذاء الزهراء

وذلك أنه بمجرده مخالف للنصوص الصريحة ، بقطع النظر عما كان من أسبابه ومقتضياته ( 1 ) ، وحسبك منها ما أخرجه ابن أبي عاصم - كما في ترجمة الزهراء من الإصابة - بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لفاطمة عليها السلام : " ان الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك " ( 121 ) .

قلت : وأخرجه الطبراني وغيره بإسناد حسن ، - كما في أحوال الزهراء من الشرف المؤبد للعالم النبهاني البيروتي -

( 1 ) فان المباح في أصل الشرع قد يكون مع استلزامه للحرام حراما وفروض ذلك في الإسلام كثيرة ، وأقربها لما نحن فيه انه يباح لك أن تصاحب من شئت من اخوانك المؤمنين وتتزوج من أردت من غير محارمك فإذا استلزم فعلك هذا عقوق والديك حرم ذلك عليك هذا هو الحكم التكليفي في هذه المسألة ونحوها فتأمل لتفهم ( منه قدس ) .
( 121 ) راجع : الإصابة ج 4 / 366 ، كنز العمال ج 12 / 111 وج 13 / 646 ، المستدرك للحاكم ج 3 / 154 ، جواهر البحار للنبهاني ج 1 / 360 ، فرائد السمطين ج 2 / 46 ح 378 ، مناقب على بن أبى طالب لابن المغازلى ص 351 ح 401 ، أسد الغابة ج 5 / 322 ، تهذيب التهذيب ج 12 / 441 ، ذخائر العقبى ص 39 ، مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 / 52 ، مجمع الزوائد ج 9 / 203 ، فضائل الخمسة ج 3 / 155 ، الغدير ج 3 / 180 ( * ) .


- ص 88 -


وأخرج الشيخان البخاري ومسلم - كما في ترجمة الزهراء من الإصابة وغيرها - عن المسور قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول على المنبر : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويريبني ما رابها " ( 122 ) .

ونقل الشيخ يوسف النبهاني في أحوال الزهراء - من كتابه الشرف المؤبد - عن البخاري بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال : " فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها - قال النبهاني - : وفي رواية فمن أغضبها أغضبني " ( 123 ) ( قال ) وفي الجامع الصغير : " فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها " ( 124 ) .

قلت : وقد قالت - بأبي وأمي - لأبي بكر وعمر ( 1 ) . نشدتكما الله تعالى ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : " رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من

( 122 ) راجع : صحيح البخاري ك النكاح ب ذب الرجل عن ابنته ج 7 / 47 ط مطابع الشعب ، صحيح مسلم ك فضائل الصحابة ب 15 فضائل فاطمة ج 4 / 1902 ط 2 بتحقيق محمد فؤاد ، صحيح الترمذي ك المناقب ب - 61 - فضل فاطمة ج 5 / 698 ح 3867 ، الإصابة ج 4 / 366 ، حلية الأولياء ج 2 / 40 ، سنن ابن ماجة ك النكاح ب 56 الغيرة ج 1 / 644 ح 1998 ، كنز العمال ج 12 / 107 و 112 .
( 123 ) غضب الرسول صلى الله عليه وآله لغضب فاطمة : راجع : صحيح البخاري ك فضائل الصحابة ب مناقب قرابة رسول الله ج 5 / 26 وب مناقب فاطمة ج 5 / 36 ط مطابع الشعب ، الجامع الصغير للمناوي ج 2 / 122 ، الشرف المؤبد للنبهاني .

( 124 ) الجامع الصغير للمناوي ج 2 / 122 ، كنز العمال ج 12 / 108 و 111 ، المستدرك للحاكم ج 3 / 158 . ( 1 ) كما صرح به ابن قتيبة في أوائل كتابه الإمامة والسياسة وغير واحد من إثبات أهل السير والأخبار ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 89 -


سخطي فمن أحب ابنتي فاطمة فقد أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن اسخط فاطمة فقد أسخطني . قالا : نعم سمعناه من رسول الله " ( 125 ) .

قلت : ان من أمعن في هذه الأحاديث فتدبرها ممن يقدر رسول الله صلى الله عليه وآله حق قدره رآها ترمى إلى عصمتها لدلالتها بالالتزام على امتناع وقوع كل من أذيتها وريبتها وسخطها ورضاها وانقباضها وانبساطها في غير محله ، كما هو الشأن في أذية النبي صلى الله عليه وآله وريبته ورضاه وسخطه وانقباضه وانبساطه وهذا هو كنه العصمة وحقيقتها كما لا يخفى .

وأخرج جماعة من أئمتهم كالإمام احمد من حديث أبي هريرة قال ( 1 ) : نظر النبي إلى علي والحسن والحسين وفاطمة ، فقال " أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم " ( 126 ) .

( 125 ) قول فاطمة لأبي بكر وعمر : " نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : رضى فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي فمن أحب ابنتي فاطمة فقد أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني . قالوا : نعم سمعناه من رسول الله . قالت فأني أشهد الله وملائكته انكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي لاشكونكما إليه . . . الخ . راجع : الإمامة والسياسة لابن قتيبة ص 14 ، فدك في التاريخ ص 92 .
( 1 ) كما في ص 442 من الجزء الثاني من مسنده ( منه قدس ) .
( 126 ) راجع : مناقب على بن أبى طالب لابن المغازلي ص 64 ، المستدرك للحاكم ج 3 / 149 ، تلخيص المستدرك للذهبي بذيل المستدرك ، صحيح الترمذي ج 5 / 360 ط بيروت ، سنن ابن ماجة ج 1 / 52 ح 145 ، أسد الغابة ج 3 / 11 وج 5 / 523 ، ذخائر العقبى ص 25 ، الصواعق المحرقة ص 112 ط الميمنية وص 185 ط المحمدية ، مجمع الزوائد ج 9 / 166 و 169 ، كفاية الطالب للكنجي ص 330 و 331 ط الحيدرية وص =>

أبو طالب
04-21-2006, 09:38 PM
- ص 90 -


قلت وأخرجه الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير بالإسناد إلى أبي هريرة أيضا .

وأخرج الترمذي من حديث زيد بن أرقم - كما في ترجمة الزهراء من الإصابة أن رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال : " أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم " ( 127 ) .

وعن أبي بكر قال : رأيت رسول الله خيم خيمة ( 1 ) وهو متكئ على

=> 188 و 189 ط الغرى ، ينابيع المودة للقندوزي ص 35 و 165 و 172 و 194 و 230 و 261 و 294 و 309 و 370 ط اسلامبول ، شواهد التنزيل للحسكاني ج 2 / 27 ، المناقب للخوارزمي ص 91 ، مقتل الحسين للخوارزمي أيضا ج 1 / 61 و 99 ، المعجم الصغير للطبراني ج 2 / 3 ، الفتح الكبير للنبهاني ج 1 / 271 ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 / 92 ، إحقاق الحق ج 9 / 161 - 174 ، كنز العمال ج 13 / 640 الفضائل لأحمد بن حنبل بترجمة الإمام الحسين ضمن مجموعة " الحسين والسنة " ص 10 ح 3 . وسوف يأتي مع مصادر أخرى تحت رقم ( 686 ) .
( 127 ) وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والضياء في مختارته والطبراني وابن شيبة عن زيد بن أرقم أيضا ، ورواه أبو يعلى في السنة ، والضياء في المختارة عن سعد ابن أبى وقاص ونقله جماعة من أعلام الفضل كالإمام علوي في ص 7 من الجزء 2 من قوله الفصل ( منه قدس ) . وراجع : الصواعق المحرقة ص 142 و 185 ط المحمدية وص 85 و 112 ط الميمنية ، الإصابة لابن حجر ج 4 / 378 ط السعادة ، ينابيع المودة ص 229 و 294 و 309 ط اسلامبول ، نظم درر السمطين ص 232 و 239 ، مصابيح السنة للبغوي ج 2 / 280 ، مشكاة المصابيح للعمري ج 3 / 258 ، ذخائر العقبى ص 23 ، الرياض النضرة ج 2 / 249 ط 2 .

( 1 ) لعل هذه الخيمة هي الكساء الذي جللهم به حين أوحى إليه فيهم : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) وقد فصلنا ذلك في الفصل الثاني من المطلب الأول من كلمتنا الغراء في تفضيل الزهراء فليراجعها من أراد الشفاء من كل داء ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 91 -


قوس عربية وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين فقال صلى الله عليه وآله : " معشر الناس أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة حرب لمن حاربهم ، ولي لمن والاهم لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردئ المولد " ( 128 ) .

رواه الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد المصري المعاصر بعين لفظه فليراجع في كتابه عبقرية محمد تحت عنوان النبي والإمام والصحابة .

وأخرج الإمام أحمد ( 1 ) عن عبد الرحمن الأزرق عن علي عليه السلام قال : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا نائم على المنامة فاستسقى الحسن أو الحسين ، قال : فقام النبي صلى الله عليه وآله إلى شاة لنا بكئ ( 2 ) فحلبها فدرت ، فجاءه الحسن فنحاه النبي صلى الله عليه وآله فقالت فاطمة : يا رسول الله كأنه أحبهما إليك . قال : لا ولكنه استسقى قبله ، ثم قال : اني وإياك وهذين وهذا الراقد في مكان واحد يوم القيامة آه ( 129 ) .

( 128 ) راجع : فرائد السمطين ج 2 / 40 ح 373 ، المناقب للخوارزمي ص 211 سمط النجوم ج 2 / 488 ، الرياض النضرة ج 2 / 189 ط 1 ، الغدير للعلامة الأميني ج 4 / 323 .
( 1 ) في ص 101 من الجزء الأول من مسنده ( منه قدس ) .
( 2 ) أي قل لبنها وقيل انقطع وهذا الحديث أشار إليه صاحب لسان العرب في مادة بكا ( منه قدس ) .
( 129 ) كنز العمال ج 13 / 642 ، ترجمة الإمام الحسن من تاريخ دمشق لابن عساكر ص 117 ح 191 و 192 وقريب منه ح 182 ، فرائد السمطين ج 2 / 28 ، مسند أحمد ج 1 / 101 ط 1 وج 2 / 128 ح 792 ، الرياض النضرة ج 2 / 277 ، مجمع الزوائد ج 9 / 169 ، أسد الغابة ج 5 / 269 ، مسند أبى داود الطيالسي ص 29 رقم 190 ، ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق لابن عساكر ص 111 ط 1 ، الإصابة ج 4 / 157 في =>

- ص 92 -


قلت : كان من حقهم على الأمة ولاسيما على أهل الحول والطول منها أن لا يفاجأوا ( أبان رزيتهم الكارثة ) بما فوجئوا به من الاستئثار بمكانتهم في الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله والاستغناء عنهم حتى في المشورة مع شدة الوطأة عليهم في أمر البيعة والتنمر لهم في فيئهم وخمسهم وارثهم ونحلتهم وسوقهم مع سائر الرعايا بعصا واحدة والجرح لما يندمل والنبي لما يقبر . وكان المستولون على الأمة يومئذ ومقوية سلطانهم ابرموا أمرهم على وجه لم يبقوا لأحد من الأمة أن يخالف الا أن تشق عصا المسلمين وبهذا آمنوا من مقاومة علي وأوليائه وتفصيل ذلك كله في كتاب المراجعات فلا يفوتن أهل البحث والتدقيق ( 130 ) .

وكان من مبادئ القائمين بالأمر إذ ذاك شدة الوطأة في تنفيذ الأحكام من غير فرق بين القريب والبعيد والشريف والدنئ وإيثار بيت المال بالوفر والثراء والمساواة بين أهل السوابق وغيرهم في الأحكام . وقد أعانهم على تنفيذ مبادئهم هذه بعدهم عن الطمع والاستكثار من حطام الدنيا وتقشفهم في الحياة واستغناؤهم بالغة لهم ولمن إليهم وبهذا أرضوا العامة فاستتب لهم الأمر .

وحين جد الجد في محاكمة الزهراء كانت بضعة النبي لديهم كسائر النساء لا ينزهن عن الافتراء ( 1 ) .

=> ترجمة أبى فاختة ، وقد ذكره سليم بن قيس الهلالي في كتابه ص 150 ، والشيخ الطوسي في أماليه ج 2 / 206 .
( 130 ) المراجعات ص 337 المراجعة 80 و 82 وراجع سبيل النجاة في تتمة المراجعات ط بيروت .
( 1 ) بل لم تعامل معاملتهن لان المرأة المسلمة التي لا تتنزه عن الافتراء إذا أقامت على دعواها شاهدا واحدا من عدول المسلمين يكتفي منها باليمين عوضا عن الشاهد الثاني ولا ترد دعواها إلا بعد نكولها عن اليمين أما الزهراء فقد شهد لها على ، وكان عليهم أن يستحلفونها فان نكلت ردوا حينئذ دعواها لكنهم أسرعوا في رد الدعوى ولم يطلبوا منها اليمين . على إنها عليها السلام كانت ذات اليد على فدك وذات التصرف فالبينة انما هي على المعارض لها المدعى عليها ، عملا بقوله صلى الله عليه وآله : " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر " الحديث . وهذا من النصوص التي عارضوها بالاجتهاد كما لا يخفى ( منه قدس ) .

أبو طالب
04-21-2006, 10:17 PM
إهداء خاص للأخ الغالي أبو اسكندر...
محبتي لكم جميعاً أخوتي في المنتدى...
الكتاب الرائع والقيم النص والاجتهاد للسيد شرف الدين سيكون بين ايديكم كاملاً بأقرب وقت إن شاء الله..

أبو اسكندر
04-22-2006, 02:27 PM
جازاك الله عني كل خير أخي بكداش
سررتني بإيجاد الكتاب ألا أسرك الله

أبو طالب
04-22-2006, 10:27 PM
المورد ( 10 )
يوم أمر النبي صلى الله عليه وآله الشيخين أبا بكر وعمر كليهما بقتل ذي الثدية لأول مرة صدر منه الأمر بذلك فلم يقتلاه

وذو الثدية هذا هو الخويصرة التميمي ( 1 ) حرقوص بن زهير ذو الثدية رأس المارقة ، أراد رسول الله صلى الله عليه وآله استئصال شأفة عيثه وفساده في الأرض فأمر بقتله ، لكن رياء هذا المارق بتخشعه في صلاته غر الشيخين فكرها قتله وآثرا استحياءه ! .

وحسبك في ذلك ما أخرجه جماعة من أهل السنن والمسانيد من الأئمة وحفظة الآثار ، واللفظ لأبي يعلى في مسنده - كما في ترجمة ذي الثدية من إصابة ابن حجر - عن أنس ، قال : كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله رجل يعجبنا تعبده واجتهاده ، وقد ذكرناه لرسول الله صلى الله عليه وآله باسمه فلم يعرفه ، فوصفناه بصفته فلم يعرفه ، فبينا نحن نذكره إذ طلع الرجل علينا فقلنا : هو هذا . قال :

( 1 ) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة مستدركا على من لم يذكره في الصحابة ، وأورد في ترجمته ما أخرجه البخاري من حديث أبى سعيد قال : بينا رسول الله يقسم ذات يوم قسما ، فقال ذو الخويصرة رجل من بني تميم : يا رسول الله أعدل ، فقال : ويلك من يعدل إذا لم أعدل وأخرجه مسلم أيضا ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 94 -


انكم لتخبروني عن رجل ان في وجهه لسفعة من الشيطان . فأقبل حتى وقف عليهم ولم يسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : أنشدك الله ، هل قلت حين وقفت على المجلس : ما في القوم أحد أفضل مني أو خير مني ؟ قال : اللهم نعم . ثم دخل يصلي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : من يقتل الرجل ؟ قال أبو بكر : أنا . فدخل عليه فوجده يصلي ، فقال : سبحان الله : أقتل رجلا يصلي ؟ وقد نهى رسول الله عن قتل المصلين ؟ فخرج فقال رسول الله : ما فعلت ؟ قال كرهت أن أقتله وهو يصلي وقد نهيت عن قتل المصلين . قال رسول الله : من يقتل الرجل ؟ قال عمر : أنا فدخل فوجده واضعا جبهته ، قال عمر : أبو بكر أفضل مني . فخرج فقال النبي صلى الله عليه وآله : مهيم ؟ قال : وجدته واضعا جبهته لله فكرهت أن أقتله . فقال صلى الله عليه وآله : من يقتل الرجل ؟ فقال علي : أنا . فقال ( ص ) : أنت ان أدركته . فدخل عليه فوجده قد خرج ، قال صلى الله عليه وآله : لو قتل ما اختلف من أمتي رجلان . ( الحديث ) . ( 131 ) .

وأخرجه الحافظ محمد بن موسى الشيرازي في كتابه الذي استخرجه من تفاسير يعقوب ابن سليمان ، ويوسف القطان ، والقاسم بن سلام ، ومقاتل بن حياد ، وعلي بن حرب ، والسدي ، ومجاهد ، وقتادة ، ووكيع ، وابن جريح وغيرهم . وأرسله إرسال المسلمات جماعة من الاثبات كابن عبد ربه الأندلسي عند

( 131 ) أمر الرسول بقتل ذي الثدية : راجع : الإصابة لابن حجر ج 1 / 484 ط السعادة ، حلية الأولياء ج 2 / 317 وج 3 / 227 ، تاريخ ابن كثير ج 7 / 298 ، الغدير ج 7 / 216 ، الطرائف لابن طاووس ج 2 / 429 عن محمد بن مؤمن الشيرازي . ويوجد الحديث عن أبى سعيد الخدري كما في مسند أحمد ج 3 / 15 ط 1 ( * ) .

- ص 95 -


انتهائه إلى القول في أصحاب الأهواء من أواخر الجزء الأول من عقده الفريد ، وقد جاء في آخر ما أورده .

من هذا الحديث ، أن النبي صلى الله عليه وآله قال : هذا أول قرن يطلع في أمتي لو قتلتموه ما اختلف بعده اثنان ، ان بني إسرائيل افترقت اثنتين وسبعين فرقة ، وان هذه الأمة ستفترق ثلاثا وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا فرقة واحدة . ( الحديث ) ( 132 ) .

( 132 ) العقد الفريد ج 2 / 403 - 404 ط 2 وج 1 / 167 ط آخر . والفرقة الناجية هم على وشيعته : راجع : إحقاق الحق للتستري ج 7 / 184 نقله عن : الإلزام للصيمري مخطوط ، السيف اليماني المسلول ص 169 وغيرها

أبو طالب
04-22-2006, 10:32 PM
المورد ( 11 )
يوم أمر النبي صلى الله عليه وآله كلا من الشيخين في المرة الثانية بقتل هذا المارق فكان حالهما في هذه المرة كما كانت في المرة الأولى

وذلك أن فيما حدثني من أثق به في فضله وورعه وتتبعه أن أبا بكر مر بهذا المارق - بعد أن أمر بقتله فكره قتله - فوجده يصلي في بعض الأودية حيث لا يطلع عليه سوى الله تعالى ، فراقه خشوعه وتضرعه ، فحمد الله تعالى على عدم قتله ، وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله شافعا به وذكر له ما رآه من صلاته ضارعا مبتهلا حيث لا يطلع عليه إلا الله عزوجل ، فلم يسمع رسول الله صلى الله عليه وآله شفاعته ، بل أمره على الفور بقتله ، فلما لم يقتله أمر عمر ثم عليا بذلك وشدد عليهم القول بوجوب قتله وقتل أصحابه ، هذا ما حدثني به من أعرفه بالتقصي في البحث والتنقيب ( 1 ) يرسله لي إرسال المسلمات ، وقد فاتني سؤاله عن

( 1 ) هو شيخ المحدثين في عصره وصدوق حملة الآثار شيخنا ومولانا الاورع الميرزا حسين النوري صاحب المستدركات على الوسائل ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 96 -


مصدر حديثه هذا . لكني - ولله الحمد - لم يفتني البحث عنه بنفسي حتى وجدته - والحمد لله - في مسند أحمد ابن حنبل من حديث أبي سعيد الخدري ص 15 من جزئه الثالث . قال : ان أبا بكر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله إني مررت بوادي كذا وكذا فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : اذهب فاقتله .
قال : فذهب إليه أبو بكر فلما رآه على تلك الحال كره أن يقتله ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله .
قال : فقال النبي صلى الله عليه وآله لعمر : اذهب فاقتله . فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر عليها ، قال : فكره أن يقتله .
قال : فرجع فقال : يا رسول الله إني رأيته يصلي متخشعا ، فكرهت أن أقتله .
قال : يا علي اذهب فاقتله .
قال : فذهب علي فلم يره فرجع علي فقال : يا رسول الله انه لم يره .
قال : فقال النبي صلى الله عليه وآله : ان هذا وأصحابه يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه فاقتلوهم هم شر البرية .

[ تنبيه ]

ان من أمعن في حديثي هذا المارق حديث أبى يعلى عن أنس الذي أوردناه في المورد ( 10 ) وحديث الإمام أحمد بن حنبل عن أبي سعيد الذي أوردناه ألان في هذا المورد ، علم ان لهذا المارق من رسول الله صلى الله عليه وآله يومين أمر صلى الله عليه وآله في كل منهما بقتله فلم يقتل ، وذلك ان الحديث الأول - حديث أنس - صريح بأن النبي لم يكن مسبوقا بمعرفة هذا المارق وقد ذكروه ووصفوه له فلم يعرفه ، ولذا لم يأمر به بشئ حتى رآه وعرفه بسفعة من

- ص 97 -


الشيطان بين عينيه وبما هو عليه من العجب بنفسه . وحينئذ أمر بقتله ، وكانت صلاة هذا المارق التي اعجبت الشيخين يومئذ في المسجد بعد صدور الأمر لهما بقتله .

أما حديث الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد فصريح بأن أبا بكر رأى هذا المارق يصلي في بعض الأودية لا في المسجد فأعجبه خشوعه لله تعالى حيث لا يراه سواه عزوجل فأخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك ، فأمره فورا بقتله بدون أن يراه وهذا ليس إلا لأنه كان محكوما عليه من قبل ذلك بالقتل كما لا يخفى ، فالحديثان في واقعتين متعددتين - بلا ريب - قوبل النص فيهما بالاجتهاد .

[ فصل ( 1 ) ]

الخوارج : هم الذين خرجوا عن الدين ، بخروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وقد أنكروا عليه التحكيم الذي اضطروه إليه ، وكانوا ثمانية آلاف أو أكثر ، فاستدعاهم إليه ليذكرهم الله تعالى والدار الآخرة ، وليبين لهم خطأهم فيما رأوه ، ويزيل شبهتهم التي تشبثوا بها ( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) فأبوا ان يأتوه ، وكلفوه بأن يقر بالكفر على نفسه ثم يتوب إلى الله منه .

ولما لم يأتوه أرسل إليهم عبد الله بن العباس فلم يأل جهدا ، ولم يدخر وسعا في الاحتجاج عليهم وتسفيه رأيهم بكل حجة بالغة ، وبيان ناصع ، والقوم مصرون على بغيهم وضلالهم كأن في آذانهم وقرا وعلى قلوبهم أكنة ( 133 ) .

( 1 ) ترك " السيد " رحمه الله هذا الفصل كما جاء في الطبعة الأولى ( النهج ) .
( 133 ) سورة العنكبوت : 41 محاورة عبد الله بن عباس للخوارج توجد في : الرياض النضرة ج 2 / 240 ط 1 ، الخصائص للنسائي ص 48 ط مصر . ( * )

- ص 98 -


وقد اجمعوا على تكفير كل من لا يرى رأيهم من المسلمين ، وأباحوا دمه وماله وأهله ، وثاروا على المسلمين يقتلون من مر بهم كائنا من كان ، فكان ممن قتلوه عبد الله بن الخباب بن الأرت التميمي ، وبقروا بطن زوجته وهي حامل متم ( 134 ) .

واستفحل شرهم ، فأتاهم أمير المؤمنين ناصحا لله تعالى ولكتابه ولرسوله وللمسلمين عامة ولهم خاصة ، فاعذر إلى الله تعالى فيما أوضحه لهم من الخطأ في خروجهم عليه وفيما احتج به عليهم مما يوجب رجوعهم إليه ، وفيما انذرهم به إذا أصروا على البغي من سوء العاقبة في الدنيا بقتلهم ، وفي الآخرة بمصيرهم إلى النار وبئس القرار .

ولكنهم أصروا على بغيهم لا يفيئون إلى شئ من أمر الله عزوجل على شاكلة من قوم نوح ( جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ) وبذلك قتلهم أمير المؤمنين ( 1 ) ولم ينج منهم عشرة ، ولم يقتل ممن كان معه عليه السلام عشرة وكان قد أخبرهم بذلك أثناء احتجاجه عليهم فلم يرعووا .

ثم انضم إلى هذا النفر اليسير - الذي لم يقتل من الخوارج - جماعة آخرون من أهل الضلال يرون رأيهم في التحكيم ، والخروج على الولاة ، فلما ولي عبد الله بن الزبير ظهر منهم جماعة في العراق مع نافع بن الأزرق ،

( 134 ) مقتل ابن الخباب على أيدي الخوارج : راجع : أسد الغابة ج 3 / 150 ، الإصابة ج 2 / 294 .
( 1 ) عملا بأوامر الكتاب والسنة : أما الكتاب فقوله عز من قائل : ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) وقوله عز سلطانه : ( إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ ) الآية وحسبك من أوامر السنة ما سأتلوه عليك في الأصل ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 99 -


وظهر باليمامة جماعة منهم آخرون مع نجدة بن عامر الحروري ، وزاد نجدة على مذهبهم ان من لم يخرج معهم لمحاربة المسلمين فهو كافر ، وتوسعوا حتى أبطلوا رجم المحصن ، وأوجبوا قطع يد السارق من الابط .

وفرضوا الصلاة على الحائض حال حيضها . إلى كثير من مبتدعاتهم التي ليس هذا محل ذكرها . وان منهم إلى الآن لبقية من شراذم الفساد ، في أنحاء من البلاد ، مر بهم في عمان ( 1 ) ابن بطوطة الرحالة في سياحته التي كانت في القرن الثامن للهجرة وذكرهم في الجزء الأول من رحلته ( 2 ) .

فقال : " هم أباضية المذهب ، ويصلون الجمعة ظهرا أربعا ، فإذا فرغوا قرأ الإمام آيات من القرآن ، ونثر كلاما شبه الخطبة يرضى فيه عن أبي بكر وعمر ويسكت عن عثمان وعلي ، وإذا أرادوا ذكر علي كنوا عنه : بالرجل ، ويرضون عن الشقي اللعين ابن ملجم ويقولون فيه العبد الصالح مع الفتنة قال : ونساؤهم يكثرون الفساد ، ولا غيرة عندهم ولا إنكار لذلك .

( قال ) : وكنت يوما عند سلطانهم أبى محمد بن نبهان وهو من قبيلة الأزد فأتته امرأة صغيرة السن حسنة الصورة بادية الوجه فوقفت بين يديه وقالت له : يا أبا محمد طغى الشيطان في رأسي . فقال لها : اذهبي واطردي الشيطان فقالت له : لا أستطيع وأنا في جوارك . فقال اذهبي فافعلي ما شئت فذكر لي لما انصرفت عنه : أن هذه ومن فعل فعلها تكون في جوار السلطان وتذهب للفساد ، ولا يقدر أبوها ولا ذوو قرابتها أن يغيروا عليها ، وان قتلوها قتلوا بها لانها في جوار

( 1 ) عمان سلطنة صغيرة واقعة في الجنوب الشرقي من بلاد العرب تمتد على ساحل بحر العرب والخليج الفارسي . سلطانها اليوم سعيد بن تيمور ( منه قدس ) .
( 2 ) ص 172 والتي بعدها ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 100 -


السلطان " انتهى كلامه بعين لفظه . قلت : صدق الله عزوجل وبلغ رسوله صلى الله عليه وآله إذ قال : " لا يبغضك يا علي إلا ابن زنا أو ابن حيضة أو منافق " ( 135 ) .
[ قتل الخوارج ]

جاء في قتل الخوارج نصوص متضافرة ، ولا سيما من طريق العترة الطاهرة ( 136 ) .

وحسبك من طريق غيرهم ، قول رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث ( 1 ) وصفهم فيه فقال : " يقرأون القرآن ، لا يجاوز تراقيهم ، يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام ، كما يمرق السهم من الرمية ، لئن أدركتهم لاقتلنهم قتل عاد " ( 137 ) .

وفي حديث آخر ( 2 ) قال صلى الله عليه وآله : " لئن أدركتهم لاقتلنهم قتل ثمود " ( 138 ) .

( 135 ) سورة نوح : 7 . راجع : ينابيع المودة للقندوزي ص 252 ، إحقاق الحق للتستري ج 7 / 222 نقله عن المناقب المرتضوية ص 203 ، الغدير للأميني ج 4 / 322 .
( 136 ) البحار ، كشف الغمة ج 1 / 264 .
( 1 ) أخرجه مسلم عن أبى سعيد الخدري في باب ذكر الخوارج وصفاتهم ص 393 من الجزء الأول من صحيحه ( منه قدس ) .
( 137 ) صحيح مسلم ك الزكاة ب 47 ذكر الخوارج وصفاتهم ج 2 / 741 .
( 2 ) أخرجه مسلم من طريقين عن أبى سعيد في ص 394 من الجزء الأول من صحيحه في باب ذكر الخوارج أيضا ( منه قدس ) .
( 138 ) صحيح مسلم ك الزكاة ب 47 ذكر الخوارج ج 2 / 742 ، كنز العمال ج 11 / 308 ( * ) .

- ص 101 -


وقال صلى الله عليه وآله في وصفهم من حديث ثالث ( 1 ) : " إنهم أحداث الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول البرية ، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم ، فان في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة " ( 139 ) إلى كثير من أمثال هذه الصحاح الواردة في التحريض على قتلهم ، وحسبك في دلالتها على كفرهم ، ان قتلهم كقتل عاد وثمود .

[ الخوارج شر الخلق والخليقة ]

الأخبار في ان الخوارج شر الخلق والخليقة متواترة من طريق العترة الطاهرة ، وحسبك من طريق غيرهم ما أخرجه مسلم ( 2 ) عن أبي ذر ورافع بن عمر الغفاريين عن رسول الله صلى الله عليه وآله إذ قال : " أن بعدي من أمتي ، أو سيكون بعدي من أمتي قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم ( 3 ) يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه ، هم شر الخلق والخليقة " آه . ( 140 ) .

( 1 ) أخرجه مسلم عن على عليه السلام في باب التحريض على قتل الخوارج ص 396 من الجزء الأول من صحيحه ( منه قدس ) .
( 139 ) صحيح مسلم ب 48 التحريض على قتل الخوارج ج 2 / 746 ، كنز العمال ج 11 / 204 و 206 .
( 2 ) في باب الخوارج شر الخلق والخليقة ص 398 من الجزء الأول من صحيحه ( منه قدس ) .
( 3 ) أي لا تفهمه قلوبهم ، ولا ينتفعون بما يتلونه منه ، ولا لهم حظ سوى تقطيع حروفه في حلاقيمهم حين تلاوته ، فقلوبهم غلف قد ران عليها ما يكسبون لا ينفذ إليها شئ من نور القرآن لا تقبل لهم تلاوة ولا يصعد لهم عمل ( منه قدس ) .
( 140 ) صحيح مسلم ك الزكاة ب 49 الخوارج شر الخلق والخليقة ج 2 / 750 ، كنز العمال ج 11 / 205 و 307 . ( * ) .

أبو طالب
04-22-2006, 10:41 PM
- ص 102 -


وفي صحيح مسلم أيضا بالإسناد إلى أبي سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه وآله ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس ، سيماهم التحالق . قال : " هم شر الخلق ، أو من أشر الخلق ، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق قال : فضرب النبي صلى الله عليه وآله مثلا : الرجل يرمي الرمية . أو قال : الغرض فينظر في النصل فلا يرى بصيرة ، وينظر في النضي فلا يرى بصيرة ، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة " ( 1 ) الحديث ( 141 ) .

وفي مسند الإمام أحمد من حديث عن أبي برزة من طريقين ( 2 ) إليه ، ان رسول الله صلى الله عليه وآله وصف الخوارج فقال : " يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يرجعون فيه ، سيماهم التحليق ، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال ، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم ، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم ، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم ، هم شر الخلق والخليقة ، هم شر الخلق والخليقة ، هم شر الخلق والخليقة " ( 142 ) .

قلت : إذا كانوا شر الخلق والخليقة ، أو من أشرهم ، لا تكون عبدة الاوثان ولا منكروا الاديان شرا منهم ، وكفى بهذا حجة على كفرهم .

( 1 ) الحديث راجعه في باب ذكر الخوارج وصفاتهم ص 395 من جزئه الأول . وأخرجه الإمام أحمد من حديث أبى سعيد أيضا في ص 5 من الجزء الثالث من مسنده ( منه قدس ) .
( 141 ) صحيح مسلم ك الزكاة ب 47 ذكر الخوارج وصفتهم ج 2 / 745 .
( 2 ) أحدهما في آخر ص 424 والتي بعدها . وثانيهما في أول ص 422 من الجزء الرابع من مسنده ( منه قدس ) .
( 142 ) كنز العمال ج 11 / 305 و 306 ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 / 433 ( * ) .

- ص 103 -


[ مروق الخوارج من الدين وأخباره صلى الله عليه وآله عنهم بالمغيبات ]

تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله نصوص صريحة بمروق الخوارج من الدين وحسبنا منها - مضافا إلى ما سمعته آنفا - ما أخرجه أصحاب الصحاح بأسانيدهم الصحيحة ، وطرقهم الكثيرة ، وحيث لا يسعنا استقصاؤها في هذا الإملاء ، فلنكتف بما أخرجه الشيخان في صحيحيهما بالاسناد إلى أبي سعيد الخدري ( 1 ) واللفظ للبخاري .

قال : " بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة ( 2 ) وهو رجل من بني تميم . قال : " يا رسول الله اعدل " . فقال رسول الله : " ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل وقد خبت وخسرت ان لم أكن أعدل " فقال عمر : " ائذن لي فأضرب عنقه ( 3 ) " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " دعه فان له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يقرؤون

( 1 ) أما البخاري فقد أخرجه في باب علامات النبوة في الإسلام من كتاب بدء الخلق ص 184 من الجزء الثاني من صحيحه ، وفى مواضع أخر من الصحيح ، وأما مسلم فقد أخرجه في باب ذكر الخوارج وصفاتهم ص 393 وما بعدها من الجزء الأول من صحيحه ( منه قدس ) .
( 2 ) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون الياء وكسر الصاد ، واسمه حرقوص ابن زهير ( منه قدس ) .
( 3 ) ليته ضرب عنقه حين أمر بذلك ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 104 -


القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين ( 1 ) كما يمرق السهم من الرمية ( 2 ) ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ ( 3 ) ثم ، ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ ، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شئ ، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شئ ، قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة ، أو مثل البضعة تدردر ( 4 ) . ويخرجون على حين ( 5 ) فرقة من الناس

قال أبو سعيد : فأشهد إني سمعت هذا الحديث من رسول الله ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه ، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت

( 1 ) أي يخرجون من دين الإسلام وهذه الكلمة من الأدلة على كفر الخوارج وعليه إجماع الإمامية واليه ذهب جماعة من أعلام الجمهور كالخطاب والقاضي أبى بكر ابن العربي في شرح الترمذي لقوله صلى الله عليه وآله - كما في صحيح مسلم - " يمرقون من الإسلام " ( منه قدس ) .
( 2 ) الرمية كفعيلة بمعنى مفعولة هي الصيد المرمى ، والمروق سرعة نفوذ السهم من الرمية حتى يخرج من الطرف الأخر ومنه مروق البرق لخروجه بسرعة ، شبه صلى الله عليه وآله مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد فيدخل فيه ويخرج منه ، ولشدة سرعة خروجه لقوة ساعد الرامي لا يعلق على السهم يمرقون من الإسلام ( منه قدس ) .
( 3 ) ينظر بالبناء للمفعول والنصل حديدة السهم . أي لا يوجد فيها شئ ما من الصيد مطلقا لا دم ولا غيره ( منه قدس ) .
( 4 ) تدردر فعل مضارع أصلها تتدردر حذفت إحدى التاءين تخفيفا - أي تتحرك وتذهب وتجئ ( منه قدس ) .
( 5 ) قال النووي في تعليقه على هذا الحديث ص 86 من الجزء السادس من شرح صحيح مسلم : ضبطوه في الصحيح بوجهين أحدهما : على حين فرقة بحاء مهملة ثم ياء بعد نون . وثانيهما على خير فرقة بخاء معجمة مفتوحة بعدها ياء ثم راء . قلت : هذا هو المأثور الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله والمراد بخير فرقة على وأصحابه كما لا يخفى ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 105 -


إليه على نعت النبي صلى الله عليه وآله الذي نعته " ( 143 ) .

والأخبار عن الخوارج بهذا ونحوه - من أفعالهم وصفاتهم الخلقية والخلقية - متواترة من طريقنا عن العترة الطاهرة ، متضافرة من طريق الجمهور عن رسول الله صلى الله عليه وآله - فلتراجع في مضانها من حديث الفريقين ( 144 ) وانها لمن أعلام النبوة وآيات الإسلام لما فيها من أنباء الغيب التي ظهرت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله للناس كفلق الصبح ، إذ رأي الناس مروق هؤلاء من الإسلام بخروجهم على الإمام ( 3 ) وكان خروجهم على افتراق من الناس ( 4 ) وقد قتلوا

( 143 ) تجد هذا الحديث عن أبى سعيد في مسند أحمد فراجعه ص 56 من الجزء الثالث من مسنده ( منه قدس ) .
أخبار النبي صلى الله عليه وآله بالمارقين وصفاتهم : راجع صحيح البخاري ك بدء الخلق ب علامات النبوة في الإسلام ج 4 / 243 ط مطابع الشعب ، صحيح مسلم ك الزكاة ب 47 ذكر الخوارج ج 2 / 744 ، مسند أحمد ج 3 / 56 و 65 ، خصائص النسائي ص 43 و 44 ط التقدم ، المناقب للخوارزمي ص 182 ، أسد الغابة ج 2 / 140 ، الأنوار المحمدية ص 487 ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 / 432 و 433 ، كنز العمال ج 11 / 202 و 307 .
( 144 ) ولاسيما الصحاح الستة وغيرها من المسانيد التي هي مدار الجمهور في علمهم وعملهم ( منه قدس ) .
صفات الخوارج : من طريق الجمهور فراجع : كنز العمال ج 11 / 198 - 208 و 286 - 323 ، إحقاق الحق للتستري ج 8 / 475 - 522 ، المناقب للخوارزمي ص 182 - 185 .
( 3 ) كما أخبر به النبي عنهم إذا قال صلى الله عليه وآله : " يخرجون على خير " فرقة بكسر الفاء - يعنى عليا وأصحابه - ( منه قدس ) .
( 4 ) كما أخبر به صلى الله عليه وآله إذ قال : " يخرجون على حين فرقة " بضم الفاء وكان خروجهم =>


- ص 106 -


وكان قاتلهم إمام الحق ( 145 ) وكانوا في بقية شؤونهم كما أخبر عنهم ، يقتلون أهل الإيمان ، ويدعون عبدة الأوثان ، ويتشددون في الدين في غير موضع التشدد ، يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم .

لان قلوبهم غلف قد ران عليها مروقهم من الدين ، فلا ينفذ إليها شئ من نور القرآن يبالغون في الصلاة والصيام لكنهم لا يقيمون حقوق الإسلام ، لمروقهم منه غير متأثرين بشئ من هداه ، مروق السهم من الرمية ، يسبق الفرث والدم .

وقد ظهرت للناظرين آيتهم الخاصة بهم ، رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدى المرأة ، أو مثل البضعة تدردر كما أخبر صلى الله عليه وآله ، وقد تضمنت أخباره عن هذه المارقة بقاء الأمة بعده ، وبقاء الشوكة والطول لها ، على خلاف ما أرجف المرجفون ، وكل ذلك علم بالغيب ، والله تعالى يقول ( فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ) ( 2 ).

ولنختم ما عنينا به من شؤون هذه المارقة بحديث أخرجه الطبراني في الأوسط ( 3 ) عن جندب ( 4 ) .

=> في صفين والناس فئتان ، أحداهما مع على عليه السلام ، وأخرى باغية مع معاوية ( منه قدس ) .
( 145 ) كما أخبر به أذ قال صلى الله عليه وآله " يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق " وقال في حديث آخر أخرجه مسلم عن أبى سعيد : " يقتلهم أولى الطائفتين بالحق " ( منه قدس ) .
( 2 ) سورة الجن آية : 26 و 27 .
الإمام أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام طبق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله من أمر الخوارج : راجع صحيح مسلم ك الزكاة ب 47 ج 2 / 745 و 746 ، كنز العمال ج 11 / 310 و 314 ذخائر العقبى ص 110 . ( 3 ) كما في ص 71 من الجزء السادس من كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال وهو الحديث 1179 ( منه قدس ) .
( 4 ) هو جندب بن زهير بن الحارث بن كثير بن سبع بن مالك الأزدي الغامدي =>

- ص 107 -


قال : لما فارقت الخوارج عليا خرج في طلبهم وخرجنا معه ، فانتهينا إلى عسكر القوم . فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن وإذا فيهم من أصحاب النقبات ، وأصحاب البرانس ، فلما رأيتهم دخلني من ذلك شدة ، فتنحيت فركزت رمحي ، ونزلت عن فرسي ، ونزعت برنسي ، فنشرت عليه درعي ، وأخذت بمقود فرسي ، فقمت أصلي إلى رمحي وأنا أقول : اللهم ان كان قتال هؤلاء القوم لك طاعة فأذن لي فيه ، وان كان معصية فأرني براءك .

فبينا أنا كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب فلما دنا مني قال : تعوذ بالله يا جندب من شر السخط ، فجئت أسعى إليه ، ونزل فقام يصلي ، وإذا برجل أقبل .

فقال : يا أمير المؤمنين ألك حاجة في القوم ؟ قال : وما ذاك ؟ قال : قطعوا النهر فذهبوا . قال : ما قطعوه . قال : سبحان الله ! ثم جاء آخر فقال : قد قطعوا النهر فذهبوا .

=> كان من أصحاب أمير المؤمنين وخاصة أوليائه ، وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في القسم الأول من إصابته . على أن في صحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله خلافا ، لكنه لا كلام في كونه من كبار التابعين ورؤسائهم وزهادهم شهد مع أمير المؤمنين حروبه أيام الجمل وصفين والنهروان وكان في صفين على الرجالة .
وعن أبى دريد في أماليه بسنده إلى أبى عبيدة عن يونس قال : كان عبدالله بن الزبير اصطفنا يوم الجمل فخرج علينا صالح فقال : يا معشر فتيان قريش أحذركم رجلين جندب ابن زهير والأشتر ، فإنكم لا تقومون لسيوفهما قلت : جندب بن زهير هذا غير جندب الذي قتل الساحر بين يدي الوليد بن عقبة ، فان قاتل الساحر جندب بن كعب العبدي قتل بصفين مع على عليه السلام نص على ذلك الزبير بن بكار في كتابه الموفقيات ، وهو المنقول عن ابن الكلبي وغيره ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 108 -


قال : ما قطعوه . قال : سبحان الله . ثم جاء آخر فقال : قد قطعوا النهر فذهبوا . قال علي : ما قطعوه ولا يقطعونه وليقتلن دونه عهد من الله ورسوله . ثم ركب فقال لي : يا جندب إني باعث إليهم رجلا يدعوهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ، فلا يقبل عليهم بوجهه حتى يرشقوه بالنبل ، يا جندب : انه لا يقتل منا عشرة ولا ينجو منهم عشرة .

ثم قال : من يأخذ هذا المصحف فيمشي به إلى هؤلاء القوم فيدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه وهو مقتول وله الجنة ، فأجابه شاب من بني عامر بن صعصعة فخرج الشاب بالمصحف إلى القوم . فلما دنا منهم نشبوه . فقال علي : دونكم القوم . قال جندب : فقتلت بكفي هذه ثمانية قبل أن أصلي الظهر ، وما قتل منا عشرة ، وما نجا منهم عشرة كما قال علي " ( 146 ) والحمد لله .

( 146 ) ظهور الحق لجندب بعد أن اطلع على حقائق الخوارج : راجع : كنز العمال ج 11 / 289 ، مجمع الزوائد ج 6 / 242 .

أبو طالب
04-23-2006, 10:56 PM
ص 109


المورد - ( 12 ) -
[ قتال المتريثين في النزول على أمر أبي بكر في أمر الزكاة لارتيابهم في ولايته عن رسول الله صلى الله عليه وآله لا في افتراضها عليهم . ]

وكان أبو بكر ( 147 ) قد جمع الصحابة يستشيرهم في قتال هؤلاء فكان رأي عمر بن الخطاب وطائفة من المسلمين معه أن لا يقاتلوا قوما يؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وأن يستعينوا بهم على عدوهم .

ولعل أصحاب هذا الرأي كانوا أكثر الحاضرين في حين كان الذين أشاروا بالقتال هم القلة ، وأغلب الظن ان المجادلة بين القوم في هذا الأمر البالغ الخطر طالت واحتدمت أيما احتدام فقد اضطر أبو بكر أن يتدخل بنفسه فيها يؤيد القلة ، ولقد اشتد في تأييد رأيه في ذلك المقام . يدل على ذلك قوله : " والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لقاتلهم على منعه " ( 148 )

ولم يثن هذا المقال عمر عن أن يرى ما في القتال من تعريض المسلمين لخطر تخشى مغبته ، فقال في شئ من الحدة : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله ، فمن قالها عصم منى ماله ودمه الا بحقها وحسابهم على الله " ! ( 149 ) .

لكن أبا بكر لم يتريث ولم يتردد في إجابة عمر فقال : " والله لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فان الزكاة حق المال " وقد قال : " الا بحقها " ( 150 ) .

قلت : عفى الله عن أبي بكر ما أراد أن يكون كالضارب بهذا النص عرض الجدار فحمله بلباقة على ما تقتضيه سياسته مما كان عازما عليه من القتال . وإلا فان المؤمنين بالله ورسوله ممن قوتلوا يومئذ وقتلوا ، فلم يكن منهم من يفرق

( 147 ) فيما رواه الثقات الإثبات من حفظة الآثار فراجع الفصل الخامس أو ص 104 من كتاب الصديق للأستاذ الكبير المتتبع هيكل ( منه قد ) .
( 148 ) صحيح مسلم ك الإيمان ب 8 ج 1 / 51 .
( 149 ) راجع : صحيح مسلم ك الإيمان ب 8 ج 1 / 51 ، سنن ابن ماجة ك الفتن ب 1 ج 2 / 1295 ، خصائص النسائي ص ، سنن البيهقي ج 8 / 19 و 196 ، الغدير للأميني ج 7 / 163 .
( 150 ) نفس المصادر السابقة .

- ص 110 -


بين الصلاة والزكاة في شئ ، وإنما كانوا متريثين في النزول على حكمه في الزكاة وغيرها ، إذ لم تكن نيابته عن رسول الله صلى الله عليه وآله في الحكم حينئذ ثابتة لديهم لشبهة دخلت عليهم ( 1 ) اضطرتهم إلى الارتياب فيها ، فكانوا معذورين في تريثهم بل مأجورين به ( 151 ) .

وقد أدوا بتريثهم هذا أموالهم وحق زكاتها ، فان من حقهما أن لا ينزلوا في كل منهما إلا على حكم الله ورسوله أو حكم من تثبت له الولاية عليهم من قبل الله ورسوله صلى الله عليه واله وسلم .

ولو بلغ أبا بكر عذرهم هذا ، لعده حجة عليه في إمهالهم يتريثون ، لكن أنى لهؤلاء المظلومين حينئذ بأبي بكر لينصفهم .
وأنت ترى صحاح السنن المتوالية ( 152 ) صريحة بعصمة دماء هؤلاء المؤمنين وأمثالهم وانها على كثرتها بين عام ومطلق وليس ثمة من مخصص لعامها ومقيد لمطلقها ليتشبث به المبيح لقتالهم وقتلهم .
( 1 ) كما سنوضحه فيما بعد إنشاء تعالى ( منه قدس ) .
( 151 ) وذلك بناءا على ان المنقاد إلى أمر الله تعالى أو برجاء المطلوبية يكون مستحقا للثواب كالمطيع لأمره سبحانه لان العلة فيهما واحدة وان اختلفت في المصادفة وعدمه كما ذكر وحقق في أصول الفقه . ( 152 )
مصادر الأحاديث في حقن دماء المؤمنين : كما تقدم تحت رقم - 149 - وراجع أيضا الغدير ج 7 / 163 ، الفصول المهمة لشرف الدين ص 11 - 17 ط 5 ، صحيح البخاري ك الديات ب 6 ج 9 / 6 ط مطابع الشعب ، صحيح مسلم ك القسامة ب 6 ج 3 / 1302 ح 25 و 26 ط بيروت بتحقيق محمد فؤاد عبدا لباقي ، صحيح الترمذي ك الحدود ب 15 ج 4 / 49 ح 1444 ، مسند أحمد بن حنبل ج 1 / 61 و 63 و 65 و 70 و 163 و 382 و 428 و 444 و 465 وج 6 / 181 و 214 ط 1 ، سنن أبى داود ك الحدود ب 1 ، سنن الدرامي ك السير ب 11 ، سنن ابن ماجة ك الحدود ب 1 ج 2 / 847 ح 2533 و 2534 ، كنز العمال ج 15 / 148 ( * ) .

- ص 111 -


أما ما ذكره أبو بكر من كون الزكاة حق المال فليس من التخصيص والتقييد في شئ إذ لا يستفاد منه أكثر من وجوبها على المكلفين بها ، وان لولي الأمر القائم مقام رسول الله صلى الله عليه وآله أن يطالبهم بها ويأخذها منهم فان امتنعوا عن دفعها إليه طائعين أخذها منهم مرغمين بقوته القاهرة لهم مجردة عن القتال .

أما قتالهم عليها فمعارض لحقن دمائهم المنصوص على عصمتها في صحاح عامة تأبى التخصيص بمجرد ما ظنه أبو بكر مخصصا كما بيناه .

واليك منها ما تجده في باب فضائل علي من صحيح مسلم ( 1 ) من حديث جاء فيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين أعطاه الراية يوم خيبر قال له : " امش ولا تلتفت وأنه مشى شيئا ثم وقف ولم يلتفت ، فصرخ : يا رسول الله ، على ماذا أقاتل الناس ؟ قال صلى الله عليه وآله : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله . فان فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " ( 153 ) .

وفي صحيحي البخاري ومسلم بالإسناد إلى أسامة بن زيد قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت

( 1 ) ص 324 من جزئه الثاني ( منه قدس ) .
( 153 ) راجع : صحيح مسلم ك فضائل الصحابة ب 4 من فضائل على بن أبى طالب ج 4 / 1871 ح 33 ، مسند أحمد بن حنبل ج 2 / 384 ، مسند أبى داود الطيالسي ص 320 ، الخصائص للنسائي ص ، مناقب على بن أبى طالب لابن المغازلي ص 186 ، تذكرة الخواص للسبط بن الجوزي ص 28 ط العلمية ، ذخائر العقبى ص 73 ، كنز العمال ج 10 / 468 وج 13 / 116 ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 / 44 ، ينابيع المودة للقندوزي ص 49 ط اسلامبول ، إحقاق الحق للتستري ج 5 / 384 - 390 .

- ص 112 -


أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال : لا اله إلا الله ، فكف الأنصاري عنه فطعنته برمحي ، فلما قدمنا بلغ النبي ذلك فقال : يا أسامة أقتلته بعدما قال لا اله إلا الله . قلت : كان متعوذا . فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم " ( 154 ) .

قلت : ما تمنى ذلك حتى ظن ان جميع ما عمله قبل هذه الواقعة من إيمان وصلاة وزكاة وصوم وصحبة وجهاد وغيرها لا يمحو عنه هذه السيئة وأن أعماله الصالحة بأجمعها قد حبطت بها ، ولا يخفي ما في كلامه من الدلالة على انه كان يخشى أن لا يغفر له بعدها ، ولذا تمنى تأخر إسلامه عنه ، ليكون داخلا في حكم قوله صلى الله عليه وآله : " الإسلام يجب ما قبله " . وناهيك بها حجة على احترام أهل لا اله إلا الله وعصمة دمائهم .

وأخرج البخاري في باب بعث علي وخالد إلى اليمن من صحيحه ان رجلا قام فقال : يا رسول الله اتق الله . فقال صلى الله عليه وآله : ويلك ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ؟ ! . فقال خالد : يا رسول الله ألا اضرب عنقه ؟ قال صلى الله عليه وآله : لا ، لعله أن يكون يصلي " ( 155 ) .

( 154 ) عدم رضا النبي صلى الله عليه وآله لما قتل أسامة رجلا قال لا اله إلا الله : راجع : صحيح البخاري ك المغازي ب 45 ج 5 / 183 وك الديات ب 2 ج 9 / 4 ط مطابع الشعب ، صحيح مسلم ك الإيمان ب 41 ح 159 ج 1 / 97 تحقيق محمد فؤاد ، مسند أحمد بن حنبل ج 5 / 200 ، أسد الغابة ج 1 / 65 .
( 155 ) وهذا الحديث أخرجه أحمد من مسند أبى سعيد الخدري في ص 4 من الجزء الثالث من مسنده . ومثله ما نقله العسقلاني في ترجمة سرحوق المنافق في الإصابة من أنه أتى به ليقتل قال رسول الله : هل يصلى ؟ قالوا : إذا رآه الناس . قال صلى الله عليه وآله : " إني نهيت عن قتل المصلين . وكذلك ما أخرجه الذهبي في ترجمة عامر بن عبد الله بن يسار =>

- ص 113 -


وفي الصحيحين بالإسناد إلى ابن عمر قال : قال النبي " ص " وهو بمنى وقد أشار إلى الكعبة : " أتدرون أي بلد هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : ان هذا بلد حرام ، أتدرون أي يوم هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال انه يوم حرام . أتدرون أي شهر هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : شهر حرام ، وان الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا " ( 156 ) .

والصحاح وغيرها من كتب المسانيد مشحونة بهذه السنن ومضمونها مما

=> من ميزانه عن أنس قال : ذكر عند النبي رجل فقيل ذلك كهف المنافقين فلما أكثروا فيه رخص لهم في قتله ثم قال : هل يصلى ؟ قالوا : نعم صلاة لا خير فيها قال صلى الله عليه وآله : إني نهيت عن قتل المصلين . قلت : ليت خالد بن الوليد احترم صلاة مالك بن نويرة ، فانتهى بها عن قتله ، وقد شهد له عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري ان مالكا صلى صلاة الصبح معهم يوم قتله ، لكنه افتتن بعرس مالك كما قال معاصره أبو زهير السعدي :

قضى خالد بغيا عليه بعرسه= وكان له فيها هوى قبل ذلك

( الأبيات ) ( منه قدس ) . وراجع : صحيح البخاري ك المغازي ب 59 ج 5 / 207 ط مطابع الشعب ، الفصول المهمة لشرف الدين ص 14 ط 5 .

( 156 ) راجع : صحيح البخاري ك الحج ب 132 ج 2 / 216 وك العلم ب 9 ج 1 / 26 وك الأضاحي ب 5 ج 7 / 129 وك الحدود ب 9 ج 8 / 198 ط مطابع الشعب ، صحيح مسلم ك القسامة ب 8 ج 3 / 1305 ح 29 و 30 ، صحيح الترمذي ك الفتن ب 2 ج 4 / 461 ح 2159 وك التفسير ب 10 ج 5 / 273 ح 3087 ، سنن ابن ماجة ك المناسك ب 76 ج 2 / 1015 ح 3055 و 3057 و 3058 وب 84 ح 3074 وك الفتن ب 2 ج 2 / 1297 ح 3931 ، مسند أحمد ج 1 / 230 وج 3 / 80 و 313 و 371 وج 4 / 76 و 305 و 337 وج 5 / 30 و 37 و 39 و 40 و 49 و 68 و 72 و 411 و 412 ط 1 ، سنن أبى داود ك المناسك ب 56 ، سنن الدرامي ك المناسك ب 31 ( * ) .


- ص 114 -


لا ريب فيه للمسلمين ( 157 ) .

وبها لا يحل قتال المسلم بمجرد تريثه في دفع الزكاة إلى الإمام ، ولا سيما إذا كان تريثه عن شبهة اضطرته إلى الريب في إمامته كما كان هو الشأن في بعض القبائل يوم لحق رسول الله صلى الله عليه وآله بالرفيق الأعلى ، فاحتدمت الفتنة يومئذ واستطار شرها في آفاق العرب ، وارتد عن الإسلام كثير منهم ( 158 ) .

واختلف المهاجرون والأنصار في أمر الخلافة ، فكان كل منهما على رأيين وربما كان الأنصار على ثلاثة آراء ( 159 ) ، وبويع أبو بكر أثناء هذه الشرور فكانت بيعته - كما قيل - فلتة وقى الله المسلمين شرها ( 160 ) .

( 157 ) سنن ابن ماجة ك الفتن ب 2 ج 2 / 1297 - 1298 ، كنز العمال ج 15 / 146 ، الفصول المهمة لشرف الدين ص 11 - 17 ط 5 .
( 158 ) راجع كتب التاريخ والسير : المختصر لأبي الفداء ج 1 / 155 و 157 .
( 159 ) عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 / ، وشرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 2 / 24 ط مصر بتحقيق أبو الفضل .
( 160 ) قال أبو بكر في أوائل خلافته : " ان بيعتي كانت فلتة ، وقى الله شرها وخشيت الفتنة . . . " راجع : شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 132 وج 2 / 19 ط 1 بمصر وج 1 / 311 ط مكتبة دار الحياة وج 2 / 50 وج 6 / 47 ط مصر بتحقيق أبو الفضل وج 1 / 154 ط دار الفكر ، أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 / 590 ط مصر .
وقال عمر بن الخطاب : " . ان بيعة أبى بكر فلتة وقى الله شرها . . " راجع : صحيح البخاري ك الحدود ب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت ج 8 / 26 ط دار الفكر وج 8 / 210 ط مطابع الشعب وج 8 / 208 ط محمد على صبيح وج 4 / 179 ط دار إحياء الكتب وج 4 / 119 ط المعاهد وج 4 / 125 ط الشرفية وج 8 / 140 ط الفجالة وج 8 / 8 ط بمبى وج 4 / 128 ط الخيرية ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد =>


- ص 115 -


فكان من الطبيعي يومئذ أن يقع الريب في صحة البيعة وانعقاد الإجماع عليها والحال هذه ( 161 ) .

=> ج 1 / 123 و 124 ط 1 بمصر وج 2 / 23 و 26 و 29 ط مصر بتحقيق أبو الفضل وج 1 / 292 ط مكتبة دار الحياة وج 1 / 144 ط دار الفكر ، السيرة النبوية لابن هشام ج 4 / 226 ط دار الجيل وج 4 / 338 ط آخر ، النهاية لابن الأثير ج 3 / 466 ، تاريخ الطبري ج 3 / 205 ، الكامل لابن الأثير ج 2 / 327 ، الصواعق المحرقة ص 5 و 8 ط الميمنية وص 8 و 12 ط المحمدية ، تاج العروس ج 1 / 568 ، لسان العرب ج 2 / 371 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 67 ، السيرة الحلبية ج 3 / 360 و 363 ، مسند أحمد ج 6 / 55 ، أنساب الأشراف للبلاذري ج 5 / 15 ، تيسير الوصول ج 2 / 42 و 44 ، الرياض النضرة ج 1 / 161 ، تمام المتون للصفدي ص 137 . ولأجل المزيد من المصادر راجع : سبيل النجاة في تتمة المراجعات ص 254 تحت رقم ( 826 ) .
وقال عمر مرة اخرى : " ان بيعة أبى بكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه . . " . راجع : شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 123 ط 1 وج 2 / 26 بتحقيق أبو الفضل ، الصواعق المحرقة ص 21 ط الميمنية وص 34 ط المحمدية ، الملل والنحل ج 1 / 22 ط دار المعرفة .

( 161 ) بل لا إجماع فانه قد تخلف عن بيعة أبى بكر كثير من كبار الصحابة وأهل الحل والعقد : 1 - أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام . 2 - العباس بن عبد المطلب 3 - عتبة بن أبى لهب 4 - سلمان الفارسي 5 - أبو ذر الغفاري 6 - عمار بن ياسر 7 - المقداد 8 - البراء بن عازب 9 - أبى بن كعب 10 - سعد بن أبى وقاص 11 - طلحة بن عبيد الله 12 - الزبير بن العوام 13 - خزيمة بن ثابت 14 - فروة بن عمر الأنصاري 15 - خالد بن سعيد بن العاص الأموي 16 - سعد بن عبادة الأنصاري لم يبايع حتى توفى =>


- ص 116 -


بل كان الحال ابانئذ أفظع مما ذكرناه وأدعى إلى الارتياب والاضطراب . وإذا لا جناح على أولئك المرتابين في خلافة الصديق من المؤمنين إذا لم ينزلوا على حكمه في أمر الزكاة وغيرها حتى يحصل لهم العلم بقيامه شرعا مقام رسول الله في أوامره ونواهيه صلى الله عليه وآله .

=> بالشام في أيام خلافة عمر . 17 - الفضل بن العباس . وجماعة من بنى هاشم وغيرهم . راجع : العقد الفريد ج 4 / 259 ، عبدالله بن سبأ للعسكري ج 1 / 105 ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 131 ط 1 ، الغدير للأميني ج 5 / 370 ، مروج الذهب ج 2 / 301 أسد الغابة ج 3 / 222 ، تاريخ الطبري ج 3 / 208 ، الكامل لابن الأثير ج 2 / 325 و 331 تاريخ اليعقوبي ج 2 / 103 و 105 ، سمط النجوم العوالي ج 2 / 244 ، السيرة الحلبية ج 3 / 356 ، المختصر لأبي الفداء ج 1 / 156 .

أبو طالب
04-23-2006, 11:12 PM
المورد - ( 13 ) -
[ : يوم البطاح ، أو يوم مالك بن نويرة وقومه من خالد ]

وذلك ان القيادة العامة كانت يومئذ لخالد بن الوليد ، فكان يأمر بما يشاء ويحكم فيها بما يريد ، لم يقتصر يومئذ على قتل المؤمنين صبرا بل تجاوز ذلك إلى المثلة وسبي المسلمات واستباحة ما حرم الله تعالى من الأموال والفروج وتعطيل الحدود الشرعية في أحداث ما أظن ان لها نظيرا في الجأهلية ( 162 ) .

[ من هو مالك ؟ ]

هو مالك بن نويرة بن حمزة بن شداد بن عبد بن ثعلبة بن يربوع التميمي

( 162 ) الغدير للأميني ج 7 / 158 وغيره ممن تحدث عن هذه الواقعة . ( * )

- ص 117 -


اليربوعي هامة الشرف في بني تميم وعرنين المجد في بني يربوع من علية العرب وممن تضرب الأمثال بفتوته نجدة وكرما وحفيظة وشجاعة وبطولة بكل معانيها ، وهو من أرداف الملوك ، أسلم وأسلم بنو يربوع بإسلامه وولاه رسول الله صلى الله عليه وآله على صدقات قومه ثقة به واعتمادا عليه ( 163 ) .

[ جرم مالك وموقفه ]

إنما كان جرمه تريثه في النزول على حكم أبي بكر في أمر الزكاة وغيرها باحثا عن تكليفه الشرعي في ذلك ليقوم به على ما شرع الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله . أما موقفه فلم يكن عن ارتياب ولا عن شق عصا ولا ابتغاء فتنة ولا أرادة قتال ، وإنما فوجئ بهذه الغارة عليه من خالد في مستهل خلافة أبي بكر حيث كان الخلاف محتدما بين السابقين الأولين في أمر الخلافة ( 164 ) .

فأهل البيت وأولياؤهم كانوا فيها على رأى ( 165 ) .
وأبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم وأتباعهم على رأي آخر . ( 166 )
وكذلك الأنصار ( الَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ ) حتى غلب نقيبهم سعد بن

( 163 ) أسد الغابة ج 4 / 295 ، عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 / 145 ، الإصابة لابن حجر ج 3 / 336 .
( 164 ) عبد الله بن سبأ ج 1 / 90 - 100 ، تاريخ الطبري ج 3 / 264 .
( 165 ) عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 / 90 و 103 - 120 ، الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج 1 / 4 وراجع ما تقدم تحت رقم ( 161 ) .
( 166 ) عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 / 93 - 98 ، تاريخ الطبري ج 3 / 201 و 202 و 302 ( * ) .

- ص 118 -


عبادة على أمره فاعتزلهم واعتزل أمرهم يحلف بالله انه لو وجد أعوانا عليهم لقاتلهم ثم لم تجمعه جمعتهم ولم يفض بافاضتهم حتى مات في حوران ( 167 ) .

إلى كوارث أخر حول البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه أعني البيوت التي قال الله عزوجل في حقها : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ) ( 168 ) وحول وديعة رسول الله وزهرائه وحول ارثها ونحلتها وخمسها ومجابهتها إياهم بكل حجة بالغة إلى غير ذلك من الأمور التي أنذر بها القرآن الحكيم .

فكان من الطبيعي لمثل مالك في عقله ونبله ومكانته في قومه ان يتربص - والحال هذه - في النزول على حكم من يظهر في المدينة ويقهر خصومه على الخلافة حتى يتبين له انه انما قهرهم بالحق وظهر عليهم باجتماعهم عليه بعد ذلك التنازع ، وبهذا لا بسواه تريث مالك في دفع الزكاة باحثا عمن تبرأ ذمته بدفعها إليه .

فكان عليهم أن يمهلوه مدة تسع البحث عن هذه الحقيقة الغامضة في تلك الأوقات ولا يعاجلوه مفاجئيه بتلك النكبات فانه لم يكن ممن أنكر الزكاة ولا ممن فرق بينها وبين الصلاة ولا ممن استحل قتال أبي بكر أو غيره من المسلمين .

هذه هي الحقيقة في موقف مالك وأصحابه ، يدل على ذلك نصحه لقومه في تثبيته إياهم على الإسلام وعدم المناوأة لخالد وأمره إياهم بالتفرق لئلا يصطدموا بجيشه الناهد إلى بطاحهم ونهيه إياهم عن الاجتماع في مكان ما

( 167 ) عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 / 92 - 93 ، تاريخ الطبري ج 3 / 218 - 223 .
( 168 ) سورة الأحزاب آية : 53 ( * ) .

- ص 119 -


لئلا يظن أحد بأنهم معسكرون ( 169 ) .

[ زحف خالد إلى البطاح ]

لما فرغ خالد من أسد وغطفان ازمع على المسير إلى البطاح يلقي فيها مالك بن نويرة وقومه ، وكان مالك أخلى له البطاح ، وفرق قومه لما بيناه من عزمه على السلام احتياطا منه على الإسلام في تلك الأيام . فلما عرف الأنصار عزم خالد على المسير إلى مالك ، توقفوا عن المسير معه وقالوا : " ما هذا بعهد الخليفة إلينا إنما عهده ان نحن فرغنا من البزاخة واستبرأنا بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا " .

فأجابهم خالد : " انه ان لم يكن عهد إليكم بهذا فقد عهد إلي أن أمضي وأنا الأمير والي تنتهي الأخبار ، ولو انه لم يأتني كتاب ولا أمر ، ثم رأيت فرصة ان أعلمته بها فأتتني لم أعلمه حتى انتهزها ، وكذلك إذا ابتلينا بأمر لم يعهد لنا فيه لم ندع أن نرى أفضل ما يحضرنا ثم نعمل به ، وهذا مالك بن نويرة بحيالنا وأنا قاصد له بمن معي " ( 1 ) .

ثم سار ومن معه يقصد البطاح ،

( 169 ) نص على ذلك كله الأستاذ هيكل في كتابه " الصديق أبو بكر " فراجع منه ما هو تحت عنوان مالك ينصح لقومه ص 144 . وقال الأستاذ العقاد في عبقرية خالد سطر 14 ص 121 حيث ذكر موقف مالك : انه ليس موقف عناد وتحفز لقتال . لكن العقاد أخطأ في أبيات لمالك إذ حملها على غير معناها المتبادر منها إلى الأذهان كما لا يخفى على من أمعن بها ( منه قدس ) . وراجع : الغدير للأميني ج 7 / 158 - 168 ، عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 / 145 - 149 .
( 1 ) ذكر هذه المحاورة ( بألفاظها ) بينه وبين من كان في جيشه من الأنصار كل من هيكل في كتابه " الصديق أبو بكر " ص 143 والتي بعدها ، والعقاد في آخر ص 267 =>

- ص 120 -


فلما بلغوها لم يجدوا فيها أحدا ( 170 ) .

[ مجيؤهم بمالك في نفر من قومه وقتلهم صبرا ]

فلما لم يجدوا فيها أحدا أرسل خالد سراياه في أثرهم فجاءته بمالك بن

=> من عبقرية عمر وغيرهما من أهل الأخبار وقد استفاضت بينهم فلتراجع . وترى كلام الأنصاري في هذه المحاورة صريحا بأن الخليفة لم يعهد إليهم بالزحف على مالك ، لكن خالدا أدعى العهد من الخليفة إليه خاصة وبناءا على هذا فالخليفة قد استعمل اللياقة والحيلة في أن لا يكون مسؤولا من الناس عن جرائم يوم البطاح ، وانما يكون المسؤول عنها خالدا وحينئذ يحفظه معتذرا بأنه تأول فأخطأ ، وهذه الواقعة تدل على تعمقه في السياسة إلى أبعد حد ( منه قدس ) .
( 170 ) كلمة أهل السير والأخبار كافة متفقة على أن خالدا حين احتل البطاح بجيشه لم يجد فيها أحدا من أهلها ، وان مالكا قد فرق قومه من قبل في ديارهم قائلا لهم إياكم والمناواة وناصحا لهم بالبقاء على الإسلام وأن يبقوا متفرقين حتى يلم الله هذا الشعث ، فراجع من كتاب الصديق أبو بكر ص 144 وغيره من مظان هذا الأمر ( منه قدس ) .

من مختلقات ( سيف بن عمر التميمي ) في ارتداد مالك بن نويرة : هذه الرواية موجودة في تاريخ الطبري ج 3 / 276 وفى سند هذه ( سيف بن عمر ) وهو من الرواة الوضاعين وقد حاول في قصة مالك بن نويرة أن يصوره مرتدا عن الإسلام ويختلق المعاذير لجناية خالد فقد اختلق هذا الرجل روايات وحرف أخرى في سبيل التوصل لرغباته الدنيئة ولأجل معرفة الروايات المتخلقة التي رواها سيف في قصة مالك والروايات الأخرى التي رواها غيره راجع : كتاب عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 / 145 - 155 ط بيروت ، فسوف تجد الحقيقة سالمة .

ولأجل المزيد من الاطلاع على حياة ( سيف بن عمر ) ومعرفة حقيقته ومختلقاته من الروايات والحوادث والاسانيد والبلدان وغيرها . راجع : كتاب عبد الله بن سبأ للسيد مرتضى العسكري ج 1 وج 2 ط بيروت ، وكتاب خمسون ومائة صحأبي مختلق القسم الأول والثاني ط بيروت . ( * )


- ص 121 -


نويرة في نفر من بني يربوع فحبسهم ، ثم كان ما كان من أمرهم مما سنأتي على طرف منه بكل حسرة وأسف فانا لله وانا إليه راجعون .

وقد روى الطبري بسنده إلى أبي قتادة الأنصاري وكان من رؤساء تلك السرايا أنه كان يحدث ، أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل ، فأخذ القوم السلاح ( قال أبو قتادة ) فقلنا : انا المسلمون . ( قال ) : فقالوا ونحن المسلمون . قلنا : ما بال السلاح معكم ؟ قالوا لنا : فما بال السلاح معكم ؟ فقلنا : فان كنتم كما تقولون فضعوا السلاح ، ثم صلينا وصلوا . آه ( 171 ) .

قلت : وبعد الصلاة خفوا إلى الاستيلاء على أسلحتهم وشد وثاقهم وسوقهم أسرى إلى خالد وفيهم زوجة مالك ليلى بنت المنهال أم تميم ، وكانت كما نص عليه أهل الأخبار ( واللفظ للأستاذ عباس محمود العقاد في عبقرية خالد ) من أشهر نساء العرب بالجمال ، ولا سيما جمال العينين والساقين قال : يقال أنه لم ير أجمل من عينيها ولا ساقيها . ففتنت خالدا وقد تجاول في الكلام مع مالك وهي إلى جنبه ، فكان مما قاله خالد : اني قاتلك . قال له مالك : أو بذلك أمرك صاحبك ؟ ( يعني أبا بكر ) . قال : والله لأقتلك . وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري إذ ذاك حاضرين ، فكلما خالدا في أمره ، فكره كلامهما . فقال مالك : يا خالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا فقد بعثت إليه غيرنا ممن جرمه أكبر من جرمنا ، وألح عبد الله بن عمر وأبو قتادة

( 171 ) الخدعة بمالك بن نويرة : تاريخ الطبري ج 3 / 280 وهذه الرواية من الروايات التي لم يروها ( سيف المختلق ) ، عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1481 الغدير ج 7 / 159 ( * ) .

- ص 122 -


على خالد بأن يبعثهم إلى الخليفة فأبى عليهما ذلك . وقال خالد : لا أقالني الله ان لم أقتله . وتقدم إلى ضرار بن الازور الأسدي بضرب عنقه . فالتفت مالك إلى زوجته ، وقال لخالد : هذه التي قتلتني . فقال له خالد : بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام . فقال له مالك : إني على الإسلام . فقال خالد : يا ضرار اضرب عنقه . فضرب عنقه ( 1 ) وقبض خالد على زوجته فبنى بها في تلك الليلة ( 172 ) . وفي ذلك يقول أبو زهير السعدي :


ألا قل لحي أوطئوا بالسنابك =تطاول هذا الليل من بعد مالك
قضى خالد بغيا عليه لعرسه = وكان له فيها هوى قبل ذلك
فأمضى هواه خالد غير عاطف= عنان الهوى عنها ولا متمالك
وأصبح ذا أهل وأصبح مالك= على غير شئ هالكا في الهوالك
فمن لليتامى والأرامل بعده ؟ =ومن للرجال المعدمين الصعالك ؟
أصيبت تميم غثها وسمينها= بفارسها المرجو سحب الحوالك ( 173 )

( 1 ) وجعل رأسه أثفية لقدر كما في ترجمة وثيمة بن الفرات من وفيات الأعيان ( منه قدس ) .
( 172 ) أبو قتادة الأنصاري وعبد الله بن عمر يعترضان على خالد في قتله مالك وكان السبب في قتل مالك هو جمال زوجته الذي كان مطمعا لخالد . راجع : تاريخ أبى الفداء ج 1 / 158 ، وفيات الأعيان ترجمة وثيمة ج 6 / 14 ، فوات الوفيات ج 2 / ، عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 / 147 ، تاريخ اليعقوبي ، تاريخ ابن الشحنة هامش الكامل ج 11 / 114 ، الغدير للأميني ج 7 / 160 .
( 173 ) تاريخ أبى الفداء ج 1 / 158 ، وفيات الأعيان ج 6 / 15 ، تاريخ ابن الشحنة هامش الكامل ج 11 / 114 ، عبد الله بن سبأ ج 1 / 148 ، الغدير للأميني ج 7 / 160 ( * ) .

- ص 123 -


وكان خالد قد أمر بحبس تلك السراة الأسرى من قوم مالك ، فحبسوا والبرد شديد فنادى مناديه في ليلة مظلمة أن أدفئوا أسراكم وهي في لغة كنانة كناية عن القتل فقتلوهم بأجمعهم .

وكان قد عهد إلى الجلادين من جنده ، أن يقتلوهم عند سماعهم هذا النداء ، وتلك حيلة منه توصل بها إلى أن لا يكون مسئوولا عن هذه الجناية ، لكنها لم تخف على أبي قتادة وأمثاله من أهل البصائر وانما خفيت على رعاع الناس وسوادهم بقوة الساسة والسياسة .

هذه هي الحقيقة الواقعة بين خالد ومالك وقومه يلمسها من ممحصي الحقائق كل من أمعن فيما سجلته كتب السير والأخبار عن يوم البطاح وسائر ما إليه . فلا يصدنك عنها ما تجده هناك من أقوال أخر متناقضة كل التناقض نسجتها الأغراض الشخصية والتزلف إلى ولي الأمر يومئذ والقائد العام لجيوشه تصحيحا لأعمالهم ( 174 ) .

وقد أعطينا الإمعان فيها حقه ، فلم نر منها إلا الدلالة على تضييع الحقيقة إخلاصا في الحب لخالد والدفاع عنه والله على ما يقول وكيل .

أبو طالب
04-23-2006, 11:21 PM
[ ثورة أبى قتادة وعمر بن الخطاب ]

قال الأستاذ هيكل في كتابه " الصديق أبو بكر ( 1 ) " : ان أبا قتادة الأنصاري

( 174 ) وأكثر هذه الروايات ان لم يك كلها قد أختلقها ( سيف بن عمر ) الزنديق المعروف بالكذب والوضع . راجع ترجمته في كتاب : عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 / 61 - 64 ، خمسون ومائة صحأبي مختلق ج 1 وج 2 .
( 1 ) ص 147 والتي بعدها ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 124 -


غضب لفعلة خالد إذ قتل مالكا وتزوج امرأته فتركه منصرفا إلى المدينة مقسما أن لا يكون أبدا في لواء عليه خالد ، وان متمم بن نويرة أخا مالك ذهب معه ، فلما بلغا المدينة ذهب أبو قتادة ولا يزال الغضب آخذا منه مأخذه فلقي أبا بكر فقص عليه أمر خالد ، وقتله مالكا وزواجه من ليلى ، وأضاف أنه أقسم أن لا يكون أبدا في لواء عليه خالد .

قال : لكن أبا بكر كان معجبا بخالد وانتصاراته ، ولم يعجبه أبو قتادة ، بل أنكر منه أن يقول في سيف الإسلام ما يقوله ! قال هيكل : أترى الأنصاري - يعني أبا قتادة - هاله غضب الخليفة فأسكته .

ثم قال : كلا فقد كانت ثورته على خالد عنيفة كل العنف لذلك ذهب إلى عمر ابن الخطاب فقص عليه القصة ، وصور له خالدا في صورة الرجل الذي يغلب هواه على واجبه ، ويستهين بأمر الله ارضاء لنفسه .

قال : وأقره عمر على رأيه وشاركه في الطعن على خالد والنيل منه ، وذهب عمر إلى أبي بكر وقد أثارته فعلة خالد أيما ثورة ، وطلب إليه أن يعزله ، وقال ان سيف خالد رهقا ( 1 ) وحق عليه أن يقيده ولم يكن أبو بكر يقيد من عماله ( 2 ) ، لذلك قال حين ألح عمر عليه غير مرة : هبه يا عمر ، تأول فأخطأ ، فارفع لسانك عن خالد .

ولم يكتف عمر بهذا الجواب ، ولم يكف عن المطالبة بتنفيذ رأيه فلما ضاق أبو بكر ذرعا بالحاح عمر ، قال : لا يا عمر ما كنت لاشيم ( 3 ) سيفا سله الله على الكافرين .

قال هيكل : لكن عمر كان يرى صنيع خالدا نكرا فلم تطب نفسه ولم

( 1 ) الرهق السفه والخفة وركوب الشر والظلم وغشيان المحارم ( منه قدس ) .
( 2 ) وهذا من اجتهاده مقابل النص فان الله تعالى يقول : " وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ " ( الآية ) ( منه قدس ) .
( 3 ) أشيم : أغمد والشيم يستعمل في كل من السل والاغماد ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 125 -


يسترح ضميره . " كيف اذن يسكت يذر في طمأنينته يشعر كأنه لم يأثم ولم يجن ذنبا " قال : لابد أن يعيد القول على أبي بكر ، وأن يذكر له في صراحة ان عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ونزا على امرأته فليس من الإنصاف في شئ أن لا يؤاخذ بصنيعه .

قال : ولم يسع أبا بكر إزاء ثورة عمر إلا أن يستقدم خالدا ليسأله ما صنع .

قال : وأقبل خالد من الميدان إلى المدينة ، ودخل المسجد في عدة الحرب مرتديا قباءا له ، صدأ الحديد ، وقد غرز في عمامته أسهما ، وقام إليه عمر إذ رآه يخطو في المسجد ، فنزع الأسهم من رأسه وحطمها وهو يقول : قتلت امرؤا مسلما ثم نزوت على امرأته ، والله لارجمنك بالأحجار ( 175 ) .

قال : وأمسك خالد فلم يعتذر ودخل على أبي بكر فقص عليه قصة مالك وتردده ، وجعل يلتمس المعاذير فعذره أبو بكر وتجاوز عما كان منه في الحرب ، لكنه عنفه على الزواج من امرأة لم يجف دم زوجها ، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وترى الاتصال بهن عارا أي عار .

قلت : والإسلام يحرم نكاح المتوفي عنها زوجها حتى تعتد فان نكحت

( 175 ) أبو قتادة وعمر يغضبان من فعل خالد بمالك : راجع : عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 / 146 - 149 ، تاريخ اليعقوبي ج 2 / 110 ، تاريخ أبى الفداء ج 1 / 158 ، الطبري ج 3 / 280 ، الإصابة ج 3 / 336 .
أبو قتادة وعبد الله بن عمر يشهدان لمالك بالإسلام : راجع : تاريخ الطبري ج 3 / 280 ، عبد الله بن سبأ ج 1 / 146 ، كنز العمال ج 3 / 132 ط 1 ، وفيات الأعيان لابن خلكان ج 5 / 66 ، فوات الوفيات ج 2 / 627 ، تاريخ ابن شحنة بهامش الكامل ج 11 / 114 ( * ) .


- ص 126 -


وبنى بها الناكح وهي في العدة حرمت عليه مؤبدا ، ولو فرضنا ان خالدا اعتبرها سبية ، فالسبية لا يحل وطؤها إلا بعد الاستبراء الشرعي ، ولا استبراء هنا وانما قتل زوجها ووطئها في تلك الحال .

قال هيكل : على ان عمر لم يتزحزح عن رأيه فيما صنع خالد ، فلما توفي أبو بكر وبويع عمر خليفة له ، كان أول ما صنع أن أرسل إلى الشام ينعي أبا بكر ، وبعث مع البريد الذي حمل النعي رسالة يعزل بها خالدا عن امارة الجيش .

قال الأستاذ هيكل : إجماع المؤرخين منعقد على أن عمر بقي متأثرا برأيه في موقف خالد من مقتل مالك بن نويرة وزواجه امرأته وان هذا الرأي له أثره من بعد في عزل خالد .

[ عجب وأي عجب ]

ان من أعجب الأمور وأغربها ، أن تذهب في عهد أبي بكر ، تلك الدماء . وهاتيك الأعراض والأموال هدرا ، وأن تستباح تلك الحرمات ، وتعطل حدودها الشرعية ، حتى يعزل خالد عن تلك الأمرة ، ولم ينقص شئ من صلاحياتها الواسعة ، واستمر ماضيا فيها غلوائه حتى توفي الخليفة ، فعزله الخليفة الثاني بمجرد تبوئه الخلافة . وان رأي أبي بكر في الجناة يوم البطاح ، لمن أوائل الآراء المخالفة لنصوص الكتاب والسنة ، قدم رأيه في المصلحة على التعبد بها ( 176 ) .

( 176 ) ولأجل المزيد من الاطلاع على ذلك راجع : الغدير للأميني ج 7 / 158 - 169 ، مقدمة مرآة العقول ج 1 / 64 ( * ) .

- ص 127 -


[ بيان الرأي ]

مثل الأستاذ هيكل " في كتابه الصديق " رأي أبي بكر وحجته فيه قال : أما أبو بكر ، فكان يرى الموقف ، أخطر من أن يقام فيه لمثل هذه الأمور وزن ( 1 ) قال : وما قتل رجل ، أو طائفة من الرجال ، لخطأ في التأويل أو لغير خطأ ، والخطر محيط بالدولة كلها ، والثورة ناشبة في بلاد العرب من أقصاها إلى أقصاها ( 2 ) .

قال : وهذا القائد الذي يتهم بأنه أخطأ ( 3 ) من أعظم القوى التي يدفع

( 1 ) لا تخفى المبالغة في هذه الكلمة ، على ان الموقف كان خطرا ، وخطرا إلى الغاية ، لكن لا يترك الميسور فيه تبعا للمعسور ، وكان الميسور يومئذ في أقل الفروض ، عزل خالد وتولية غيره من الأكفاء كعمر أو أبى عبيدة أو معاذ بن جبل أو سعد أو غيرهم وتأجيل محاكمة خالد إلى أول أزمنة الامكان والحكم عليه حينئذ بما تقتضيه النصوص الشرعية ( منه قدس ) .
( 2 ) وهذا الكلام لا يخلو من المبالغة أيضا ، وقوله فيه لخطأ في التأويل أو غير خطأ ، لا يخلو من تخليط وتغليط فان إسلام مالك إذ قتله خالد ، مما لا يرتاب فيه ، خالد ولا أبو بكر ، وان البناء بزوجة مالك ، وهى في العدة ، لمما يستوجب الرجم بإجماع المسلمين ، وهذا هو الذي تأهب له عمر لو قدر عليه ، ولا يخفى ما في قوله : وما قتل رجل أو طائفة ، من الاستخفاف بالقتل ، والله تعالى يقول : " ومن قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا " " وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا " ( الآية ) " وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا " ( منه قدس ) .
( 3 ) لم يكن خالد في الواقع الا قاتل نفس حرم الله قتلها ، وناكح فرج حرم الله نكاحه طلب هذا الحرام فلم يخطئه ، بل أصابه مصرا عليه حتى إلى ما بعد أن نهاه الخليفة ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 128 -


بها البلاء ويتقي بها الخطر ( 1 ) .

قال : وما التزوج من امرأة على خلاف تقاليد العرب ، بل ما الدخول بها قبل أن يتم إذا وقع ذلك من فاتح غزا فحق له بحكم الغزو أن تكون له سبايا يصحبن ملك يمينه ( 2 ) .

قال : فان التزمنا في تطبيق التشريع ، لا يجب أن يتناول النوابغ والعظماء من أمثال خالد ( 3 )

قال : وبخاصة إذا كان ذلك يضر بالدولة أو يعرضها للخطر ( 4 ) .

( 1 ) كان من الامكان أن يستبدل بمن يسد فراغه ، ويقوم مقامه ، كواحد ممن ذكرناهم ( منه قدس ) .
( 2 ) هذا الكلام وسابقه ولاحقه ، مما أربا بأستاذنا الكبير هيكل عنه ، فضلا عن أبى بكر الصديق ، وما أظن بالأستاذ انه ممن يستخف بالفروج فيقول : وما التزوج من امرأة إلى آخر كلامه . ولا أظنه يبيح لكل فاتح غزا ما قد أباحه في هذه العبارة لخالد . فانه ممن لا يخفى عليهم ، ان هذا انما قد يباح للغازي المسلم إذا فتح بلاد المحاربين للمسلمين الكافرين برب العالمين ، ولم يكن مالك وقومه إلا من المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة يوقنون ، وانما تريث مستهل خلافة أبى بكر في النزول على حكمه حتى يتجلى له الحق فيها ( منه قدس ) .
( 3 ) صدور هذه الكلمة من أمثال استاذنا هيكل عجيب غريب . وما عشت أراك الدهر عجبا ، وأن تعجب فعجب قول هيكل بلسان أبى بكر الصديق ان الحدود الشرعية لا يجب أن تتناول النوابغ من أمثال خالد ، وانه ليعلم ان الله عزوجل ، خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدا حبشيا والنار خلقها لمن عصاه ولو كان سيدا قرشيا . وان ليس بين الله وبين أحد من خلقه هوادة فيحأبيه ، والناس كلهم عنده سواء ، فالعزيز ذليل حتى يؤخذ الحق منه ، ويقام الحد عليه ، والذليل عزيز حتى يؤخذ له بحقه ( منه قدس ) .
( 4 ) إذا كان في إقامة الحدود الشرعية تعريض الخطر ، وجب تأجيل إقامتها حتى يزول الخطر ، لكن لم نر الخليفة مؤجلا إقامتها ولا منتظرا في سبيل ذلك زوال الخطر =>


- ص 129 -


قال : ولقد كان المسلمون في حاجة إلى سيف خالد ، وكانوا في حاجة إليه يوم استدعاه أبو بكر وعنفه ، أكثر من حاجتهم إليه من قبل ، فقد كان مسيلمة باليمامة ، على مقربة من البطاح ، في أربعين ألفا من بني حنيفة ، وكانت ثورته في الإسلام والمسلمين أعنف ثورة ( 1 ) فمن أجل مقتل مالك بن نويرة أم من أجل ليلى الجميلة التي فتنت خالدا ، وتتعرض جيوش المسلمين لتغلب مسيلمة عليها ( 2 ) ؟

ويتعرض دين الله لما يمكن أن يتعرض له ، ان خالدا آية الله ، وسيفه سيف الله ، فلتكن سياسة أبي بكر حين استدعاه إليه أن يكتفي بتعنيفه ( 3 ) وأن يأمره في الوقت نفسه بالمسير إلى اليمامة ولقاء مسيلمة ( 177 ) .

قال هيكل : ولعل أبو بكر انما أصدر أمره إلى خالد يومئذ بالمسير للقاء مسيلمة ، ليرى أهل المدينة " ومن كان على رأي عمر منهم خاصة " . ان خالدا

=> ليقيمها ، وانما كان عافيا عن تلك الخطايا ، غافرا لتلك الجنايات ، راضيا كل الرضا من أولئك الجناة ( منه قدس ) .
( 1 ) تكرر هذا المعنى من الأستاذ . وتكرر الجواب منا عنه والآن نعود فنقول : كان في الامكان استبداله . بقائد ممن هم أمثاله ولو فرض انحصار الأمر به فهل تبطل حدود الله بذلك ؟ كلا بل تؤجل ، وإذا فما الوجه في تعطيلها بالمرة ، حتى كأن لم يكن هناك جناة ولم تكن جنايات ! ( منه قدس ) .
( 2 ) نعم يعزل ويقتل فورا بحكم الله عزوجل على القاتل بالقتل والزاني المحصن بالرجم فإذا كان في تعجيل إقامة الحد عليه خطر ، تؤجل الحدود إلى أن يزول الخطر ولا يجوز إلغاؤها إجماعا وقولا واحدا ( منه قدس ) .
( 3 ) لكن الله عزوجل لم يكتف بذلك ، والنصوص صريحة بالقتل والرجم . لكن أبا بكر الصديق تأولها فقدم في مقام العمل رأيه عليها وبهذا كانت من موارد موضوعنا " الاجتهاد مقابل النص " ( منه قدس ) .
( 177 ) ولأجل معرفة بطلان هذه الأراجيف راجع : الغدير للأميني ج 7 / 161 - 169 ( * ) .

أبو طالب
04-23-2006, 11:27 PM
- ص 130 -


رجل الملمات ، وانه قذف به " حين أصدر إليه هذا الأمر " إلى جحيم اما يبتلعه ويقضي عليه ، فيكون ذلك خير عقاب له على ما صنع بأم تميم ليلى وزوجها مالك ( 1 ) وأما يصهره النصر فيه ويطهره ( 2 ) فيخرج مظفرا غانما قد سكن من المسلمين روعا لا تعد فعلته بالبطاح شيئا مذكورا إلى جانيه . قال : وقد صهرت اليمامة خالدا وطهرته ( 3 ) وان تزوج في أعقابها بنتا كما فعل مع ليلى ولما تجف دماء المسلمين ، ولا دماء أتباع مسيلمة ، ولقد عنفه أبو بكر على فعلته هذه ، بأشد مما عنفه على فعلته مع ليلى ( 4 ) . . إلى آخر كلامه ( 5 ) .

( 1 ) انظر معي وامعن فيما يقوله هذا الأستاذ الكبير بلسان الصديق ، فهل تراهما يجهلان ان عقاب المحصن إذا زنى واجب على الحاكم الشرعي ، وان عقابه انما هو الرجم خاصة ، لا القاؤه في جحيم اليمامة أو غيرها ، وانه لا تصهره ولا تطهره اليمامة وأهوالها ، وانما تطهره التوبة والعمل الصالح بدليل قوله في سورة الفرقان " الا من تاب وآمن وعمل صالحا " ( منه قدس ) .
( 2 ) انما يصهر المذنبين ويطهرهم ، الرجوع إلى الله تعالى ، بالإنابة والتوبة والندم والعمل الصالح مخلصين لله تعالى وحده بذلك ( منه قدس ) .
( 3 ) انا لنربأ بالأستاذ عن مثل هذه الأساليب فإنها بالحرص أشبه ، وقد ثبت الحسد والقود على خالد ، فاليمامة وجحيمها لا ينسخان الحكم المبرم في كتاب الله عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله فان تعذر التعجيل في إقامة الحد وجب على الحاكم تنفيذه في أول أزمنة الامكان ( منه قدس ) .
( 4 ) لعل هذه البنت كانت ذات بعل فنزا عليها ، ولذلك عنفه أبو بكر على فعلته معها إلى أكثر مما عنفه على فعلته مع زوجة مالك ولو لم تكن محصنة ولم تكن من محارمه لكانت الزيادة من أبى بكر في تعنيفه في غير محلها ، بل لا وجه حينئذ للتعنيف أصلا ( منه قدس ) .
( 5 ) فراجعه في ص 152 من كتاب الصديق أبو بكر ( منه قدس ( * ) .

- ص 131 -


وتراه قد أوضح بكل جلاء ما قد كان عليه الخليفة من إيثاره العمل بما تقتضيه المصالح على العمل بما يقتضيه التعبد بالنصوص ، وهذا رأي كثير من الفضلاء الأزهريين في أبي بكر وعمر ، شافهوني به إذا اجتمعت بهم في الأزهر سنة 1329 والتي بعدها .

لكن عمر وان اغرق نزعا في تأويل النصوص لم يوافق أبا بكر في عفوه عن خالد كما سمعته مفصلا .

وقد أعلن الأستاذ هيكل رأي عمر بتفصيل فقال أما عمر ، وكان مثال العدل الصارم ، فكان يرى ان خالدا عدا على امرئ مسلم ونزا على امرأته قبل انقضاء عدتها فلا يصح بقاؤه في قيادة الجيش حتى لا يعود لمثلها فيفسد أمر المسلمين ويسئ إلى مكانتهم بين العرب قال : ولا يصح ان يترك بغير عقاب على ما أثم مع ليلى ، ولو صح انه تأول فأخطأ في أمر مالك ، وهذا ما لا يجيزه عمر ، وحسبه ما صنع مع زوجته ليقام عليه الحد ، وليس ينهض عذرا له أنه سيف الله ، وانه القائد الذي يسير النصر في ركابه ، فلو ان مثل هذا العذر يقبل ، لأبيحت لخالد وأمثاله المحارم ، ولكان ذلك أسوأ مثل يضرب للمسلمين في احترام كتاب الله ، لذلك لم يفتأ عمر يعيد على أبي بكر ، ويلح عليه ، حتى استدعى خالدا وعنفه .

هذا كلام الأستاذ هيكل بعين لفظه في ص 151 من كتابه "الصديق أبو بكر" تحت عنوان رأي عمر وحجته في الأمر

[ بعض الإنصاف ]

ان الأستاذ العقاد ، بعد أن ذكر الأقوال المتضاربة ، حول مقتل مالك دفاعا

- ص 132 -


عن خالد ، قال ( 1 ) : وحسبنا من هذه الأقوال جميعا ، أن نقف منها على الثابت الذي لا نزاع فيه ، ان وجوب القتل لم يكن صريحا قاطعا في أمر مالك بن نويرة ( 2 ) وان مالكا كان أحق بإرساله إلى الخليفة من زعماء فزارة وغيرهم ، الذين أرسلهم خالد بعد وقعة البزاخة ، وان خالدا تزوج امرأة مالك وتعلق بها وأخذها معه إلى اليمامة بعد لقاء الخليفة ( 3 ) .

قال : وأوجب ما يوجبه الحق علينا ، بعد ثبوت هذا كله ، أن نقول : ان وقعة البطاح صفحة في تاريخ خالد ، كان خيرا له ( 4 ) وأجمل لو أنها حذفت ولم تكتب على قول من جميع تلك الأقوال . . إلى آخر كلامه .

( 1 ) في ص 134 من عبقرية خالد ( منه قدس ) .
( 2 ) بل كانت حرمة قتله في غاية الصراحة والقطع ، وكانت من الكبائر الموبقة الموجبة للقصاص الشرعي ، لان إسلام مالك مما لا ريب فيه لكل منصف ألم بوقعة البطاح على حقيقتها وعرف السر في ثورة عمر ، وأبى قتادة ، وأهل المدينة بكنهها ، وقد كان آخر ما تكلم به مالك في حياته إني على الإسلام . على أن الشيخين عمر وأبا بكر اتفقا على موته مسلما ، وذلك ان عمر إذ قال للخليفة : ان خالدا قد زنى فارجمه قال الخليفة : ما كنت لأرجمه فانه تأول فأخطأ قال عمر : انه قتل مسلما فاقتله به . فلم يقل له : انه قتل مرتدا . وإنما قال : ما كنت لأقتله به فانه تأول فأخطأ . وهذا اعتراف منه بإسلام مالك . ولذلك وداه من بيت مال المسلمين ، واعتبر السبايا والأسرى من آله أحرارا فخلى سبيلهم ، ولم يقر خالدا على سبيهم ( منه قدس ) .
( 3 ) هب ان خالدا إذ وطئ امرأة مالك متأولا فما عذره في تعلقه بها ولاسيما بعد لقاء الخليفة ، وما عذر الخليفة في إبقائه عليه بعد أخذها معه إلى اليمامة يسافحها وهو محصن ( منه قدس ) .
( 4 ) بل كان خيرا للخليفة أولا وله ثانيا ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 133 -


[ ختام الكلام في هذا المقام ] نختم كلامنا في هذا الموضوع بالإشارة إلى من كتب في مالك ، من حيث مكانته في العروبة والإسلام ، ومن حيث ما مني به وقومه يوم البطاح .

وحسبنا من ذلك تاريخ الأمم والملوك لمحمد بن جرير الطبري ، وجمهرة النسب لابن الكلبي ، والكامل لابن الأثير ( 178 ) ، وكتاب الردة والفتوح لسيف بن عمر ( 179 ) ، وكتاب الموفقيات للزبير بن بكار ، وكتاب الأغاني

( 178 ) تاريخ الطبري ج 3 / 276 - 280 وقد خلط فيه الحابل بالنابل والغث بالسمين ، الكامل ج 2 / 357 - 360 وهذا كسابقه ، جمهرة النسب للكلبى .
( 179 ) كتاب الفتوح والردة لسيف بن عمر التميمي المتوفى بعد 170 ه‍ وهذا الكتاب قد أخذ عنه جملة من علماء التأريخ
1 - الطبري المتوفى 310 ه‍ في تاريخه
2 - ابن عساكر ( ت 571 ) في تاريخ دمشق
3 - ابن أبى بكر ( ت 741 ه‍ ) في كتاب ( التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان )
4 - الذهبي ( ت 748 ) في كتابه تاريخ الإسلام وغيرهم عنهم ، حتى انتشرت رواياته في التاريخ الإسلامي .
و ( سيف بن عمر ) هذا من ضعفاء الحديث بل من الزنادقة والمختلقين للأحاديث والأسانيد والبقاع والحوادث . قيمة أحاديث سيف ، ورأى العلماء فيه : قال يحيى بن معين ( ت 233 ) : " ضعيف الحديث فلس خير منه " يعنى سيف بن عمر . وقال النسائي صاحب الصحيح ( ت 303 ) " ضعيف متروك الحديث ليس بثقة ولا مأمون " . وقال أبو داود ( ت 316 ه‍ ) " ليس بشئ كذاب " . وقال ابن أبى حانم ( ت 327 ه‍ ) " متروك الحديث " . وقال ابن السكن ( ت 353 ه‍ ) : " ضعيف " . وقال ابن عدى ( ت 365 ه‍ ) : " ضعيف بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها " =>

- ص 134 -


لأبي فرج الاصبهاني وكتاب الدلائل لثابت بن قاسم ، ونزهة المناظر لابن الشحنة ، والمختصر لأبي الفداء ، وما هو في أحوال عمر ، من المجلد الأول من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ، وغيرها من كتب السير والمعاجم في التراجم ( 180 ) .

وهاك الآن ما ذكره القاضي ابن خلكان " في ترجمة وثيمة بن موسى بن الفرات الوشاء الفارسي من وفيات الأعيان نقلا عن كتأبي وثيمة والواقدي " إذ قال : كان مالك بن نويرة رجلا سريا نبيلا يردف الملوك . قال : وللردافة موضعان ، أحدهما أن يردفه الملك على دابته في صيد أو غيره من مواضع الانس ، والموضع الثاني انبل وهو أن يردف الملك إذا قام عن مجلس الحكم فينظر ما بين الناس بعده . قال : وهو الذي يضرب به المثل ، فيقال مرعى ولا كسعدان ، وماء ولا كصداء وفتى ولا كمالك . قال : وكان فارسا شاعرا

=> وقال ابن حبان ( ت 354 ه‍ ) : " يروى الموضوعات عن الاثبات ، اتهم بالزندقة " . وقال : " قالوا كان يضعف الحديث " . وقال الحاكم ( ت 405 ه‍ ) " متروك اتهم بالزندقة " . وغيرهم من العلماء الذين نصوا على زندقته ووضعه واختلاقه للأحاديث راجع ذلك : في ميزان الاعتدال للذهبي ج 2 / 255 ، آفة أصحاب الحديث لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي المتوفى 597 ه‍ ص 85 و 89 و 91 ، عبد الله سبأ للعسكري ج 1 / 62 - 63 ، خمسون ومائة صحابي مختلق ج 1 وج 2 وبعد أن نقل الطبري وغيره من المتقدمين عن سيف من الروايات انتشرت في أكثر المصادر الإسلامية ان لم يكن كلها واختلط الغث بالسمين والحابل بالنابل وانتشرت من الخرافات والمختلقات ولأجل المزيد من ذلك : راجع : كتاب عبد الله بن سبأ للسيد مرتضى العسكري ج 1 و 2 وكتاب خمسون ومائة صحابي مختلق للسيد العسكري أيضا ج 1 و 2 .
( 180 ) تلخيص الشافي للطوسي ج 3 / 188 - 195 ، المختصر لأبي الفداء ج 1 / 158 ، نزهة الناظر لابن الشحنة ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 179 . ( * )

- ص 135 -


مطاعا في قومه ، وكان فيه خيلاء وتقدم ، وكان ذا لمة كبيرة ، وكان يقال له الجفول ( 1 ) .

قال : وقدم على النبي صلى الله عليه وآله فيمن قدم من العرب فأسلم فولاه النبي صلى الله عليه وآله صدقات قومه . إلى آخر ما روي عنه وعن موقفه مع خالد بن الوليد يوم البطاح وانهما تجاولا في الكلام طويلا فقال له خالد : إني قاتلك . قال مالك : أو بذلك أمرك صاحبك ؟ . - يعني أبا بكر - قال والله لاقتلنك ، وكان عبد الله ابن عمر وأبو قتادة إذ ذاك حاضرين ، فكلما خالدا في أمره فكره كلامهما فقال مالك : يا خالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا فقد بعثت إليه غيرنا ممن جرمه اكبر من جرمنا فقال خالد : لا أقالني الله ان لم أقتلك . وتقدم إلى ضرار بن الازور بضرب عنقه . فالتفت مالك إلى زوجته أم تميم وقال لخالد . هذه التي قتلتني .

قال ابن خلكان : وكانت في غاية الجمال . فقال له خالد : بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام فقال مالك : اني على الإسلام . فقال خالد يا ضرار اضرب عنقه . قال : فضرب عنقه وجعل رأسه اثفية لقدر . قال : قال ابن الكلبي في جمهرة النسب : قتل مالك يوم البطاح وقبض خالد امرأته فتزوجها ، وفي ذلك يقول ابو زهير السعدي : ألا قل لحى أوطئوا بالسنابك ( 181 ) .

قلت وذكر لأبيات الستة الانفة الذكر .

ثم ذكر ابن خلكان بعد هذا ثورة عمر على خالد وقوله لأبي بكر : ان خالدا قد زنى فأرجمه . قال : ما كنت لأرجمه فأنه تأول فأخطأ . قال : انه

( 1 ) الجفول هو ذو النجدة والحفائظ والغيرة الممسك بعنان فرسه في سبيل ذلك فإذا سمع بهيعة طار إليها ( منه قدس ) .
( 181 ) وفيات الأعيان لابن خلكان ترجمة وثيمة ج 6 / 13 - 15 وقد ترك المصنف بعض الحديث . ( * )

- ص 136 -


قتل رجلا مسلما فاقتله به . فقال : ما كنت لأقتله به فانه تأول فأخطأ . قال : فاعزله . قال : ما كنت لاشيم سيفا سله الله عليهم .

واسترسل ابن خلكان فيما هو حول هذه القضية فذكر وقوف متمم بن نويرة بحذاء أبي بكر ، متكئا على سية قوسه ينشد قوله :


نعم القتيل إذا الرياح تناوحت = خلت البيوت قتلت يا ابن الازور
أدعوته بالله ثم غدرته = لو هو دعاك بذمة لم يغدر
قال : وأومأ إلى أبي بكر ، فقال ابو بكر : فوالله ما دعوته ولا غدرته . ثم أنشد :


ولنعم حشو الدرع كان وحاسرا= ولنعم مأوى الطارق المتنور
لا يمسك الفحشاء تحت ثيابه = حلو شمائله عفيف المئزر

ثم بكى وانحط عن سية قوسه ( 182 ) . إلى آخر ما في وفيات الأعيان من هذا الموضوع .

وقد ذكر من شجاعة مالك وحفيظته وسخائه ومكانته ما يجدر بالباحثين أن يقفوا عليه . وممن ذكر مالكا من أهل المعاجم واثبات السير والأخبار ، أبو الفضل احمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني في القسم الأول من الإصابة في تمييز الصحابة ( 1 ) .

فقال : ( مالك ) ابن نويرة بن حمزة بن شداد بن عبد بن ثعلبة بن يربوع التميمي اليربوعي يكنى أبا حنظلة ويلقب بالجفول

( 182 ) وفيات الأعيان ج 6 / 15 ، المختصر لأبي الفداء ج 1 / 158 .
( 1 ) وذكره الطبري في معجمه فقال - كما في ترجمة متمم من الاستيعاب - : مالك بن نويرة بن حمزة التميمي بعثه النبي صلى الله عليه وآله على صدقة بني يربوع وكان قد أسلم هو وأخوه متمم . الخ ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 137 -


( قال ) قال المرزباني كان شاعرا شريفا فارسا معدودا في فرسان بني يربوع في الجاهلية وأشرافهم وكان من - أرداف الملوك وكان النبي صلى الله عليه وآله - استعمله على صدقات قومه فلما بلغته وفاة النبي صلى الله عليه وآله امسك عن الصدقة ( 1 )

وقال في ذلك : فقلت خذوا أموالكم غير خائف - ولا ناظر فيما يجئ من الغد ( 2 ) - فان قام بالدين المخوف قائم - اطعنا ( 183 ) وقلنا الدين دين محمد -

( 1 ) قلت : أمسك عن أخذها من قومه بعد لحاقه صلى الله عليه وآله بالرفيق الأعلى تورعا منه واحتياطا وكان ينتظر من يثبت لديه قيامه شرعا مقام رسول الله لينزل على حكمه في الصدقة وغيرها كما يدل عليه شعره الذي ستسمعه الآن فامعن به وبما سنعلقه عليه ( منه قدس ) .
( 2 ) انما فرقها في الفقراء والمساكين من قومه لأنه قبضها منهم وله الولاية عليها من رسول الله وكان صلى الله عليه وآله حينئذ حيا ، وبذلك رأى ان له التصرف بها فوضعها مواضعها الشرعية . وكان معروفا بالعاطفة على اليتامى والأرامل والمساكين يدل على ذلك قول معاصره في رثائه وقد مر عليك آنفا في الأصل :

فمن لليتامى والأرامل بعده= ومن للرجال المعدمين الصعالك

أراد بهذا البيت انه لم يقترف في أموالهم ( حيث جمها منهم ولا حيث فرقها فيهم ) خيانة يخشاها ولا اثما يخافه في غده إذا بعث ( منه قدس ) .
( 183 ) أورد الإمام العسقلاني هذا البيت بلفظ أطعنا ونقله بهذا اللفظ عن ابن سعد عن الواقدي كما تراه في ترجمة مالك بن نويرة من الإصابة طبع سنة 1328 وفى هامشها كتاب الاستيعاب لابن عبد البر وأورده بلفظ أطعنا علم الهدى الشريف المرتضى في كتابه ( الشافي ) مع أبيات أخر لمالك استدل بها على انه حين بلغه وفاة النبي صلى الله عليه وآله أمسك عن =>


- ص 138 -


فقتل صبرا هو وأصحابه ، ومثل به وبرأسه بعد القتل ، ووطئت زوجته ، وعطلت في ذلك كله حدود الله ، وانتهكت حرماته ، والعذر في ذلك كله انهم تأولوا فأخطأوا ، فانا لله وإنا إليه راجعون .

=> أخذ الصدقة من قومه قائلا لهم : تربصوا حتى يقوم قائم بعده صلى الله عليه وآله وننظر ما يكون من أمره قال : وصرح مالك بذلك في شعره حيث يقول :

وقال رجال سدد اليوم مالك= وقال رجال مالك لم يسدد
فقلت دعوني لا أبا لأبيكم=فلم أخط رأيا في المقام ولا الندى
وقلت خذوا أموالكم غير خائف= ولا ناظر فيما يجئ من الغد
فدونكموها انما هي مالكم= مصورة أخلاقها لم تجدد
سأجعل نفسي دون ما تحذرونه= وأرهنكم حقا بما قلته يدى
فان قام بالأمر المجدد قائم= أطعنا وقلنا الدين دين محمد

لكن الأستاذين هيكل في كتاب الصديق أبو بكر ، والعقاد في عبقرية خالد أوردا البيت بلفظ ( منعنا ) وأظن أنهما رويا البيت عن بعض المتحاملين على مالك المتعصبين لخالد أو للصديق وعلى كلا الروايتين في البيت ما يوجب ردة ولا دونها ، أما على فرض قوله أطعنا فواضح وأما على فرض منعنا ( وما أظن له صحة ) فلان الدين دين محمد وقد ولاه صلى الله عليه وآله على صدقات قومه ولم يعزله ، ولم تثبت له خلافة القائم مقامه لينزل على حكمه . فهو متريث باحث بكل مالديه من جهود عمن له الأمر بعد محمد شرعا لينزل على حكمه وقد طلب من خالد أن يرسله إلى أبى بكر ليبحث معه عن هذه المهمة فأبى الا قتله ( منه قدس ) . راجع : الإصابة لابن حجر ج 3 / 336 ط مصطفى محمد ، تلخيص الشافي للطوسي ج 3 / 192 ، معجم الشعراء للمرزباني ص 260 ( * ) .

أبو طالب
04-27-2006, 08:13 PM
- ص 138 -
المورد - ( 14 ) -
[ في منع كتابة العلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله ]

وذلك ان الحاكم اخرج في تاريخه بالإسناد إلى أبي بكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : " من كتب علي علما أو حديثا لم يزل يكتب له الأجر ما بقي ذلك العلم أو الحديث " ( 184 ) ومع ذلك لم يدون أيام أبي بكر وعمر شئ من السنن .

وقد كان أبو بكر اجمع أيام خلافته على تدوين الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله فجمع خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب كثيرا ، قالت عائشة : فغمني تقلبه ، فلما أصبح قال لي : أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فأحرقها . . ( الحديث ) ( 185 ) .

( 184 ) كل ما روت الأمة عن أبى بكر من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله انما هو مائة واثنان وأربعون حديثا ، وقد أوردها الحافظ السيوطي في فصل خاص بها في أحوال أبى بكر من كتابه - تاريخ الخلفاء - فكان هذا الحديث هو الحديث التاسع والثمانين منها ، وربما أيدوا مضمونه بما رووه عن كل من أمير المؤمنين على بن أبى طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وأبى سعيد الخدري وأبى الدرداء وأنس بن مالك ومعاذ بن جبل وأبى هريرة من طرق كثيرة متنوعة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : من حفظ على أمتي أربعين حديثا بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء ، وفى رواية : بعثه الله فقيها عالما ، وفى رواية أبى الدرداء . كنت له يوم القيامة شاهدا وشفيعا . وفى رواية ابن مسعود قيل له : ادخل من أي أبواب الجنة شئت وفى رواية ابن عمر : كتب في زمرة العلماء وحشر في زمرة الشهداء . وربما أيدوه أيضا بقوله صلى الله عليه وآله ليبلغ الشاهد منكم الغائب . وبقوله صلى الله عليه وآله نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها ( منه قدس ) . تاريخ الخلفاء للسيوطي .
( 1 ) أخرجه عماد الدين بن كثير في مسند الصديق عن الحاكم أبى عبد الله النيسابوري ورواه القاضي أبو أمية الاحوص بن المفضل الغلابي وهو الحديث 4845 في ص 237 من الجزء الخامس من كنز العمال ( منه قدس ) . كنز العمال ج 10 / 285 ح 29460 ط 2 ، تذكرة الحفاظ ج 1 / 5 ، وقد أحرقها =>


- ص 140 -


وعن الزهري عن عروة ان عمر بن الخطاب أراد ان يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فأشاروا عليه ان يكتبها فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ، ثم أصبح يوما [ وقد عزم الله له ] فقال : إني كنت أريد ان اكتب السنن ، واني ذكرت قوما قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله ، واني والله ولا أشوب كتاب الله بشئ أبدا ( 186 ) .

وعن أبي وهب قال سمعت مالكا يحدث ان عمر بن الخطاب أراد أن يكتب هذه الأحاديث أو كتبها ، ثم قال : لا كتاب مع كتاب الله ( 187 ) .

وعن يحيى بن جعدة قال أراد عمر ان يكتب السنة ، ثم بدا له ان لا يكتبها ،

=> عمر بن الخطاب أيضا : راجع : الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 / 188 ، مقدمة الدرامي ص 126 .
( 186 ) هذا هو الحديث 4860 من أحاديث الكنز ص 239 من جزئه الخامس وأخرجه ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله فراجع من مختصره ص 33 . وأخرجه ابن سعد أيضا من طريق الزهري كما في ص 239 من الجزء الخامس من الكنز ( منه قدس ) .
عمر يمنع كتابة العلم والحديث : راجع : تنوير الحوالك شرح موطأ مالك ج 1 / 4 ط الحلبي ، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج 4 / 543 ط بيروت ، جامع أحاديث الشيعة ج 1 / 2 - 3 ، كنز العمال ج 10 / 291 ح 2974 ، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ج 1 / 77 ، الغدير للأميني ج 6 / 297 ، الطبقات لابن سعد ج 5 / 188 ، مقدمة الدرامي ص 126 ، مقدمة مرآة العقول ج 1 / 29 ، أضواء على السنة المحمدية ص 47 .
( 187 ) وهذا هو الحديث 4861 في الصفحة المتقدمة الذكر من الكنز . ورواه ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله فراجع من مختصره ص 32 ( منه قدس ) . جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ج 1 / 77 ، كنز العمال ج 10 / 292 / ح 29475


- ص 141 -


ثم كتب في الأمصار : من كان عنده شئ فليمحه ( 188 ) .

وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال : ان الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس ان يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها . . ( الحديث ) ( 189 ) .

وعن ابن عمر ان عمر أراد أن يكتب السير ( السنن خ ل ) فاستخار الله شهرا فأصبح وقد عزم له ، ثم قال : اني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله ( 190 ) .

وفي أيام عمر جاء رجل من أصحابه فقال : يا أمير المؤمنين ، انا لما فتحنا المدائن أصبنا كتبا فيها من علوم الفرس وكلام معجب . قال : فدعا بالدرة فجعل يضربها بها حتى تمزقت ، ثم قرأ : نحن نقص عليك أحسن ، ويقول : ويلك اقصص أحسن من كتاب الله ؟ . ( الحديث ) ( 191 ) .

( 188 ) أخرجه ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله . ورواه ابن خيثمة وهو الحديث 4862 في الصفحة المتقدمة الذكر من الكنز ( منه قدس ) . وراجع : جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ج 1 / 87 ، كنز العمال ج 10 / 292 ح 29476 .
( 189 ) أخرجه ابن سعد في ترجمة القاسم بن محمد بن أبى بكر ص 140 من الجزء الخامس من طبقاته ( منه قدس ) . وراجع : الطبقات لابن سعد ج 5 / 188 ط بيروت في ترجمة القاسم بن محمد بن أبى بكر ، تقييد العلم للبغدادي ص 52 ، أضواء على السنة المحمدية ص 47 .
( 190 ) أخرجه السلفي في الطيوريات بسند صحيح . ونقله السيوطي في أخبار عمر وقضاياه من كتابه تاريخ الخلفاء ( منه قدس ) . وراجع : كنز العمال ج 10 / 293 ح 29480 .
( 191 ) أخرجه أصحاب السنن . وأورده ابن أبى الحديد في أحوال عمر ص 122 من =>

- ص 142 -


والأخبار متواترة في منعه الناس عن تدوين العلم ، وردعه إياهم عن جمع السنن والآثار ، وربما حظر عليهم الحديث عن رسول الله مطلقا ، وحبس أعلامهم في المدينة الطيبة لكيلا يذيعوا الأحاديث في الآفاق ( 192 ) .

ولا يخفى ما قد ترتب على هذا من المفاسد التي لا تتلافى أبدا ، فليت الخليفتين

=> المجلد الثالث من شرح النهج . وقد كان الواجب هنا من حق هذه الكتب وحق الأمة أن يأمر الخليفة بتمحيصها فيخص بالتمزيق مالا فائدة به أما ذو الفائدة كعلم الطب والعلوم الرياضية وعلم طبقات الأرض - الجلوجيا - والجغرافيا والعلم بأخبار الماضين من الأمم الماضية والقرون الخالية وما أشبه ذلك مما يبيحه الإسلام فلا وجه لتمزيقه . وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام العلم ضالة المؤمن فخذوه ولو من المشركين . . ( الحديث ) . وقال : الحكمة ضالة المؤمن يطلبها ولو من أيدى الشرط . روى هذين القولين عن على عليه السلام أبو عمر ابن عبد البر في باب الحال التي تنال به العلم من كتابه - جامع بيان العلم وفضله - فراجع ص 51 من مختصره ( منه قدس ) . وراجع : الغدير للأميني ج 6 / 297 - 298 ، كنز العمال ج 10 / 292 ح 29479 ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 12 / 101 ط أبو الفضل .
( 192 ) فمنهم عبد الرحمن بن عوف . قال : والله ما مات عمر حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق : عبد الله بن حذيفة وأبى الدرداء وأبى ذر وعقبة بن عامر فقال : ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله في الآفاق ، قالوا : تنهانا ! قال : لا . أقيموا عندي ، لا والله لا تفارقوني ما عشت . ( الحديث ) ، أخرجه ابن إسحاق وهو الحديث 4865 ص 239 من الجزء الخامس من الكنز ( منه قدس ) . وراجع : الغدير للأميني ج 6 / 294 - 297 ، سنن الدرامي ج 1 / ، سنن ابن ماجة ج 1 ، مستدرك الحاكم ج 1 / 102 و 110 ، جامع بيان العلم ج 2 / 147 وما بعدها تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 / 4 و 7 ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 4 / 61 ، مقدمة مرآة العقول ج 1 / 29 ، تاريخ ابن كثير ج 8 / 107 ، تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 / 3 ، تاريخ التشريع الإسلامي للخضري ج 1 / 7 و 123 ، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ص 161 ، أضواء على السنة المحمدية ص 53 ( * ) .

أبو طالب
04-27-2006, 08:18 PM
- ص 143 -


صبرا نفسيهما مع علي بن أبي طالب ( 193 ) وسائر الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه من آل محمد صلى الله عليه وآله والخيرة من أصحابه فيحبساهم على جمع السنن والآثار النبوية وتدوينها في كتاب خاص يرثه عنهم من جاء بعدهم من التابعين فتابعيهم في كل خلف من هذه الأمة ، شأن الذكر الحكيم والفرقان العظيم ، فان في السنة ما يوضح متشابه القرآن ، ويبين مجمله ، ويخصص عامه ويقيد مطلقه ، ويوقف أولي الألباب على كهنه ، فيحفظها حفظه ، وبضياعها ضياع لكثير من أحكامه ، فما كان أولاها بعناية الخليفتين واستفراغ وسعهما في ضبطها وتدوينها ، ولو فعلا ذلك لعصما الأمة والسنة من معرة الكاذبين بما افتأتوه على رسول الله صلى الله عليه وآله ، إذ لو كانت السنن مدونة من ذلك العصر في كتاب تقدسه الأمة لارتج على الكذابين باب الوضع ، وحيث فاتهما ذلك كثرت الكذابة على النبي صلى الله عليه وآله ولعبت في الحديث أيدي السياسة ، وعاثت به السنة الدعاية الكاذبة ، ولاسيما على عهد معاوية وفئته الباغية ، حيث سادت فوضى الدجاجيل ، وراج سوق الأباطيل ( 194 ) .

( 193 ) تقدم أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام وشيعته في تدوين علوم الإسلام راجع : كتاب تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام للسيد حسن الصدر ط في العراق ، الشيعة وفنون الإسلام للصدر أيضا ، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج 4 / 546 - 555 ، المراجعات ص 335 ، سبيل النجاة في تتمة المراجعات تحت رقم ( 970 و 973 إلى 1028 ) طبع ملحقا بالمراجعات ، جامع أحاديث الشيعة ج 1 / 7 - 11 .
( 194 ) وضع الأحاديث كذبا على الرسول صلى الله عليه وآله : راجع : الغدير للأميني ج 5 / 297 - 375 وج 7 / 87 - 114 و 237 - 329 وج 8 / 30 - 96 وج 9 / 218 - 396 وج 10 / 67 - 137 وج 11 / 74 - 195 ، كتاب أبو هريرة للسيد شرف الدين ، شيخ المضيرة أبو هريرة للشيخ أبى رية ، أضواء =>

- ص 144 -


وقد كان في وسع الخليفتين وأوليائهما أن يكفوا الأمة شر هؤلاء بتدوين السنن على نحو ما ذكرناه ، وما كان ليخفى عليهم رجحان ذلك ، ولعلك تعلم أنهم كانوا أعرف منا بلزومه ، لكن مطامعهم التي تأهبوا وأعدوا وتعبأوا لها ، لا تتفق مع كثير من النصوص الصريحة المتوافرة التي لابد من تدوينها لو أبيح التدوين لكونها مما لا يجحد صدوره ولا يكابر في معناه ( 195 ) ومن هاهنا أتينا فانا لله وإنا إليه راجعون .

أما رسول الله صلى الله عليه وآله فقد استودع كلا من الكتاب والسنة ومواريث الأنبياء وصيه ووليه علي بن أبي طالب ، وبذلك أحصاها في إمام مبين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وعهد إليه أن يحصيها فيمن بعدة من الأئمة ( 196 ) وهكذا يكون إحصاؤها في أئمة العترة إماما بعد إمام ثقل رسول الله واعدال كتاب الله لن يفترقا حتى يردا الحوض على رسول الله . وقد صحح عنه صلى الله عليه وآله قوله : " علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " ( 197 ) .

=> على السنة المحمدية لابي رية ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 4 / 63 و 64 و 67 و 69 و 73 وج 11 / 44 وج 13 / 219 و 223 ط أبو الفضل ، سبيل النجاة في تتمة المراجعات ص 173 تحت رقم ( 614 و 701 ) ط بيروت .
( 195 ) مثل حديث الغدير المتواتر وغيره من الأحاديث راجع : كتاب المراجعات لشرف الدين ، سبيل النجاة في تتمة المراجعات طبع مع المراجعات في بغداد وبيروت عبقات الأنوار ط الهند وإيران وبيروت ، دلائل الصدق للمظفر ، الغدير للأميني .
( 196 ) جامع أحاديث الشيعة ج 1 / 126 - 319 ، وراجع ما تقدم من حديث الثقلين تحت رقم ( 15 ) وحديث السفينة وغيره تحت رقم ( 16 و 17 و 18 و 19 ) .
( 197 ) أخرجه الحاكم بالإسناد الصحيح إلى أم سلمة عن رسول الله في باب مع القرآن على من كتاب معرفة الصحابة ص 124 من الجزء الثالث من المستدرك ثم قال : = ( * )

- ص 145 -


. . . . . . .

=> هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه قلت : وأورده الذهبي في تلخيصه معترفا بصحته ومما يجدر بنا أن نلفت القراء هنا إلى هذه المعية المقدسة المتبادلة بين القرآن وعلى سبيل الدوام والاستمرار في كل لحظة حتى يردا على الحوض .
والى نفى الافتراق بينهما بلن دون لا وغيرها من أدوات النفي ، والى موت على قبل وروده مع القرآن على الحوض بمئات من السنين فكيف والحال هذه يتحقق عدم افتراقهما . ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) ( منه قدس ) .

راجع مصادر الحديث أيضا في : تلخيص المستدرك للذهبي ج 3 / 124 بذيل المستدرك وصححه ، المناقب للخوارزمي ص 110 ، المعجم الصغير للطبراني ج 1 / 55 ، كفاية الطالب ص 399 ط الحيدرية وص 254 ط الغرى ، مجمع الزوائد ج 9 / 134 ، الصواعق ص 122 و 124 ط المحمدية وص 74 و 75 ط الميمنية ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 173 ، إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص 157 ط السعيدية و 143 ط العثمانية ، نور الأبصار ص 73 ، الغدير للأميني ج 3 / 180 ، ينابيع المودة للقندوزى ص 40 و 90 و 185 و 237 و 283 و 285 ط اسلامبول وص 44 و 103 و 219 و 281 و 339 و 342 ط الحيدرية وج 1 / 38 و 88 وج 2 / 10 و 61 و 108 و 110 ط صيدا ، غاية المرام ص 540 ( باب ) 45 ط إيران ، فيض القدير للشوكاني ج 4 / 358 ، الجامع الصغير للسيوطي ج 2 / 56 ، إحقاق الحق ج 5 / 640 ، فرائد السمطين ج 1 / 177 ح 140 ، ترجمة الإمام على بن أبى طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر ج 3 / 123 بالهامش ، الفتح الكبير للنبهاني ج 2 / 242 ، أسنى المطالب للحوت ص 201 ح 898 ، المناقب لابن مردويه كما في الطرائف لابن طاوس ج 1 / 103 ، ولأجل المزيد من المصادر لهذا الحديث راجع : سبيل النجاة في تتمة المراجعات تحت رقم ( 716 ) طبع ملحقا بالمراجعات في بيروت وبغداد . ( * )

أبو طالب
04-27-2006, 08:21 PM
- ص 146 -

المورد - ( 15 ) -
[ مجئ أناس من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في مهمة لهم فأحالهم فيها على صاحبيه ليعتذرا إليهم فكانا شافعين لا معتذرين ]

وذلك أن أناسا من المشركين جاؤا إليه صلى الله عليه وآله يقولون " يا محمد انا جيرانك وحلفاؤك ، وان ناسا من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين ، ولا رغبة في الفقه ، وانما فروا من ضياعنا وأموالنا فارددهم إلينا . فلم يجبهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ما أرادوا مخافة أن يفتنوهم عن دينهم ، لكنه صلى الله عليه وآله كره أن يكاشفهم فقال لأبي بكر : ما تقول يا أبا بكر . أملا بأن يرد ، طلبهم . فقال أبو بكر : صدقوا يا رسول الله فتغير وجه النبي صلى الله عليه وآله إذ لم يكن جوابه موافقا لما يريده الله ورسوله فسأل عمر أملا بأن يكاشفهم فقال : ما تقول يا عمر فقال : صدقوا يا رسول الله انهم لجيرانك وحلفاؤك فتغير وجه النبي صلى الله عليه وآله . . الحديث أخرجه أحمد من حديث علي ( ع ) في ص 155 من الجزء الأول من مسنده وأخرجه النسائي في ص 11 من الخصائص العلوية .

واليك تمام هذا الحديث بلفظ النسائي ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا معشر قريش والله ليبعثن الله عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه للإيمان فيضربكم على الدين قال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله . قال : لا . ولكن ذلك الذي يخصف النعل . وقد كان أعطى عليا نعلا يخصفها . انتهى بلفظ النسائي في خصائصه العلوية ( 198 ) .

( 198 ) الرجل الذي أمتحن الله قلبه بالإيمان : هو الإمام أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام . وبما ان السيد قد نقل الحديث بغير ما هو موجود في النسخة التي هي بين أيدينا فاليك نص الحديث بلفظ النسائي : عن على عليه السلام : قال جاء النبي أناس من قريش فقالوا يا محمد انا جيرانك وحلفائك وان أناسا من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين ولا رغبة في الفقه انما فروا من ضياعنا وأموالنا فارددهم إلينا ، فقال لأبي بكر : ما تقول ؟ قال : صدقوا انهم جيرانك وحلفائك . قال : فتغير وجه النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ثم قال لعمر : ما تقول ؟ قال : صدقوا انهم لجيرانك وحلفائك ، فتغير وجه النبي صلى الله عليه ( وآله ) =>

- ص 147 -


. . . . . . .

=> وسلم . فقال : يا معشر قريش ، والله ليبعثن الله عليكم رجلا قد امتحن الله قلبه بالإيمان فيضربكم على الدين ، فقال أبو بكر : أنا يا رسول الله قال : لا . قال عمر : أنا يا رسول الله ، قال : لا ، ولكن الذي يخصف النعل ، وكان قد أعطى عليا نعله يخصفها " . خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 11 ط التقدم وص 68 ط الحيدرية وص 19 ط بيروت ، مسند أحمد بن حنبل ج 2 / 338 ح 1335 بسند صحيح . مع حذف الأخر ط دار المعارف بمصر ، كنز العمال ج 15 / 112 ح 317 و 434 ط 2 . وقريب منه في : ترجمة الإمام على بن أبى طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر ج 2 / 366 ح 866 . راجع : بقية اجتهاداته مقابل النص . في مقدمة مرآة العقول ج 1 / 60 ( * ) .

أبو طالب
04-27-2006, 08:26 PM
- ص 148 -

[ الفصل الثاني ]
[ تأول عمر وأتباعه ]

المورد - ( 16 ) -
[ رزية يوم الخميس . ]

وقد كانت سنة 11 للهجرة في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله قبيل وفاته ( 1 ) ( بأبي هو وأمي ) بيسير .

[ الحقيقة الثابتة في هذه الرزية ]

والحقيقة هنا على سبيل التفصيل : ما قد أخرجه أصحاب الصحاح وسائر أهل المسانيد ، وأرسله أهل السير والأخبار إرسال المسلمات .

واليك الآن بعض ما أخرجه البخاري ( 2 ) بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله بن مسعود عن ابن عباس . قال : لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وفي البيت رجال فيهم عمر

( 1 ) وكانت وفاته ( بأبي وأمي ) يوم الاثنين بعد هذه الرزية بأربعة أيام ( منه قدس ) .
( 2 ) راجع باب قول المريض : ( قوموا عنى ) من كتاب المرضى من الجزء الرابع من صحيحه وكتاب العلم من الجزء الأول من الصحيح ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 149 -


ابن الخطاب . قال النبي صلى الله عليه وآله : " هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا ( 1 ) بعده . فقال عمر : ان النبي قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله . فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول : ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : قوموا ( عني خ ل ) - قال عبيد الله بن عبد الله بن مسعود - : فكان ابن عباس يقول : ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم . أه‍ بنصه ( 199 ) .

وهذا الحديث أخرجه مسلم في آخر الوصايا أوائل الجزء الثاني من صحيحه .
ورواه أحمد بن حنبل في مسنده من حديث ابن عباس ( 2 ) وسائر

( 1 ) بحذف النون مجزوما لكونه جوابا ثانيا لقوله ( هلم ) ( منه قدس ) .
( 199 ) الرزية كل الرزية : راجع : صحيح البخاري ك المرضى ب قول المريض قوموا عنى ج 7 / 9 أفست دار الفكر على ط استانبول وج 7 / 156 ط محمد على صبيح بمصر وطبع مطابع الشعب وج 4 / 7 ط دار احياء الكتب وج 4 / 5 ط المعاهد وج 4 / 5 ط الميمنية وج 6 / 97 ط بمبى وج 4 / 6 ط الخيرية . وتوجد عين هذه الرواية في مواضع أخر من صحيح البخاري . منها : كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ب كراهية الخلاف ج 8 / 161 ط دار الفكر وج 8 / 64 ط بمبى وج 4 / 194 ط الخيرية . ومنها : كتاب النبي إلى كسرى وقيصر ب مرض النبي ووفاته ، صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية ج 5 / 75 ط محمد على صبيح وط المكتبة التجارية وج 2 / 16 ط عيسى الحلبي وج 11 / 95 ط مصر بشرح النووي ، مسند أحمد ج 4 / 356 ح 2992 بسند صحيح ط دار المعارف بمصر .
( 2 ) ص 325 من جزئه الأول ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 150 -


أصحاب السنن والأخبار ، وقد تصرفوا فيه فنقلوه بالمعنى ، لان لفظه الثابت : " ان النبي يهجر " لكنهم ذكروا أنه قال : " ان النبي قد غلب عليه الوجع " تهذيبا للعبارة ، واتقاء فظاعتها .

ويدل على ذلك ما أخرجه أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة ( 1 ) بالإسناد إلى ابن عباس ، قال : لما حضرت رسول الله الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال رسول الله : " ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده قال : فقال عمر كلمة معناها أن الوجع قد غلب على رسول الله ( ص ) ثم قال : عندنا القرآن حسبنا كتاب الله . فاختلف من في البيت واختصموا فمن قائل يقول : القول ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومن قائل يقول : القول ما قال عمر فلما ، أكثروا اللغط واللغوا والاختلاف غضب صلى الله عليه وآله فقال : قوموا . . " ( الحديث ) ( 200 ) .

وتراه صريحا بأنهم انما نقلوا معارضة عمر بالمعنى لا بعين لفظه . ويدلك على هذا أيضا أن المحدثين حيث لم يصرحوا باسم المعارض يومئذ نقلوا المعارضة بعين لفظها .

قال البخاري - في باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير من صحيحه ( 2 ) - : حدثنا قبيصة حدثنا ابن عيينة عن سلمان الاحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : " يوم الخميس وما يوم الخميس " ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء ، فقال : اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وجعه يوم

( 1 ) كما في ص 20 من المجلد الثاني من شرح النهج للعلامة المعتزلي ( منه قدس ) .
( 200 ) ادعاء ان النبي يهجر : شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 6 / 51 ط أبو الفضل وج 2 / 294 ط دار مكتبة الحياة وج 2 / 30 ط دار الفكر .
( 2 ) ص 118 من جزئه الثاني ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 151 -


الخميس ، فقال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع . فقالوا : " هجر رسول الله صلى الله عليه وآله " قال صلى الله عليه وآله دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني ( 1 ) إليه . وأوصى عند موته بثلاث : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ( قال ) : ونسيت الثالثة " آه . ( 201 ) .

وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضا في آخر كتاب الوصية من صحيحه ، وأحمد من حديث ابن عباس في مسنده ( 2 ) ورواه سائر المحدثين .
وأخرج مسلم في كتاب الوصية من الصحيح عن سعيد بن جبير من طريق آخر عن ابن عباس ، قال : " يوم الخميس وما يوم الخميس " ثم جعل تسيل

( 1 ) تدعوني بالتشديد لأنها مرفوعة بثبوت النون فادغمت نون الرفع بنون الوقاية ( منه قدس ) .
( 201 ) ليست الثالثة إلا الأمر الذي أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يكتبه حفظا لهم من الضلال لكن السياسة اضطرت المحدثين إلى ادعاء نسيانه كما نبه إليه مفتى الحنفية في ( صور ) الشيخ أبو سليمان الحاج داود الدادا ( منه قدس ) .
رزية يوم الخميس وتناسي الوصية : راجع : صحيح البخاري ك الجهاد والسير ب جوائز الوفد ج 4 / 31 ط دار الفكر وج 4 / 85 ط مطابع الشعب وج 2 / 178 ط دار احياء الكتب وج 2 / 120 ط المعاهد وج 2 / 125 ط الشرفية وج 5 / 85 ط محمد على صبيح وج 4 / 55 ط الفجالة وج 2 / 111 ط الميمنية وج 3 / 115 ط بمبى .
صحيح مسلم ك الوصية ب ترك الوصية ج 2 / 16 ط عيسى الحلبي وج 5 / 75 ط محمد على صبيح والمكتبة التجارية وج 11 / 89 - 94 ط مصر بشرح النووي .
مسند أحمد ج 1 / 222 ط الميمنية وج 3 / 286 ح 1935 بسند صحيح وج 5 / 45 ح 3111 ط دار المعارف بمصر .
( 2 ) ص 222 من جزئه الأول ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 152 -


دموعه حتى رؤيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فقالوا : ان رسول الله يهجر " آه . ( 202 ) .

ومن ألم بما حول هذه الرزية من الصحاح ( 203 ) يعلم ان أول من قال

( 202 ) وأخرج هذا الحديث بهذه الالفاظ أحمد في مسنده ج 1 ص 355 وغير واحد من اثبات السنن ( منه قدس ) . التطاول على الساحة المقدسة بدعواهم ان الرسول صلى الله عليه وآله يهجر : صحيح مسلم ك الوصية ب ترك الوصية لمن ليس عنده شئ ج 2 / 16 ط الحلبي وج 5 / 75 ط صبيح وج 11 / 94 ط مصر بشرح النووي . مسند أحمد ج 5 / 116 ح 3336 بسند صحيح ط دار المعارف بمصر ، تاريخ الطبري ج 3 / 193 ، الكامل لابن الأثير ج 2 / 320 .
( 203 ) رزية يوم الخميس لها مصادر كثيرة غير ما تقدم راجع منها :
أ - صحيح البخاري ك العلم ب كتابة العلم ج 1 / 37 ط دار الفكر وج 1 / 39 ط مطابع الشعب وج 1 / 14 ط بمبى وج 1 / 32 ط دار احياء الكتب وج 1 / 22 ط المعاهد وج 1 / 22 ط الشرفية وج 1 / 38 ط صبيح وج 1 / 28 ط الفجالة وج 1 / 20 ط الميمنية.
ب - صحيح البخاري أيضا كتاب النبي إلى كسرى وقيصر ب مرض النبي ووفاته ج 6 / 11 ط مطابع الشعب وج 5 / 40 ط بمبى وج 3 / 66 ط الخيرية .
ج - صحيح البخاري أيضا ك الجزية ب اخراج اليهود من جزيرة العرب ج 4 / 65 ط دار الفكر وج 4 / 12 ط بمبى وج 2 / 132 ط آخر .
تاريخ الطبري ج 3 / 192 - 193 ، عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 / 79 ، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 1 / 133 ط 1 ، الملل والنحل للشهرستاني ج 1 / 22 ، الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 / 242 - 244 . فالمتتبع إذا راجع هذه المصادر مع ما تقدم يحصل له القطع ان القائل بأن النبي صلى الله عليه وآله يهجر انما هو عمر . فانا لله وإنا إليه راجعون . ( * )

أبو طالب
04-27-2006, 08:31 PM
- ص 153 -


يومئذ : " هجر رسول الله " انما هو عمر ( 204 ) .

ثم نسج على منواله من الحاضرين من كانوا على رأيه . وقد سمعت قول ابن عباس - في الحديث الأول ( 1 ) - : فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ( 205 ) - أي يقول : هجر رسول الله - وفي رواية أخرجها الطبراني في الأوسط عن عمر ( 2 ) قال : لما مرض النبي قال : ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا . فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال عمر : فقلت : انكن صواحبات يوسف إذا مرض عصرتن أعينكن وإذا صح ركبتن عنقه ؟ قال : فقال رسول الله : " دعوهن فانهن خير منكم " . آه ( 206 ) .

وأنت ترى انهم لم يتعبدوا هنا بنصه الذي لو تعبدوا به لآمنوا من الضلال وليتهم اكتفوا بعدم الامتثال ولم يردوا قوله إذ قالوا : " حسبنا كتاب الله " حتى كأنه لا يعلم بمكان كتاب الله منهم ، أو أنهم أعلم منه بخواص الكتاب وفوائده .

وليتهم اكتفوا بهذا كله ولم يفاجئوه بكلمتهم تلك " هجر رسول الله " وهو محتضر بينهم وأي كلمة كانت وداعا منهم له صلى الله عليه وآله وكأنهم - حيث لم

( 204 ) قول عمر ان النبي صلى الله عليه وآله ليهجر صرح به كل من : السبط بن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص ص 62 ط الحيدرية ، وأبى حامد الغزالي في كتابه سر العالمين وكشف ما في الدارين ص 21 ط النعمان .
( 1 ) الذي أخرجه البخاري عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود عن ابن عباس ، وأخرجه مسلم أيضا وغيره ( منه قدس ) .
( 205 ) تقدمت مصادر الحديث تحت رقمي ( 199 و 203 ) فراجع .
( 2 ) كما في ص 138 من الجزء الثالث من كنز العمال ( منه قدس ) .
( 206 ) النساء خير من الرجال : راجع : عبد الله بن سبأ للعسكري ج 1 / 79 ، الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 / 243 ( * ) .


- ص 154 -


يأخذوا بهذا النص اكتفاء منهم بكتاب الله على ما زعموا - لم يسمعوا هتاف الكتاب آناء الليل وأطراف النهار في أنديتهم ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) ( 207 ) وكأنهم " حيث قالوا : هجر " لم يقرأوا قوله تعالى : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) ( 208 )

وقوله عز من قائل : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) ( 209 )

وقوله جل وعلا : ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) ( 210 ) .

على أن العقل بمجرده مستقل بعصمته ، لكنهم علموا أنه صلى الله عليه وآله انما أراد توثيق العهد بالخلافة ، وتأكيد النص بها على علي عليه السلام خاصة ، وعلى الأئمة من عترته عامة فصدوه عن ذلك ، كما اعترف به الخليفة الثاني في كلام دار بينه وبين ابن عباس ( 211 ) .

وأنت إذا تأملت في قوله صلى الله عليه وآله : ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده وقوله في حديث الثقلين : " اني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا ، كتاب الله وعترتي " ( 212 )

تعلم ان المرمى في الحديثين واحد ، وانه صلى الله عليه وآله لما أراد

( 207 ) سورة الحشر آية : 7 .
( 208 ) سورة التكوير آية : 19 - 22 .
( 209 ) سورة الحاقة آية : 40 - 43 .
( 210 ) سورة النجم آية : 2 - 6 .
( 211 ) راجع شرح النهج الحديدي ج 3 / 114 س 27 طبع مصر ( منه قدس ) . شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 12 / 79 بتحقيق أبو الفضل وج 3 / 803 ط دار مكتبة الحياة وج 3 / 167 ط دار الفكر .
( 212 ) حديث الثقلين تقدم مع مصادره تحت رقم ( 15 ) فراجع . ( * )

- ص 155 -


في مرضه أن يكتب لهم تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين . وانما عدل عن ذلك ، لان كلمتهم تلك التي فاجؤه بها اضطرته إلى العدول إذ لم يبق بعدها أثر لكتابة الكتاب سوى الفتنة والاختلاف من بعده في انه هل هجر فيما كتبه " والعياذ بالله " أو لم يهجر . كما اختلفوا في ذلك فاختصموا وأكثروا اللغو واللغط نصب عينيه فلم يتسن له يومئذ أكثر من قوله لهم : قوموا كما سمعت ، ولو أصر . فكتب الكتاب للجوا في قولهم هجر ، ولاوغل أشياعهم في اثبات هجره " والعياذ بالله " فسطروا به أساطيرهم ، وملاوا طواميرهم ردا على ذلك الكتاب ، وعلى من يحتج به .

لهذا اقتضت الحكمة البالغة أن يضرب صلى الله عليه وآله عن ذلك الكتاب صفحا ، لئلا يفتح هؤلاء وأولياؤهم بابا إلى الطعن في النبوة " نعوذ بالله وبه نستجير " وقد رأى ان عليا وأولياءه خاضعون لمضمون ذلك الكتاب ، سواء عليهم ، أكتب أم لم يكتب ، وغيرهم لا يعمل به ، ولا يعتبره لو كتب ، فالحكمة - والحال هذه - توجب تركه ، إذ لا أثر له بعد تلك المعارضة سوى الفتنة كما لا يخفى .

[ أعذار المعارضين وتزييفها ]

وقد اعتذر شيخنا الشيخ سليم البشري المالكي ( 213 ) شيخ الجامع

( 213 ) البشري شيخ الجامع الأزهر : ولد سنة 1248 ه‍ وتوفى 1335 ه‍ وكان الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين ( قدس الله روحه ) في أواخر سنة 1329 ه‍ قد سافر إلى مصر واجتمع بالشيخ النحرير الشيح سليم وكان في ذلك الوقت شيخ الأزهر وقد دارت بين هذين العلمين مناظرات ومباحثات علمية موضوعية وكان من نتائجها كتاب ( المراجعات ) الذي هو فريد في نوعه وقد طبع أكثر من عشرين طبعة وترجم إلى عدة لغات وقد قام الأقل الحقير بتحقيقه =>

- ص 156 -


الأزهر في بعض " مراجعات " كانت بيني وبينه في مصر سنة 1329 والتي بعدها . فقال رحمه الله : لعل النبي عليه السلام حين أمرهم بإحضار الدواة والبياض لم يكن قاصدا لكتابة شئ من الأشياء ، وانما أراد بكلامه مجرد اختبارهم لا غير ، فهدى الله عمر الفاروق لذلك دون غيره من الصحابة فمنعهم من احظارهما ، فيجب - على هذا - عد تلك الممانعة في جملة موافقاته لربه تعالى وتكون من كراماته رضي الله عنه .

قال رحمه الله : هكذا أجاب بعض الأعلام ( ثم قال ) : لكن الإنصاف ان قوله عليه السلام : لا تضلوا بعده يأبى ذلك ، لأنه جواب ثان للأمر ، فمعناه انكم ان أتيتم بالدواة والبياض وكتبت لكم ذلك الكتاب لا تضلوا بعده ، ولا يخفى ان الأخبار بمثل هذا الخبر لمجرد الاختبار انما هو من نوع الكذب الواضح الذي يجب تنزيه كلام الأنبياء عنه ، ولا سيما في موضع يكون ترك إحضار الدواة والبياض أولى من احضارهما .

( قال ) : على أن في هذا الجواب نظرا من جهات أخر ، فلابد هنا من اعتذار آخر . قال : وحاصل ما يمكن أن يقال : ان الأمر لم يكن أمر عزيمة وإيجاب حتى لا تجوز مراجعته ويصير المراجع عاصيا ، بل كان أمر مشورة ، وكانوا يراجعونه عليه السلام في بعض تلك الأوامر ولاسيما عمر فانه كان يعلم من

=> والتعليق عليه وقد طبع مع التعليق في بغداد وذلك برعاية وأمر السيد الأستاذ الشهيد الإمام السيد محمد باقر الصدر ( قدس ) وطبع أخيرا في بيروت . فمن أراد الاطلاع على الحقيقة الناصعة فعليه بمراجعة الكتاب مع تعليقته ( سبيل النجاة في تتمة المراجعات )

- ص 157 -


نفسه أنه موفق للصواب في ادراك المصالح ، وكان صاحب الهام من الله تعالى وقد أراد التخفيف عن النبي إشفاقا عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض والوجع وقد رأى رضي الله عنه أن ترك إحضار الدواة والبياض أولى .

وربما خشي أن يكتب النبي عليه السلام أمورا يعجز عنها الناس فيستحقون العقوبة بسبب ذلك ، لانها تكون منصوصة لا سبيل إلى الاجتهاد فيها . ولعله خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحة ذلك الكتاب . لكونه في حال المرض فيصير سببا للفتنة ، فقال : حسبنا كتاب الله لقوله تعالى : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) ( 214 ) وقوله : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ( 215 ) وكأنه رضي الله عنه أمن من ضلال الأمة ، حيث أكمل الله لها الدين وأتم عليها النعمة .

قال رحمه الله : هذا جوابهم وهو كما ترى ، لان قوله عليه السلام : لا تضلوا يفيد ان الأمر أمر عزيمة وإيجاب ، لان السعي فيما يوجب الأمن من الضلال واجب مع القدرة بلا ارتياب ، واستياؤه صلى الله عليه وآله منهم ، وقوله لهم قوموا حين لم يمتثلوا أمره دليل آخر على أن الأمر انما كان للإيجاب لا للمشورة .

قال : [ فان قلت : ] لو كان واجبا ما تركه النبي عليه السلام بمجرد مخالفتهم ، كما انه لم يترك التبليغ بسبب مخالفة الكافرين .

فالجواب : أن هذا الكلام لو تم فانما يفيد كون كتابة ذلك الكتاب لم تكن واجبة على النبي بعد معارضتهم له عليه السلام ، وهذا لا ينافي وجوب الإتيان بالدواة والبياض عليهم حين أمرهم النبي به ، وبين لهم أن فائدته الأمن من الضلال إذ الأصل في الأمر انما هو الوجوب

( 214 ) سورة الأنعام : 38 . ( 215 ) سورة المائدة آية : 3 ( * ) .

أبو طالب
04-27-2006, 08:36 PM
- ص 158 -


على المأمور لا على الأمر ، ولاسيما إذا كانت فائدته عائدة إلى المأمور خاصة والوجوب عليهم هو محل الكلام ، لا الوجوب عليه . قال : على انه يمكن أن يكون واجبا عليه أيضا ، ثم سقط الوجوب عنه بعدم امتثالهم وبقولهم هجر ، حيث لم يبق لذلك الكتاب أثر سوى الفتنة كما قلت حرسك الله .

قال رحمه الله : وربما اعتذر بعضهم بأن عمر رضي الله عنه ومن قالوا يومئذ بقوله لم يفهموا من الحديث ان ذلك الكتاب سيكون سببا لحفظ كل فرد من أفراد الأمة من الضلال على سبيل الاستقصاء ، بحيث لا يضل بعده منهم أحد أصلا ، وانما فهموا من قوله لا تضلوا أنكم لا تجتمعون على الضلال بقضكم وقضيضكم ، ولا تتسرى الضلالة بعد كتابة الكتاب إلى كل فرد من أفرادكم ، وكانوا رضي الله عنهم يعلمون ان اجتماعهم بأسرهم على الضلال مما لا يكون أبدا وبسبب ذلك لم يجدوا أثرا لكتابته ، وظنوا ان مراد النبي ليس الا زيادة الاحتياط في الأمر لما جبل عليه من وفور الرحمة ، فعارضوه تلك المعارضة ، بناء منهم أن الأمر ليس للإيجاب وأنه انما هو أمر عطف ومرحمة ليس الا ، فأرادوا التخفيف عن النبي بتركه . إشفاقا منهم عليه صلى الله عليه وآله .

قال : هذا كل ما قيل في الاعتذار عن هذه البادرة ، لكن من أمعن النظر فيه جزم ببعده عن الصواب لان قوله عليه السلام : لا تضلوا يفيد أن الأمر للإيجاب كما ذكرنا واستياؤه منهم دليل على أنهم تركوا أمرا من الواجبات عليهم ، وأمره إياهم بالقيام مع سعة ذرعه وعظيم تحمله ، دليل على أنهم انما تركوا من الواجبات ما هو أوجبها وأشدها نفعا ، كما هو معلوم من خلقه العظيم .

قال : فالأولى ان يقال في الجواب : هذه قضية في واقعة كانت منهم على

- ص 159 -


خلاف سيرتهم كفرطة سبقت ، وفلتة ندرت ، لا نعرف وجه الصحة فيها على سبيل التفصيل ، والله الهادي إلى سواء السبيل ( 216 ) .

قلت : قد استفرغ شيخنا وسعه في الاعتذار عن هذه المعارضة ، وفي حمل المعارضين فيها على الصحة ، فلم يجد إلى ذلك سبيلا ، لكن علمه واعتداله وإنصافه وكل ذلك أبى عليه الا أن يصدع برد تلك الترهات ، ولم يقتصر في تزييفها على وجه واحد حتى استقصى مالديه من الوجوه ، شكر الله حسن بلائه في ذلك .

[ تزييف الأعذار من نواحي أخر ]

وحيث كان لدينا في رد تلك الأعذار وجوه أخر ، أحببت يومئذ عرضها عليه ، وجعلت الحكم فيها موكولا إليه . فقلت : قالوا في الجواب الأول : لعله صلى الله عليه وآله حين أمرهم بإحضار الدواة لم يكن قاصدا لكتابة شئ من الأشياء ، وانما أراد مجرد اختبارهم لا غير .

فنقول - مضافا إلى ما أفدتم - : ان هذه الواقعة انما كانت حال احتضاره - بأبي وأمي - كما هو صريح الحديث ، فالوقت لم يكن وقت اختبار ، وانما كان وقت أعذار وإنذار ، ونصح تام للأمة ، والمحتضر بعيد عن الهزل والمفاكهة مشغول بنفسه ومهماته ومهمات ذويه ولاسيما إذا كان نبيا .

وإذا كانت صحته مدة حياته كلها لم تسع اختبارهم ، فكيف يسعها وقت احتضاره . على أن قوله صلى الله عليه وآله - حين أكثروا اللغو واللغط والاختلاف عنده - :

( 216 ) كتاب المراجعات لشرف الدين مراجعة - 87 - وص 357 - 360 ط بيروت . ( * )

- ص 160 -


" قوموا " ظاهر في استيائه منهم ، ولو كان الممانعون مصيبين لاستحسن ممانعتهم وأظهر الارتياح إليها . ومن ألم بأطراف هذا الحديث ، ولاسيما قولهم : " هجر رسول الله " يقطع بأنهم كانوا عالمين أنه انما يريد أمرا يكرهونه ، ولذا فاجؤوه بتلك الكلمة وأكثروا عنده اللغو واللغط والاختلاف كما لا يخفى .

وبكاء ابن عباس بعد ذلك لهذه الحادثة وعدها رزية دليل على بطلان هذا الجواب .

قال المعتذرون : ان عمر كان موفقا للصواب في أدراك المصالح ، وكان صاحب الهام من الله تعالى . وهذا مما لا يصغى إليه في مقامنا هذا لأنه يرمي إلى ان الصواب في هذه الواقعة انما كان في جانبه ، لا في جانب النبي ، وأما الهامه يومئذ كان أصدق من الوحي الذي نطق عنه الصادق الأمين صلى الله عليه وآله .

وقالوا : بأنه أراد التخفيف عنه صلى الله عليه وآله إشفاقا عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض ، وأنت تعلم ان في كتابة ذلك الكتاب راحة قلب النبي ، وبرد فؤاده وقرة عينه ، وأمنه على أمته صلى الله عليه وآله من الضلال .

على ان الأمر المطاع ، والإرادة المقدسة مع وجوده الشريف انما هما له ، وقد أراد - بأبي وأمي - إحضار الدواة والبياض ، وأمر به فليس لأحد أن يرد أمره أو يخالف إرادته ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ) ( 217 ) .

على ان مخالفتهم لأمره في تلك المهمة العظيمة ، ولغوهم ولغطهم واختلافهم عنده كان أثقل عليه وأشق من املاء ذلك الكتاب الذي يحفظ أمته من الضلال

( 217 ) سورة الأحزاب آية : 36 ( * ) .

- ص 161 -


وإذا كان خائفا من المنافقين ان يقدحوا في صحة ذلك الكتاب ، فلماذا بذر لهم بذرة القدح ، حيث عارض ومانع وقال : " هجر " ؟ ! وأما قولهم في تفسير قوله : " حسبنا كتاب الله " : انه تعالى قال : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) وقال عز من قائل : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) فغير صحيح ، لان الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال ، ولا تضمنان الهداية للناس ، فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتمادا عليهما ؟ ولو كان وجود القرآن العزيز موجبا للامن من الضلال ، لما وقع في هذه الأمة من الضلال والتفرق ما لا يرجى زواله ( 1 ) .

وقالوا في الجواب الأخير : ان عمر لم يفهم من الحديث ان ذلك الكتاب سيكون سببا لحفظ كل فرد من امته من الضلال ، وانما فهم انه سيكون سببا لعدم اجتماعهم - بعد كتابته - على الضلال .

( قالوا ) : وقد علم رضي الله عنه ان اجتماعهم على الضلال مما لا يكون أبدا ، كتب ذلك الكتاب أو لم يكتب ولهذا عارض يومئذ تلك المعارضة . وفيه مضافا إلى ما أشرتم إليه : ان عمر لم يكن بهذا المقدار من البعد

( 1 ) وأنت تعلم ان النبي صلى الله عليه وآله لم يقل : ان مرادي أن اكتب الأحكام ، حتى يقال في جوابه : حسبنا في فهمها كتاب الله تعالى ولو فرض ان مراده كان كتابة الأحكام ، فلعل النص عليها منه كان سببا للأمن من الضلال ، فلا وجه لترك السعي في ذلك النص اكتفاء بالقرآن ، بل لو لم يكن لذلك الكتاب الا الأمن من الضلال بمجرده لما صح تركه والاعراض عنه اعتمادا على ان كتاب الله جامع لكل شئ . وأنت تعلم اضطرار الأمة إلى السنة المقدسة وعدم استغنائها عنها بكتاب الله وان كان جامعا مانعا ، لان الاستنباط منه غير مقدور لكل أحد ، ولو كان الكتاب مغنيا عن بيان الرسول لما أمر الله تعالى ببيانه للناس ، إذ قال عز من قائل : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 162 -


عن الفهم ، وما كان ليخفى عليه من هذا الحديث ما ظهر لجميع الناس ، لان القروي والبدوي انما فهما منه ان ذلك الكتاب لو كتب لكان علة تامة في حفظ كل فرد من الضلال ، وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث إلى إفهام الناس .

وعمر كان يعلم ان الرسول صلى الله عليه وآله لم يكن خائفا على أمته ان تجتمع على الضلال ، إذ كان يسمع قوله صلى الله عليه وآله : لا تجتمع أمتي على الضلال ، ولا تجتمع على الخطأ ، وقوله : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق . ( الحديث ) ( 218 ) .

وقوله تعالى : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) ( 219 ) إلى كثير من نصوص الكتاب والسنة الصريحة بأن الأمة لا تجتمع بأسرها على الضلال ، فلا يعقل مع هذا ان يسنح في خاطر عمر أو غيره ان النبي صلى الله عليه وآله حين طلب الدواة والبياض كان خائفا من اجتماع أمته على الضلال .

والذي يليق بعمر أن يفهم من الحديث ما يتبادر منه الأذهان ، لا ما تنفيه صحاح السنة ومحكمات القرآن ، على ان استياء النبي صلى الله عليه وآله منهم المستفاد من قوله : " قوموا " دليل على ان الذي تركوه كان من الواجب عليهم ، ولو كانت معارضة عمر عن اشتباه منه في فهم الحديث كما زعموا ، لا زال النبي

( 218 ) قوله صلى الله عليه وآله : " . . . لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق . . . " . راجع : كنز العمال ج 1 / 185 ح 1030 و 1031 ط 2 وج 1 / 160 ح 910 ط 2 ، الدر المنثور للسيوطي ج 2 / 222 ط 1 .
( 219 ) سورة النور آية : 55 ( * ) .

- ص 163 -


صلى الله عليه وآله شبهته ، وأبان لهم مراده منه ، بل لو كان في وسع النبي أن يقنعهم بما أمرهم به لما آثر إخراجهم عنه . وبكاء ابن عباس وجزعه من أكبر الأدلة على ما نقول .

والإنصاف ان هذه الرزية لما يضيق عنها نطاق العذر ، ولو كانت - كما ذكرتم - قضية في واقعة ، كفلتة سبقت ، وفرطة ندرت ، لهان الأمر ، وان كانت بمجردها بائقة الدهر ، وفاقرة الظهر ( 220 ) ، والحق ان المعارضين انما كانوا ممن يرون جواز الاجتهاد في مقابل النص ، فهم في هذه المعارضة وأمثالها إذا مجتهدون ، فلهم رأيهم ولله تعالى رأيه ؟ .

[ أعجاب الشيخ بما قلنا ]

وما ان وقف شيخنا على ما قلناه في رد تلك الأعذار ، حتى كتب إلينا ما يلي : " قطعت على المعتذرين وجهتهم ، وملكت عليهم مذاهبهم ، وحلت بينهم وبين ما يرومون ، فلا موضع للشبهة فيما ذكرت ، ولا مساغ للريب في شئ مما به صدعت " إلى آخر ما قال . ( 221 ) .

( 220 ) كتاب المراجعات مراجعة - 88 - وص 360 - 364 ط بيروت .
( 221 ) كتاب المراجعات ص 364 ط بيروت .

أبو طالب
04-28-2006, 09:38 PM
المورد - ( 17 ) -

[ صلح الحديبية ( 1 ) ]

آثر رسول الله صلى الله عليه وآله الصلح يوم الحديبية على الحرب وأمر به عملا بما

( 1 ) الحديبية بالتخفيف تصغير حدباء ، وتشديدها غلط ، وهى بئر أو شجرة أو قرية أو أرض على تسعة أميال من مكة أكثر أرضها في الحرم ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 164 -


أوحى إليه ربه عز وعلا . وكانت المصلحة في الواقع ونفس الأمر توجبه ، لكنها خفيت على أصحابه فأنكره بعضهم عليه ، وعارضه فيه علانية بكل مالديه من قول ، فلم يعبأ صلى الله عليه وآله بمعارضتهم ومضى قدما في تنفيذ ما كان مأمورا به ، فكانت عاقبته من أحسن عواقب الفاتحين والحمد لله رب العالمين .

[ بيان هذه الحقيقة بشئ من التفصيل ]

خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة 6 للهجرة يريد العمرة ، وكان يخشى من قريش أن يتعرضوا له بحرب ، أو يصدوه عن البيت - كما فعلوا - فاستنفر الناس إلى العمرة معه ، فلباه من المهاجرين والأنصار وغيرهم من الأعراب ألف وأربعمائة رجل ( 1 ) فيهم مئتا فارس ، وساق معه الهدي سبعين بدنة ، ولم يخرج بسلاح الا سلاح المسافر - السيوف في القرب - ( 2 ) فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم هو وأصحابه منها ، ليأمن الناس حربه ، وليعلموا أنه انما خرج زائرا ، ومعظما له .

ثم سار حتى إذا كان في بعض الطريق علم صلى الله عليه وآله ان خالد بن الوليد في

( 1 ) وقيل أكثر من ذلك ، وقيل أقل منه ، وأخرج معه أم المؤمنين زوجته السيدة أم سلمة رضي الله عنها ، وتخلف عنه كثير من الأعراب منافقون ذمهم الله تعالى في سورة الفتح المنزلة في هذه الواقعة بعد انتهائها ( وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ) . وكان ممن خرج معه المغيرة بن شعبة وابن سلول وبايعاه مع من بايعه في الحديبية تحت الشجرة ( منه قدس ) .
( 2 ) فقال له عمر بن الخطاب : أتخشى يا رسول الله أبا سفيان وأصحابه ولم تأخذ للحرب عدتها ؟ فقال صلى الله عليه وآله : " لا أحمل السلاح معتمرا " ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 165 -


الغميم - موضع قرب مكة - في خيل لقريش فيها مئتا فارس ، طليعتهم عكرمة ابن أبي جهل فأخبر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه بذلك ، وأمرهم أن يأخذوا ذات اليمين ليسلك بهم غير طريق خالد ، فسلكوا بين ظهري الحمض ( 1 ) فما شعر بهم خالد : حتى رأى قترة جيشهم - غباره الاسود - ودنا خالد في خيله نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه ، فأمر صلى الله عليه وآله عباد بن بشر فتقدم في خيله إزاء خالد وخيله .

وحانت صلاة الظهر فصلاها رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه ، فقال المشركون لقد أمكنكم محمد وأصحابه من أنفسهم وهم في الصلاة ، فقال خالد نعم قد كانوا في غرة لو حملنا عليهم أصبنا منهم ، وستأتي الساعة صلاة أخرى ، هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم ، فأوحى الله عزوجل إلى نبيه صلى الله عليه وآله : ( وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا * وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 2 ) ) .

( 1 ) الحمض بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة موضع يخرج على مهبط الحديبية ( منه قدس ) .
( 2 ) الآية 102 - 104 من سورة النساء ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 166 -


فصلى رسول الله فريضة العصر بأصحابه صلاة الخوف المشروعة بهذه الايات ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ) ( 1 ) .

[ شراسة قريش وحكمة النبي صلى الله عليه وآله ]

لقي رسول الله صلى الله عليه وآله في الحديبية حين أتاها أذى كثيرا من المشركين ، وغلظة وجفاء ومكاشفة له ولأصحابه في العداوة والبغضاء ، ولقي المشركون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله مثل ذلك وأشد عملا منهم رضي الله عنهم بقوله تعالى : ( وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ) ، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسع المشركين بحلمه الموحى يومئذ إليه من ربه عز وعلا بحكمته التي فطر عليها ، وبخلقه العظيم الذي فضله الله به على سائر النبيين والمرسلين عليه وآله وعليهم السلام .

صده المشركون عن مكة صدا شكسا شرسا لئيما ، فما استخفه بذلك غضب ، ولا روع حلمه رائع ، كان يأخذ الأمور - مع أولئك الجفاة - بالملاينة والإغماض ، وله في شأنهم كلمات متواضعة ، على ان فيها من الرفعة والعلاء ما يريهم إياه فوق الثري ، ويريهم أنفسهم تحت الثرى ، وفيها من النضج لهم و الإشفاق عليهم ما لم يكن فيه ريب لأحد منهم ، ومن الحكمة الإلهية ما يأخذ بمجامع قلوبهم - على قسوتها وغلظتها - باجتياحهم إليه ، ومن الوعيد والتهديد باستئصال جذرتهم وبذرتهم ما يقطع نياط قلوبهم ( 222 ) .

( 1 ) سورة الأحزاب / 25 .
( 222 ) سياسة الرسول صلى الله عليه وآله مع قريش : راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 692 و 693 - 697 و 699 ، السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 315 و 316 و 317 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 136 ط دار الكتاب العربي ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 96 .

- ص 167 -


واليك بعض المأثور عنه من ذلك . فأمعن به لتقف على أهدافه ، قال صلى الله عليه وآله : " يا ويح قريش نهكتهم الحرب فماذا عليهم لو خلوا بيني وبين العرب ، فان هم أصابوني كان الذي أرادوه ، وان أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين ، وان أبوا قاتلوني وبهم قوة ؟ فما تظن قريش فوالله الذي لا اله إلا هو لا أزال أجاهد على الذي بعثني به ربي حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ! " ( 223 ) - وهي صفحة العنق كناية عن قتله - .

وقال صلى الله عليه وآله يطمعهم في خلقه الكريم وفضله العميم : " والذي نفس محمد بيده لا تدعوني اليوم قريش إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها " ( 224 ) .

أعلن رحمته هذه بكلماته هذه الحكيمة الرحيمة ، ثم جمع أصحابه يستشيرهم في حرب قريش إذا أصروا على صده عن البيت ، فكان جلهم - ان لم يكونوا كلهم - متأهبين للقتال ، متعبئين لجهاد قريش وغيرها ، مندفعين إلى ذلك ، و نهض المقداد أثنا اندفاعهم يتكلم بلسان الجميع ، فقال : " يا رسول الله نحن لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : اذهب أنت وربك فقاتلا انا هيهنا قاعدون ، وانما نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم مقاتلون ، والله

( 223 ) راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 692 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 136 ط دار الكتاب العربي .
( 224 ) راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 693 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 136 ط دار الكتاب العربي . وقريب منه في : الطبقات لابن سعد ج 2 / 96 ( * ) .

- ص 168 -


يا رسول الله لو سرت بنا إلى برد الغماد ( 1 ) لسرنا معك ما بقي منا رجل " ( 225 ) فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وآله . ثم اخذ منهم البيعة فبايعوه بأجمعهم على الموت في نصرته ، وكانوا ألفا وأربعمائة رجل ، فيهم كهف المنافقين ابن سلول ( 2 ) لم يتخلف منهم عن هذه البيعة إلا

( 1 ) حصن في اليمن من أمنع حصون العرب كان مسيرهم إليه مسيرا إلى الموت لا محالة لشدة حصانته في نفسه وفى بأس حاميته - وكانت يومئذ على الشرك - مضافا إلى وعورة طرقه ، وحزونة ما حوله من الجبال ( منه قدس ) .
( 225 ) موقف مقداد المشرف : قال : " يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ( فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - يعنى مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم خيرا ودعا له بخير " . راجع : تاريخ الطبري ج 2 / 273 ط دار القلم ، الكامل في التاريخ ج 2 / 83 ط دار الكتاب العربي ، السيرة الحلبية ج 2 / 692 ط مصطفى الحلبي .
( 2 ) ذكر أهل السير والأخبار ممن أرخ غزوة الحديبية - واللفظ للحلبي في سيرته - : ان قريشا بعثت إلى ابن سلول - وهو مع رسول الله في الحديبية - ان أحببت أن تدخل - مكة - تطوف بالبيت فافعل . فقال له ابنه عبد الله رضى الله عنه يا أبت أذكرك الله أن لا تفضحنا في كل موطن فتطوف ولم يطوف رسول الله ؟ فأبى الرجل حينئذ وقال : لا أطوف حتى يطوف رسول الله ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك رضى عنه وأثنى عليه ، فابن سلول إذا ممن بايع تحت الشجرة إذ لم يتخلف أحد عن هذه البيعة ممن كان مع رسول الله في الحديبية إلا الجد بن قيس الأنصاري بإجماع أهل الأخبار ( منه قدس ( * ) .

أبو طالب
04-28-2006, 09:58 PM
- ص 169 -


رجل يدعى الجد بن قيس الأنصاري ( 1 ) دون غيره من أمثاله ( 226 ) .

[ رعب المشركين وطلبهم للصلح ]

ما بلغ قريشا هذه البيعة - وهي بيعة الرضوان ( 2 ) - حتى انخلعت قلوبهم ، وملئت صدورهم رعبا ، ولاسيما بعد خروج عكرمة بن أبي جهل على المسلمين يومئذ في خمسمائة فارس ، فبعث النبي صلى الله عليه وآله - كما في الكشاف - من هزمه

( 1 ) ففي السيرة الحلبية عن سلمة بن الاكوع ، قال : بايعنا الرسول على الموت ولم يتخلف إلا الجد بن قيس لكأني أنظر إليه لاصقا بابط ناقته يستتر بها من الناس ( منه قدس ) .
( 226 ) مبايعة الصحابة للرسول ما عدى الجد بن قيس الأنصاري : راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 701 ط الحلبي ، السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 319 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 138 ط دار الكتاب العربي ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 100 .
( 2 ) كانت تحت شجرة من سمر فقيل عنها بيعة الشجرة وأضيفت إلى الرضوان لقوله تعالى في شأن المؤمنين من المبايعين يومئذ : ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) إلى قوله عز من قائل في آخر السورة عنهم : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) .
بخ بخ طوبى وحسن مآب للمقيمين من هؤلاء على الإيمان والعمل الصالح حتى لقوا ربهم عزوجل اختصهم الله تعالى بالرضا عنهم والثناء العظيم في محكمات القرآن عليهم ، ووعدهم - دون غيرهم من المبايعين - بالمغفرة والأجر العظيم . فالآية هذه هي على حد قوله عزوجل في آية أخرى تختص بأمهات المؤمنين ( وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) وهدفها انما هو الهدف الذى يرمى إليه قوله عز من قائل : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) ، وما أغنى أولياء الله عما افتأته لهم المفتئون من أحاديث يضرب بها عرض الجدار بمخالفتها لمحكمات القرآن الحكيم ( منه قدس ) ( * ) .


- ص 170 -


وأصحابه وأدخلهم حيطان مكة ، وعن ابن عباس أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوه البيوت ، وعلموا أنهم لا قبل لهم بمحمد صلى الله عليه وآله و أصحابه . ( 1 )

فاضطر حينئذ أهل الرأي والمشورة منهم إلى طلب الصلح من رسول الله وكان قد بلغهم قوله : " والذي نفس محمد بيده لا تدعوني اليوم قريش إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها " فأرسلوا إليه عدة من كبارهم كان على رأسهم سهيل بن عمرو بن عبد ود العامري يمثلهم جميعا لدى رسول الله صلى الله عليه وآله في طلب المهادنة على شروط اشترطوها كانت ثقيلة على المسلمين إلى الغاية ، فأبوها كل الإباء ، وأسرف بعضهم في إنكارها .

لكن المشركين تشبثوا في اشتراطها باطلاق الخطة التي وعد رسول الله صلى الله عليه وآله بإعطائهم إياها متى دعوه إلى ذلك ، وكان صلى الله عليه وآله مأمورا بهذا الوعد ، وبالعمل على مقتضاه وانما قبل شروطهم على ما فيها من الشدة عملا بالوحي ، وبما توجبه المصلحة التي كان الله عزوجل بها عليما ، وقد علمها الجميع بعد ذلك واعترفوا بها ( 227 ) ، ستسمعه ان شاء الله تعالى .

[ أنفة عمر من شروط الصلح ]

وما أن تقرر الصلح بين الفريقين على تلك الشروط حتى وثب عمر بن الخطاب وقد أدركته الحمية ، ونزت في رأسه سورة الانفة فأتى أبا بكر وقد استشاط غيظا وغضبا . فقال ( 2 ) : " يا أبا بكر أليس هو برسول الله ؟ . قال : بلى

( 1 ) الكشاف للزمخشري ج 3 / 547 .
( 227 ) السيرة الحلبية ج 2 / 705 - 706 .
( 2 ) كما في السيرة الحلبية وغيرها من كتب الاخبار ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 171 -


قال أو لسنا بالمسلمين ؟ . قال : بلى . قال : أليسوا بالمشركين ؟ . قال : بلى قال : فعلى م نعطي الدنية في ديننا . فقال له أبو بكر : أيها الرجل انه رسول الله وليس يعصي ربه ، وهو ناصره استمسك بغرزه ( 1 ) حتى تموت ، فأني أشهد أنه رسول الله ( 2 ) . . ( الحديث ) ( 228 ) .

وأخرج مسلم - في باب صلح الحديبية من الجزء الثاني من صحيحه - انه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله : " ألسنا على حق وهم على الباطل ؟ . قال رسول الله بلى . قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ . قال : بلى . قال : ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ ! . فقال صلى الله عليه وآله : يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا .

( قال ) : فانطلق عمر فلم يصبر متغيظا فأتى أبا بكر فقال يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل ؟ ! قال : بلى قال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ ! قال : بلى . قال : فعلى م نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ . فقال يابن الخطاب انه

( 1 ) الغرز ركاب من جلد يضع الراكب رجله فيه فيكون المعنى اعتلق به وأمسكه واتبع قوله وفعله ولا تخالفه ، فاستعار له الغرز كالذي يمسك بركاب الراكب ويسير بسيره ، وفى القاموس غرز كسمع أطاع السلطان بعد عصيان ، وعلى هذا فلفظ غرزه هنا مصدر غرز فيكون المعنى استمسك بطاعته بعد هذا العصيان ( منه قدس ) .
( 2 ) وي كأنه أوجس منه شكا في الرسالة ( منه قدس ) .
( 228 ) راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 706 ط الحلبي ، السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 320 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية ج 2 / 177 و 184 ط البهية بمصر . وقريب منه في : شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 12 / 59 ط بتحقيق أبو الفضل . ( * )

- ص 172 -


رسول الله ولن يضيعه أبدا " ( 229 ) ( الحديث ) .

وأخرجه غير واحد من أصحاب المسانيد بلهجة أشد من هذا .

وأخرج البخاري - في آخر كتاب الشروط من صحيحه ( 1 ) - حديثا جاء فيه أنه قال : فقلت ألست نبي الله حقا . قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : إني رسول الله ولست أعصيه ( 2 ) وهو ناصري . ( قال ) قلت : أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به . قال : بلى . أفأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فانك آتيه ومطوف به ( 3 ) .

( 229 ) راجع : صحيح مسلم ك الجهاد والسير ب 34 ج 3 / 1412 ح 1785 ، صحيح البخاري ك التفسير سورة 48 ج 6 / 170 ط مطابع الشعب ، تفسير القرطبي ج 16 / 277 ، فتح القدير للشوكاني ج 5 / 55 ، الطرائف لابن طاوس ج 2 / 440 عن عدة مصادر .
( 1 ) ص 81 من جزئه الثاني ( منه قدس ) .
( 2 ) قوله : ولست أعصيه صريح بما قلناه آنفا من أنه كان مأمورا من الله تعالى بالصلح على الوجه الذي وقع ( منه قدس ) .
( 3 ) فلما كان عام الفتح وأخذ المفتاح قال صلى الله عليه وآله - كما في السيرة الحلبية وغيرها - : ادعوا لي عمر بن الخطاب فلما أتاه قال : يا عمر هذا الذي قلت لكم ، ولما كان في حجة الوداع ووقف صلى الله عليه وآله بعرفة استدعى عمر أيضا فقال له : هذا الذي قلت لكم آه‍ . ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 173 -


قال : فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبا بكر هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ . قال : أيها الرجل انه لرسول الله وليس يعصي ربه ( 1 ) وهو ناصره فاستمسك بغرزه ، فوالله انه لعلى الحق .

( قال ) فقلت : أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى . أفأخبرتك انك تأتيه العام .

( قال ) قلت : لا . قال : فانك آتيه ومطوف به . قال عمر : فعملت لذلك أعمالا ( 2 ) . قال : فلما فرغ - رسول الله صلى الله عليه وآله - من الكتاب - الذي كتب يومئذ في الصلح - قال صلى الله عليه وآله لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا

( قال ) : فوالله ما قام منهم رجل ، حتى قال ذلك ثلاث مرات ( 3 ) فلما لم يقم منهم أحد دخل خباءه ثم خرج فلم يكلم أحدا منهم بشئ حتى نحر بدنة بيده ، ودعا حالقه فحلق رأسه ، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا " . ( 230 ) الحديث .

وأخرجه الإمام أحمد - من حديث المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم - في مسنده .

( 1 ) قول أبى بكر هنا : وليس يعصى ربه دليل على أنه كان عالما بأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان مأمورا بالصلح على الذي وقع ( منه قدس ) .
( 2 ) لا تخفى دلالة كلمته هذه على أن أعماله كانت عظيمة في مصادرة الصلح وبسببها لم يمتثلوا أمره صلى الله عليه وآله إياهم بالنحر حتى أمرهم بذلك ثلاثا كما ستسمعه بالأصل ( منه قدس ) .
( 3 ) ابتلى الإمام أبو محمد الحسن الزكي السبط سيد شباب أهل الجنة في صلحه مع معاوية بمثل ما ابتلى به جده صلى الله عليه وآله في هذا الصلح وله فيه أسوة حسنة ( منه قدس ) .
( 230 ) راجع : صحيح البخاري ك الشروط باب الشروط في الجهاد ج 2 / 122 ط دار الكتب العربية بحاشية السندي وج 3 / 256 ط مطابع الشعب ، مسند أحمد ج 4 / 330 ط 1 ( * ) .

أبو طالب
04-28-2006, 10:04 PM
- ص 174 -


ونص الحلبي في غزوة الحديبية من سيرته وغير واحد من أهل الأخبار : ان عمر جعل يرد على رسول الله الكلام . فقال له أبو عبيدة ابن الجراح : ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ما يقول نعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( 231 ) ( قال الحلبي وغيره ) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ : يا عمر إني رضيت وتأبى ( 232 ) ! ونقل الحلبي وغيره : ان عمر كان بعد ذلك يقول ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به ( 233 ) . إلى آخر ما هو مأثور عنه في هذه القضية .

[ تنفيذ خطة الصلح ]

لكن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يأبه يومئذ لمعارضة من عارضه في إنقاذ الخطة التي كان مأمورا بها - خطة الصلح بتلك الشروط الثقيلة - فاستدعى عليا لتسجيل كتابها . فقال له : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل بن عمرو : لا نعرف هذا فليكتب باسمك اللهم . فضج المسلمون وقالوا : والله لا يكتب إلا ما أمر به رسول الله لكن رسول الله قطع النزاع بقوله لعلي : اكتب باسمك اللهم . فكتبها علي ممتثلا أمره صلى الله عليه وآله ثم قال له النبي : اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو .

فقال سهيل : لو كنا نعلم انك رسول الله ما قاتلناك ولا صددناك عن البيت ، ولكن ليكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ، سهيل بن عمرو ، فقامت قيامة المسلمين في الإنكار على سهيل بذلك وأبوا إلا أن يكتب رسول الله كل

( 231 ) السيرة الحلبية ج 2 / 706 .
( 232 ) السيرة الحلبية ج 2 / 706 ، السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 320 .
( 233 ) السيرة الحلبية ج 2 / 706 ( * ) .

- ص 175 -


الإباء ، وكادت الفتنة أن تقع لولا ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال : أنا محمد رسول الله ، وان كذبتموني ، وأنا محمد بن عبد الله ، فاكتب يا علي : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو فكتبها علي متغيضا متزفرا . فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : ان لك يا أبا الحسن مثلها أو أنه قال : ستسام يا أبا الحسن مثلها فتجيب وأنت مضطهد ( 234 ) .

وكان الصلح على أن يرجع رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه من الحديبية ، فإذا كان العام القابل تخرج قريش من مكة فيدخلها رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه فيقيم بها ثلاثا ، وليس معه من السلاح سوى السيوف في القرب ، وأن توضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ( 1 ) يأمن فيها الناس ، ويكف فيها بعضهم عن بعض ، وأنه من أحب من العرب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ( 2 ) وأن يكون بين الفريقين عيبة

( 234 ) هذه الكلمة من رسول الله صلى الله عليه وآله معدودة عند المسلمين كافة من أعلام النبوة وآيات الإسلام والتفصيل في السيرة الحلبية والدحلانية وغيرهما من كتب السير والأخبار فلتراجع ( منه قدس ) . راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 706 - 707 ، الكامل في التاريخ ج 2 / 138 ط دار الكتاب العربي ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش الحلبية ج 2 / 177 - 178 ط البهية بمصر . وقريب منه في : الكشاف ج 3 / 549 ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 97 .
( 1 ) وقيل سنتين ، وفى رواية صححها الحاكم أربع سنين ( منه قدس ) .
( 2 ) فدخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وآله وعهده ، وكانوا من قبل حلفاء جده عبد المطلب ، ودخلت بكر في عقد قريش وعهدها ، ثم كان بين خزاعة وبكر حرب أمدت قريش فيه حلفاءها - أعنى بني بكر - على حلفاء رسول الله - أعنى خزاعة - وبذلك =>

- ص 176 -


مكفوفة : " أي صدور منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة " وأنه لا اسلال ولا اغلال ( أي لا سرقة ولا خيانة ) وأنه من أتى محمدا من قريش ممن هو على دين محمد بغير اذن وليه رد إليه ، ومن أتى قريشا ممن كان مع محمد فارتد عن الإسلام لا ترده قريش إليه ، فقال المسلمون : سبحان الله كيف نرد للمشركين من جاءنا منهم مسلما ؟ ! وعظم عليهم هذا الشرط ، فقالوا : يا رسول الله أتكتب هذا على نفسك ؟ ! قال : نعم انه من ذهب منا مرتدا أبعده الله ، ومن جاءنا مسلما فرددناه إليهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا .

فبينا رسول الله صلى الله عليه وآله هو وسهيل بن عمرو يكتبان الكتاب بالشروط المذكورة إذ جاء أبو جندل - واسمه العاص - بن سهيل بن عمرو إلى المسلمين يرسف في قيوده ، وكان أسلم بمكة قبل ذلك ، فمنعه أبوه من الهجرة وحبسه موثوقا ، وحين سمع أن النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه في الحديبية احتال حتى خرج من السجن ، وتنكب الطريق في الجبال حتى هبط على المسلمين ففرحوا به وتلقوه ، لكن أخذه أبوه بتلأبيبه يضرب وجهه ضربا شديدا ( 1 ) وهو يقول : يا محمد هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي .

فقال له النبي صلى الله عليه وآله : انا حتى الآن لم نفرغ من كتابة الكتاب . قال سهيل : إذن لا أصالحك على شئ . فقال له النبي صلى الله عليه وآله : فأجره لي . قال : ما أنا بمجيره لك . قال : بلى فافعل . قال : ما أنا بفاعل . فقال مكرز بن حفص وحويطب بن عبدالعزى وهما من وجوه قريش . قد أجرناه لك يا محمد

=> نقضت قريش ما عاهدت عليه رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الحديبية ، وبهذا استباح رسول الله صلى الله عليه وآله غزو قريش فكان الفتح المبين والنصر العزيز والحمد لله رب العالمين ( منه قدس ) .
( 1 ) والمسلمون يبكون رحمة له متذمرين إلى الغاية ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 177 -


فأخذاه وأدخلاه فسطاطا وكفا أباه عنه . ثم قال سهيل : يا محمد قد تمت القضية ووجبت بيني وبينك قبل أن يأتي ابني اليك . قال : صدقت . وحينئذ قال صلى الله عليه وآله لأبي جندل . اصبر واحتسب فقد تم الصلح قبل أن تأتي ، ونحن لا نغدر وقد تلطفنا بأبيك فأبى ، وان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا .

وهنا وثب عمر بن الخطاب إلى أبي جندل يغريه بقتل أبيه ، ويدني إليه السيف . قال عمر - كما في السيرة الدحلانية وغيرها - . رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه وجعل يقول له : أن الرجل يقتل أباه ، والله لو أدركنا آباءنا لقتلناهم ، لكن أبا جندل لم يجبه إلى قتل أبيه خشية الفتنة ( 1 ) وعملا بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله من الصبر والاحتساب ( 2 ) وقال لعمر . مالك لا تقتله أنت ؟ قال عمر . نهانا رسول الله عن قتله وقتل غيره ( 3 ) فقال أبو جندل . ما أنت أحق بطاعة رسول الله مني ( 4 ) . ورجع مع أبيه إلى مكة في جوار مكرز وحويطب فأدخلاه مكانا وكفا * ( هامش ) *

.................................................. ..........

( 1 ) إذ لو قتل يومئذ سهيل لكان بين قريش والمسلمين فتنة تجتاحهما جميعا ويكون شرها مستطيرا فالحمد لله على العافية ( منه قدس ) .
( 2 ) لا يخفى ما في اغراء أبى جندل بقتل أبيه من المعارضة لرسول الله صلى الله عليه وآله في أمره إياه بالصبر والاحتساب ( منه قدس ) .
( 3 ) لا يخفى ما في إغراء أبى جندل بقتل أبيه من معارضة رسول الله صلى الله عليه وآله في نهيه إياهم عن قتل سهيل وغيره ، فهنا معارضتان لرسول الله صلى الله عليه وآله أحداهما في أمره ، والثانية في نهيه ( منه قدس ) .
( 4 ) ولأبي جندل هذا أخ هو عبد الله بن سهيل بن عمر ، كان إسلامه سابقا على إسلام شقيقه أبى جندل ، لان عبد الله خرج مع المشركين إلى بدر ، وكان قبل ذلك مسلما لكنه كتم إسلامه حتى أتى بدرا فانحاز فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشهد معه بدرا والمشاهد كلها ، أما أبو جندل فأول مشاهده الفتح ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 178 -


عنه أباه وغيره ، وفاء بالجوار ، وجعل الله بعد ذلك له ولسائر المستضعفين من المؤمنين فرجا ومخرجا ، ( 235 ) كما ستسمعه ان شاء الله تعالى قريبا ، والحمد لله الذي نصر عبده ، وأنجز وعده .

[ عائدة الصلح ]

كفى بالصلح عائدة انه كان سببا في اختلاط المسلمين بالمشركين ، فكان المشركون يأتون بعده إلى المدينة ، كما ان المسلمين كانوا يأتون مكة .

فإذا جاء المشركون إلى المدينة ، ورأوا رسول الله بهرهم صلى الله عليه وآله بأخلاقه وقدسي سيرته ، وعظم في أنفسهم أمره ، هديا ورأيا وسمتا ونعتا ، وقولا وفعلا وراقهم الإسلام بشرائعه وأحكامه ، من حلاله وحرامه ، وعباداته ومعاملاته ، وسائر نظمه ، وبالغ حكمه ، وملكهم القرآن بآياته وبيناته ، فأخذ بسمعهم و أبصارهم وأفئدتهم ، وأدهشهم أصحاب رسول الله بتعبدهم بأوامره وزواجره فإذا هؤلاء على مقربة من الإيمان ، بعد ان كانوا قبل صلح الحديبية في منتهى العمه والطغيان ، وإذا هم يرجعون إلى اهليهم كمبشرين بمحمد ومنذرين بفتحه .

وإذا أتى المسلمون مكة وخلوا بأرحامهم وأصدقائهم لا يألونهم نصحا ودعاية إلى الله ورسوله بما يوقفونهم عليه من اعلام النبوة وآيات الإسلام ، وما في

( 235 ) صبر أبى جندل في سبيل الله : راجع : السيرة الحلبية ج 2 / 708 - 711 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية ج 2 / 182 ط البهية . وقريب منه : في الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ط دار الكتاب العربي ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 97 .

- ص 179 -


القرآن الحكيم من علم وحكمة ، ونظم اجتماعية ، وسنن وفرائض وآداب وأخلاق ، ومواعظ وعبر ، وأخبار الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، فإذا هؤلاء أيضا مبشرون - ببطن مكة - ومنذرون ، وقد كان لعملهم هذا أثره العظيم في تسهيل أمر الفتح ، بلا قتال ولا ممانعة ، والحمد لله .

وهناك من فوائد الصلح ما حصل بمجرد اجتماع المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الحديبية ، ووقوفهم على هديه وخلقه بإمعان ، وكان أكثر قريش - إذ ذاك - لا يعرفون منهما شيئا ، ولاسيما شبابهم ، إذ كان أبو جهل والوليد وأبو سفيان وشيبة وعتبة وأمثالهم من مشيخة الأوثان والجاهلية أرجفوا برسول الله صلى الله عليه وآله وتسنى لهم تسميم الرأي العام الجاهلي فيه ، وقد أجلبوا عليه بكل مالديهم من حول وطول ، وبكل ما يستطيعونه من فعل وقول ، ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا أن يتم نوره .

قصدوه وهو في دار هجرته محاربين ليقتلوه وأصحابه ، وليستأصلوا شأفة الذين آووه ونصروه بغيا وعدوانا ، فنصره الله عليهم في بدر وأحد والأحزاب ( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( 236 ) .

لكن ظل أهل مكة - بعد هذه الحروب - على ضلال رأيهم المسموم في رسول الله صلى الله عليه وآله إذ لم تره أعينهم بعد الهجرة ، ولم يبلغهم عنه الا ما سمعوه من أولئك المرجفين ، فلما كان يوم الحديبية ، واختلطوا به وبأصحابه ، رأوا منه خلقا عظيما . كانوا كلما تبغضوا إليه بجفاء وسوء صنع ، تحبب إليهم بحنو وعاطفة وحسن صنع ، فإذا قسوا وأغلظوا له لان وخفض لهم جناح الرحمة ، مستمرا

( 236 ) سورة الأنعام : 45 ( * ) .

- ص 180 -


معهم على هذه الحال ، يقابل اساءتهم باللقيا عليهم ، والإحسان إليهم ؟ عملا بقوله تعالى ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ( 237 ) .

كان النبي صلى الله عليه وآله يومئذ قادرا على دخول مكة وزيارة البيت عنوة ، بدليل قوله تعالى في هذه الواقعة : ( وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ) ( 238 ) وقوله فيها أيضا عز من قائل ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ) ( 239 ) .

وكان المشركون على يقين من ظفره عليهم لو قاتلهم صلى الله عليه وآله وقد علموا بإصرار أصحابه عليه في القتال ، وأنه أبى عليهم ذلك كل الإباء ، إيثارا للسلم وحسن عواقبه ، وحقنا للدماء ، واحتراما للحرم ، واحتياطا على حرماته ، وأدركت قريش إشفاقه عليها ، ورعايته لحقوقها الرحيمة منه ، وانه لذلك " قبل المهادنة على ما فيها من الشروط القاسية " لم تأخذه الانفة من صدهم إياه عن المسجد الحرام ، وإرجاعه - على حافزته بأصحابه رغما لكثير منهم - إلى المدينة . وهذا ما كان في نظر قريش كفارة له عما كان في بدر وأحد والأحزاب ، إذ تجلى يومئذ لهم - بكفه عن قتالهم - انه غير مسؤول عن شئ من ذلك ، وانما المسؤول عن تلك الدماء المسفوكة انما هم مشائخ قريش كأبي سفيان وأبي جهل وأضرابهما الذين غزوه - وهو في مهجره الذي فر منه إليه - فاضطروه إلى دفع عدوانهم عنه وعن أصحابه ، ولو كفوا عنه وعن الذين آووه ونصروه

( 237 ) سورة فصلت : 34 و 35 . ( 238 ) سورة الفتح : 22 . ( 239 ) سورة الفتح : 24 ( * ) .

أبو طالب
04-28-2006, 10:43 PM
- ص 181 -


لكف عنهم مقتصرا في دعوته إلى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة .

أطفأ رسول الله صلى الله عليه وآله - في الحديبية - وقدة قلوب هؤلاء المشركين ، واستل سخائمهم ، وأزال أضغانهم ، وأغراهم بسادتهم وكبرائهم ، حتى أيقنوا بعدوانهم عليه ، وجنايتهم على أنفسهم ، وبهذا لانت قلوبهم مطمئنة بحسن عواقبهم معه إذا انضموا إلى لوائه ، معتصمين بولائه ، حكمة بالغة ، أعقبت الفتح المبين ، والنصر العزيز ، ودخول الناس في دين الله أفواجا ( 240 ) .

[ رجوعه صلى الله عليه وآله إلى المدينة ]

كانت إقامته في الحديبية تسعة عشر يوما ، نقل بعدها إلى المدينة ، فلما كان بكراع الغميم - موضع بين الحرمين - نزلت عليه سورة الفتح ، وعمر لا يزال حينئذ آسفا من صد المشركين إياهم عن مكة ورجوعهم وهم على خلاف ما كانوا يأملون من الفتح ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله حين نزلت عليه السورة أن يزيل بث عمر ، ويذهب برحاء صدره .

فقال له - كما في صحيح البخاري بالإسناد إليه ( 1 ) - " لقد أنزلت علي سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس " ثم قرأ : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) . فقال رجل من أصحابه " ما هذا بفتح ( 2 ) لقد صددنا عن البيت ، وصد هدينا ، ورد رجلان من المؤمنين كانا خرجا إلينا " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " : بئس

( 240 ) السيرة الحلبية ج 2 / 711 .
( 1 ) من حديث تجده في باب غزوة الحديبية من الجزء الثالث من الصحيح ( منه قدس ) .
( 2 ) يا سبحان الله يقول الله تعالى : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) إلى آخر السورة ، ويتلوها رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه عن الله عزوجل ، وهذا الرجل يقول : ما هذا بفتح ؟ ! فمن هو هذا الرجل يا ترى ؟ ! ليتكم تعرفونه ( منه قدس ) ( * ).

- ص 182 -


الكلام هذا بل هو أعظم الفتح ، قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالبراح عن بلادهم ، ويسألوكم القضية ، ويرغبوا إليكم في الأمان ، وقد رأوا منكم ما كرهوا ، وأظفركم الله عليهم ، وردكم سالمين مأجورين ، فهو أعظم الفتوح أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم ؟ أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الإبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ؟ " . فقال المسلمون : صدق الله ورسوله ، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ، ولانت أعلم بالله وبأوامره منا ( 241 ) .

لكن قال عمر حينئذ : يا رسول الله ألم تقل انك تدخل مكة آمنا ؟ قال : بلى ، أفقلت لكم من عامي هذا ؟ قال : لا . . الحديث ( 242 ) .

وعن سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى الشعبي في قوله تعالى : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) قال : لم يكن في الإسلام فتح قبله أعظم منه ، فانه لما كانت الهدنة ووضع الحرب ، وأمن الناس بعضهم بعضا ؟ والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، لم يكلم أحد من المسلمين ذا عقل في تلك المدة

( 241 ) راجع قصة الحديبية من السيرة النبوية الدحلانية وغيرها تجد كلما قلناه بنصه ( منه قدس ) . معارضة الرسول صلى الله عليه وآله : الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 / 105 .
( 242 ) تجده في السيرة الحلبية وغيرها ( منه قدس ) . صحيح البخاري ، السيرة الحلبية ج 2 / 715 ، السيرة النبوية لزين دحلان . وذكر صدره في : الكشاف ج 3 / 541 ، تفسير القرطبي ج 16 / 260 ، سورة الفتح آية : 1 ( * ) .

- ص 183 -


بالإسلام الا دخل فيه ، وقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر ( قال ) : ويدلك عليه أنه صلى الله عليه وآله خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة ، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف

( قال ) : ومما ظهر من مصلحة الصلح أنه كان مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجا فكان صلح الحديبية مقدمة الفتح ، فسميت فتحا إذ مقدمة الظهور ظهور " آه ( 243 ) .

[ الفرج الذي وعد به المستضعفون ]

مر عليك حديث أبي جندل ، إذ احتال حتى خرج من السجن وتنكب الطريق يرسف في قيوده ، حتى هبط على النبي صلى الله عليه وآله وهو في الحديبية مستغيثا به ، وحيث لم يتمكن يومئذ من اغاثته اعتذر إليه وعزاه ، وأمره بالصبر والاحتساب ، فكان مما قاله له : " ان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا " ( 244 ) .

وكان في المستضعفين المعذبين في مكة رجل من أبطال المسلمين يدعى أبا بصير ( 245 ) احتال حتى خرج من السجن ففر هاربا إلى رسول الله و

( 243 ) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 / 324 ، الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ط دار الكتاب العربي .
( 244 ) الرسول صلى الله عليه وآله يعد المستضعفين بالفرج : الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ط دار الكتاب ، الطبقات لابن سعد ج 2 / 97 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية ج 2 / 192 ط البهية .
( 245 ) واسمه عتبة بن أسيد بن جارية بن أسيد الثقفى ترجم له أبو عمر يوسف بن عبد البر في الكنى من استيعابه وغير واحد من أصحاب المعاجم ، وقصته هذه ذكرها ابن =>

- ص 184 -


هو في المدينة بعد رجوعه من الحديبية ، فكتبت قريش في رده ، كتابا بعثت به رجلا من بني عامر يقال له خنيس ومعه مولى يهديه الطريق ، فقدما على رسول الله بالكتاب فإذا فيه " قد عرفت ما شارطناك عليه من رد من قدم عليك من أبنائنا فابعث إلينا أبا بصير " .
فقال النبي صلى الله عليه وآله : " يا أبا بصير انا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، و لا يصح الغدر منا فان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا فانطلق راشدا " .
قال : " يا رسول الله انهم يفتنوني عن ديني " .

قال صلى الله عليه وآله : " يا أبا بصير انطلق فأن الله سيجعل لك ولمن حولك من المستضعفين فرجا ومخرجا " فودع الرجل رسول الله وانطلق معهما ، حتى إذا كانوا بذي الحليفة جلس إلى جدار ومعه صاحباه .

فقال لأحدهما : " أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر ؟ "
قال : " نعم " قال أبو بصير : " أرنيه " فناوله إياه فاستله أبو بصير ، ثم علاه فإذا هو يتشحط بدمه . ثم هم بالثاني فهرب منه حتى أتى رسول الله ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله والحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه ، وأبو بصير في أثره .

قال صلى الله عليه وآله : " قد رأى هذا ذعرا " فلما انتهى إلى النبي قال له صلى الله عليه وآله : " ويحك ؟ مالك ؟ " قال " ان صاحبك قتل صاحبي وأفلت منه ولم أكد ، واني لمقتول فأغثني يا محمد " فأمنه رسول الله ، وإذا بأبي بصير يدخل متوشحا سيفه يقول :

=> إسحاق وغيره من أهل السير والأخبار وهى من أشهر القضايا نقلناها عن الحلبي في سيرته ( منه قدس ) . راجع : الاستيعاب لابن عبد البر في ترجمة أبى بصير ج 4 / 20 ، الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ط دار الكتاب العربي . ( * )

- ص 185 -


" بأبي أنت وأمي يا رسول الله وفيت ذمتك أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت منهم بديني أن أفتن فيه أو يفتن بي " .
فقال له : " اذهب حيث شئت "
فقال : " يا رسول الله هذا سلب العامري الذي قتلته ، رحله وسيفه فخمسه " .
فقال له صلى الله عليه وآله : " إذا خمسته رأوني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه ولكن شأنك بسلب صاحبك "

وعند ذلك هب أبو بصير إلى محل من طريق تمر به عيرات قريش ، واجتمع إليه جمع من المسلمين المستضعفين الذين كانوا قد احتبسوا بمكة إذ بلغهم خبره ، وان رسول الله صلى الله عليه وآله قال في حقه : " انه مسعر حرب لو كان معه رجال "

فتسللوا حينئذ إليه ، وانفلت أبو جندل بن سهيل ابن عمرو ، وخرج من مكة في سبعين فارسا أسلموا فلحقوا بأبي بصير ، وكرهوا ان يقدموا على رسول الله في تلك المدة - مدة المهادنة - وانضم إليهم ناس من غفار ، وجهينة ، وأسلم ، وطوائف أخر من العرب حتى بلغوا ثلثمائة مقاتل ، فقطعوا مارة قريش ، لا يظفرون بأحد منها الا قتلوه ، ولا مر بهم عير الا أخذوها ، ومنعوا الدخول إلى مكة والخروج منها ، فاضطرت قريش أن تكتب لرسول الله تسأله بالأرحام التي بينه وبينها ، الا آواهم ، وأرسلت أبا سفيان بن حرب في ذلك ، فأبلغه أبو سفيان : " انا أسقطنا هذا الشرط من شروط الهدنة ، فمن جاءك منهم فأمسكه من غير حرج "

وحينئذ كتب رسول الله إلى أبي جندل وأبي بصير ان يقدما عليه ، وان يلحق من معهما من المسلمين بأهليهم ، ولا يتعرضوا لأحد مر بهم من قريش ولا لعيراتهم ، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله عليهما وأبو بصير ( رضي الله عنه ) يموت ، فمات والكتاب في يده ، فدفنه أبو جندل مكانه ، وجعل عند قبره مسجدا ، وقدم أبو جندل على رسول الله صلى الله عليه وآله مع ناس من أصحابه ، ورجع باقيهم إلى أهليهم ، وأمنت قريش على عيراتهم .

- ص 186 -


وحينئذ عرف الصحابة الذين عظم عليهم رد أبي جندل إلى قريش مع أبيه - ان طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله خير مما أحبوه ، وعلموا أن الحكمة كانت في الحديبية توجب الصلح فرضا على التعيين ، وأنه صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى وندموا كل الندم على ما بدر منهم من هناة معترفين بالخطأ ، وقدرت قريش موقفه يومئذ معها في حقن دمائها ، وحسن عواقبها ، وعرفوه صادق الضمير ، مخلص السريرة ودودا مشفقا ، والحمد لله رب العالمين ( 246 ) .

( 246 ) السيرة الحلبية ج 2 / 718 - 721 ، الاستيعاب بهامش الإصابة ج 4 / 20 ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش الحلبية ج 2 / 192 - 193 . وقريب منه في : الكامل لابن الأثير ج 2 / 139 ، الطبقات لابن سعد ج 4 / 134 .

أبو طالب
04-30-2006, 07:56 PM
المورد - ( 18 ) -
[ صلاته صلى الله عليه وآله على " ابن أبى " المنافق ]

وقد عارضه صلى الله عليه وآله بغلظة وعنف ، وحسبك من عنفه يومئذ ما أثبته أهل الصحاح والمسانيد ، وأرسله أهل الأخبار والسير إرسال المسلمات ( 247 ) .

واليك منه ما أخرجه البخاري في كتاب اللباس من صحيحه ( 1 ) بسنده إلى عبد الله بن عمر قال لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه فقال : يا رسول الله

( 247 ) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ج 12 / 87 ط أبو الفضل، الطرائف لابن طاوس ج 2 / 443 عن الجمع بين الصحيحين
( 1 ) في ص 18 من جزئه الرابع ، وأخرجه أيضا في باب قوله تعالى : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) ، من تفسير سورة التوبة ص 92 من الجزء الثالث من الصحيح . ورواه الإمام أحمد وغير واحد من حديث عبد الله بن عمر وغيره في مسانيدهم فراجع ( منه قدس ) ( * ) .

- ص 187 -


أعطني قميصك أكفنه فيه ، وصل عليه واستغفر له ، فأعطاه قميصه ( 1 ) وقال له إذا فرغت منه فآذنا ، فلما فرغ منه آذنه به ، فجاء صلى الله عليه وآله ليصلي عليه ، فجذبه عمر فقال له : أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين ؟ ! فقال لك ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ) .

( قال ابن عمر ) فنزلت ( بعد ذلك ) ( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ ) ( قال ) : فترك الصلاة عليهم بعد نزولها ( 248 ) .

كأن عمر فهم النهي عن الصلاة على المنافقين من قوله تعالى : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) ( الآية ) - وهذا خطأ في فهمها كما سنوضحه - وكأن هذه الآية نزلت قبل الصلاة على هذا المنافق ، فلما رأى عمر رسول الله صلى الله عليه وآله واقفا ليصلي عليه ، توهم انه خالف النهي ، فلم يتمالك من غضبه وإنكاره ، فجذبه من موقفه منكرا عليه ما توهمه من المخالفة .

حاشاه ، وحاشا لله ، ومعاذ الله ونعوذ بالله . فان قوله تعالى : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ) ليس من النهي في شئ ما اصلا ، وانما هو مجرد أخبار بعدم انتفاعهم باستغفاره لهم ، وان استغفاره لهم وان كثر ، وعدم استغفاره لهم بالمرة على حد سواء في عدم المغفرة لهم .

( 1 ) وقد قيل له لم أعطيته قميصك ؟ فقال صلى الله عليه وآله : " ان قميصي لم تغن عنه من الله شيئا ، وأنى أرجوا أن يدخل به في الإسلام خلق كثير " . قلت : وقد حقق الله بذلك رجاءه ( منه قدس ) .
( 248 ) صحيح البخاري ك اللباس ، صحيح البخاري أيضا ك التفسير باب تفسير سورة التوبة ، مسند أحمد عن عبد الله بن عمر ، صحيح مسلم ك صفات المنافقين ج 8 / 120 ، الكامل لابن الأثير ج 2 / 199 ط دار الكتاب العربي . ( * )

- ص 188 -


والأمة مجمعة على ان النهي عن الصلاة على المنافقين انما كان بقوله تعالى : ( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ ) ، وان ذلك انما نزل بعد هذه الواقعة بالاجماع على ان الحديث - حديث ابن عمر الذي تلوناه عليك الآن - بمجرده صريح في ذلك ، فتدبر آخره تجده نصا في تأخره عن هذه الواقعة .

لذلك لم يأبه رسول الله صلى الله عليه وآله لهذه المعارضة ، لكنه وسعها بحلمه العظيم ، وحكمته البالغة جريا على عادته المستمرة ، فلما أكثر عمر عليه واقفا إزاء صدره يمنعه من الصلاة بكلام كنا نربأ بمثله ان يواجه به رسول الله قال صلى الله عليه وآله - من حديث صحيح - : أخر عني يا عمر إني خبرت ، قيل لي : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ) فلو أعلم أني ان زدت على السبعين غفر الله له لزدت ، ثم صلى عليه ، ومشى خلفه وقام على قبره . . ( الحديث ) ( 249 ) .

قلت : جرى صلى الله عليه وآله في صلاته على " ابن أبي " . حسبما اقتضاه يومئذ تكليفه من المعاملة على مقتضى الظاهر ، ولم يكن " ابن أبي " في عداد الكافرين الذين أبوا الدعوة إلى الإسلام فردوها وانما كان ممن أجاب الدعوة في ظاهر حاله ، ونطق بالشهادتين ولم يتظاهر بالردة .

وانما نافق ، ولم يكن حينئذ نهى عن الصلاة على المنافقين كما سمعت فصلى عليه صلى الله عليه وآله جريا على ظاهر حكم

( 249 ) أخرجه بالإسناد إلى عمر كل من البخاري ومسلم والترمذي والإمام أحمد وابن جرير وابن أبى حاتم وابن مردويه وغيرهم فيما نقله المتقى الهندي عنهم جميعا في أول ص 247 من الجزء الأول من كنز العمال . وهو الحديث 4403 من أحاديث الكنز ( منه قدس ) . وراجع : الكامل في التاريخ ج 2 / 199 ط بيروت . ( * )

- ص 189 -


الإسلام ، واستئلافا لقومه الخزرج ، وقد أسلم بذلك منهم ألف رجل ، فكان قميص النبي صلى الله عليه وآله وصلاته هذه مما فتح الله به على المسلمين فتحا مبينا والحمد لله رب العالمين ( 250 ) .

وحينئذ ندم عمر على تسرعه ، وكان بعد ذلك يقول - من حديث له - : أصبت في الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قط ، أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يصلي على عبد الله بن أبي فأخذت بثوبه فقلت له : والله ما أمرك الله بهذا لقد قال الله لك : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ) ( قال ) فقال رسول الله : خيرني ربي فقال : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم فاخترت . . ( الحديث ) ( 251 ) .


( 250 ) وأما الشيعة الإمامية فيرون ان الرسول صلى الله عليه وآله دعا عليه وهى صلاة صورية كما في صحيحة الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام راجع وسائل الشيعة ج 2 ص 770 ، الجواهر ج 13 ص 50 .
( 251 ) أخرجه ابن أبى حاتم من طريق الشعبى عن عمر وهو الحديث 4404 من أحاديث الكنز فراجع هذا والذي قبله في كل من الكنز ومنتخبه المطبوع في هامش مسند الإمام أحمد ( منه قدس ) ( * ) .

khoderboudi
08-11-2006, 12:43 PM
والله مجهود تشكر عليه صراحة وعمل اكثر من جميل

انا واثق انو اخد منك وقت وجهد .