المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الماغوط في حلقة من <أدب السجون>


ronyraneem1
04-22-2006, 07:12 PM
تثير الحلقة الأخيرة من <أدب السجون> مع الشاعر الراحل محمد الماغوط على قناة <الجزيرة> أسئلة عديدة حول طبيعة البرنامج ومادته، وما الذي يعنى بالضبط ببرنامج يحمل عنوان <أدب السجون>. اذ يوحي العنوان أن المقصود هو التوثيق للأدب الذي يتناول تجربة السجن، وهذا يمكن أن نعثر عليه عند كتّاب لم يسبق لهم أن سجنوا، فليس صعباً بالنسبة لكاتب، خصوصاً في بلادنا، العثور على تجارب كهذه بالقرب منه. فهل فكّر القيّمون على البرنامج باستضافة أدباء أبدعوا نصوص السجن من دون أن يكون لهم شرف الدخول إليه؟ أما إذا كانوا ينوون حصراً استضافة أدباء عاشوا التجربة وكتبوا عنها، ومن النادر في الأساس أن لا يكتب المرء تجربة كهذه، فما الذي جاء بالممثل عبد الحكيم قطيفان إلى البرنامج، هو الذي لم يعرف له كلمة مكتوبة في التجربة أو حتى غيرها؟ ثم ألا تستحق تجارب أخرى عظيمة تسليط الضوء عليها حتى لو لم تنتج نصاً إبداعياً، ومنها على سبيل المثال تجربة المعارض السوري رياض الترك المديدة والمفزعة؟ كذلك تثير حلقة الماغوط (وهي من غير شك شديدة التأثير) سؤالاً آخر؛ لماذا يستحق الرجل الذي سُجن في العام 1955 لتسعة أشهر، ثم في العام 1961 لثلاثة أشهر أخرى حلقة كاملة (منفردة!) فيما يُحشر ثلاثة سوريين، سجنوا لفترات تراوحت بين سبع سنوات إلى سبع عشرة سنة، في حلقة واحدة؟ كأن الكاميرا هنا سلطة، سجان آخر يريد أن يتسلق نجومية الماغوط، أو نجومية الممثل قطيفان من قبله ويبقي الآخرين في الظل. ثم إن البرنامج لم يقل إنه مختص بأدب السجون العربية (بل السورية على وجه التحديد، فثلاث حلقات سورية من البرنامج الوليد كادت تجعله سورياً)، فماذا عن ضحايا السجون الإسرائيلية؟ والمعلوم أن البرنامج لو أراد اقتفاء أثر السجناء المعاصرين لما أقفل أبداً، ولعله يكون أطول مسلسل في تاريخ الدراما العربية.
كل ذلك لا يُنقص من روعة الماغوط في الحلقة الخاصة به (من إخراج هالا محمد) والمسماة <إذا تعب قاسيون>، مع ملاحظة أن الحلقة تقترب من صورة برامج الحوارات الثقافية. وإذا تم التعامل معها على هذا الأساس، وغضّ الطرف عن هوية البرنامج الغائمة إلى الآن، وجب تسجيل قدرة الحلقة وذكائها في نواح عديدة، منها موسيقى مارسيل خليفة وقدرتها على مجاراة فجائعية الحكايا التي تروى، مع لمسات حالمة بذهب ذلك الزمان. اذ كانت الموسيقى مع حركة الكاميرا تتماوجان فوق الصور، واللوحات المعلقة في منزل الماغوط، أو فوق أغلفة الكتب، وأسطحة البيوت الدمشقية، التي يعشقها الشاعر مع أنها <تأخذ ولا تعطي> كما يقول. ذلك قبل الوصول إلى بعض الصدمات الصغيرة للكاميرا، والتي لا يمكن تجاوزها؛ ليست كاميرا مُحِبّة تلك التي تقترب من ضيفها لترينا التفاصيل التي لا نريد، ولا يريد، رؤيتها. وظيفة الكاميرا هنا أن تخفي عيوب الضيف، إلا إذا كانت العيوب موضوعاً تريد الكاميرا أن تعالجه، فما بال كاميرا هالا محمد تأخذ الرجل نائماً (نائماً تماماً) نسمع صوت صفيره وشخيره؟ أي مغزى لذلك؟ ما بالها تلتقط الصور الأكثر ترهلاً وشيخوخة، في مقابل مقاطع كلامية للشاعر في غاية الطفولة والشباب؟ لا شك أن هناك معادلة جمالية للتعب والمرض، وقد ساقت الحلقة بالفعل معادِلات جميلة أحياناً، فلمَ لم تكتف بها؛ مثلاً كان لهاث الشاعر، الذي لم ينقطع لحظة خارج صورته، مؤثراً صوتياً بارعاً، صار إيقاعاً يضبط الرؤية، وكذلك تلك اللازمة: صورة لوجه الشاعر بعينين ضائعتين تتطلعان إلى الأعلى، في وضع قد يكون انتظاراً لمن أسماه الشاعر صديقاً: الموت