الناسخ 81
04-26-2006, 04:03 PM
القمر والنور :
كثيراً ما تدور في المجالس جدالات بين الآباء والأبناء حول القمر ،
هل هو نور بذاته أم أن نوره من ضياء الشمس ؟
وهل صحيح ما تنشره محطات البث أن الإنسان تمكن من الهبوط على سطح القمر ؟
وترى القسم المثقف يعيش في صراع فكري حول هذا الأمر ، فهو في جلساته مع أهل العلم المعاصر يقر بما أثبته العلم الحديث ، وفي جلساته مع بعض الآباء رجال الدين تراه ينكر ذلك أو يقف موقف الصامت الذي تقرأ في عينيه الحيرة نظراً للموروث الروحي .
وكي لايتهمنا البعض بفرض الرأي الذي لاسند له حول هذا الموضوع سنقوم بترتيل وقراءة الآيات القرآنية التي تناولته والتي ستجلوا لنا الأمر بعون الله سبحانه ، يقول الله تبارك وتعالى في الذكر الحكيم :
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس:5) ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً) (نوح:15+16) إن كلمة جعل الواردة في الآيتين السابقتين تدل على أن كل من الشمس والقمرلم يكونا منذ بدء التكوين كما هما عليه الآن فقد خلقهما الله سبحانه ثم جعل كل منهما بالصفة التي نعرفها حالياً ، ثم إن الشيء المجعول هو شيء مخلوق بذاته وصفاته هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن حادثتي الكسوف والخسوف اللتان تجريان على هاتين الآيتين تدلان على ما يلي :
1. حالة الخسوف القمري : يقول العلم الحديث بأنّ ذلك سببه وقوع الشمس والأرض والقمر على محور واحد بحيث تكون الأرض بينهما فيحجب جرم الأرض ضوء الشّمس عن القمر وهذا يدفع كون القمر منيراً بذاته إذ لو كان كذلك لبدا نوره لنا بشكل أوضح وأجلى في مثل تلك الحالة .
2. حالة الكسوف الشّمسي : يقول العلم بأنّ ذلك سببه وقوع الشّمس والقمر والأرض على محور واحد بحيث يكون القمر بينهما والنّتيجة التّي نستخلصها من ذلك هي أنّه لو كان القمر منيراً بذاته لازداد إنارة بالنّسبة إلينا أهل الأرض بسبب إضافة ضياء الشّمس إليه ، بينما نرى عكس ذلك حتّى أنّنا لا نستطيع رؤية القمر إلاّ بعد انتهاء الكسوف وتلك من الشّواهد الواقعية التّي يقرّها العيان والعقل ، هل هناك من شواهد في كتاب اللّه سبحانه تؤيّد ما ذهب إليه العلم الحديث ،
نقول نعم فالآية التّالية لتؤكد ذلك، يقول تعالى :
( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا) (الشمس:1+2) إنّ كلمة تلاها في هذه الآية ستجلوا الحقيقة دون لبس ، فما الذي تعنيه هذه الكلمة ؟
قد يقول البعض بأنها تعني " جاء بعدها " ولكن الأمر ليس كذلك ولتوضيح الأمر سنقوم بترتيل وقراءة الآيات التالية ، يقول تعالى :
( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يّـس:40) لقد عبّر الذكر الحكيم عن العلاقة المسافية بين الشّمس والقمر بكلمة " تدرك " وإدراك الشيء هو اللّحاق به ومطابقته .
فأنت عندما تقول : لقد أدركت فلاناً بنظري فإنّك تعني أنّك شاهدته وبصرك طابقه ووقع عليه لذلك يقول الحقّ عزّ وجلّ عن نفسه :
( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام:103) وعندما تكون ماشياً في طريق ويلحق بك أحد من النّاس ثم تصبح أنت وهو على سوّية واحدة بإمكانك القول : لقد أدركني فلاناً أي لحق بي ، ولذلك ترى الذّكر الحكيم عندما يتحدث عن فرعون عند إطباق البحر عليه يستعمل كلمة أدركه ، يقول تعالى :
( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس:90) إذاً : فالإدراك يعني المقاربة والمطابقة أو الإحاطة ، وقد يكون بصرّياً أو سمعيّاً أو حسيّاً أو عقليّاً أو حركياً أو طباقاً
( مطابقة ذات لذات ) .
والله سبحانه يقول أنّ الشّمس لا تدرك القمر لأنّ كلّ منهما يسبح في فلك خاص به ، وهذا في علم الريّاضيات يُسمّى " المستويات " بينما عندما تتمّ الحركة على مستو واحد كما اللّيل والنّهار ، ترى الذّكر الحكيم يستعمل كلمة " سبق أو تبع " ، يقول تعالى :
( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَة * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) (النازعـات:6+7) أي تأتي بعدها .
إذاً : فعدم إدراك الشّمس للقمر لا يعني عدم إحاطتها به كما ذهب البعض في ذلك ولا يعني أنّها تجري بعده في قبّة السّماء وليس لها أن تلحق به " تدركه " . إذ لو ذهبنا هذا المذهب لحدث تناقض في مفهوم الآيتين
(( لا الشّمس ينبغي لها أن تدرك القمر )) ـ (( والقمر إذا تلاها ....)) .
جلّ الحكيم العليم عن ذلك .
فالآية الأولى في مثل هذا التّأويل تُشير إلى أن الشّمس تتبع القمر ، والآية الثّانية تُشير إلى أنّ القمر يتبع الشّمس ، كما أننا لو سلّمنا أنّ كلمة تلاها تعني أتى بعدها فهذا يعني أنّ هذا القانون غير قابل للنّقص لأنّ الذّي يخبرنا به هو الحقّ سبحانه في كتابه العزيز ، فهل حقيقةً كما نشاهده نحن أهل الأرض أنّ القمر يأتي بعد الشّمس دائماً ، إن القمر في الثّلث الأخير من الشّهر الهلالي يسبق الشمس في الظهور في قبة السّماء هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنّ القمر في حالة الخسوف يكون هو والشّمس على سوية واحدة " محور واحد " بالنّسبة لنا أهل الأرض .
إذا : التّناقص ليس في الآيات التّي أوردت ذلك ، جلّّ المبدع العليم عن ذلك وإنّما فيما ذهبنا إليه في فهمها وعندما فسّرنا " تلاها " بمعنى" أتى بعدها " .
يقول تعالى :
( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ )(الأنعام: من الآية151)
إن كلمة أتل هنا تعني : أخبركم وأسمعكم
( وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (النمل:92) وأتلو هنا : خطاب للنبي ( ص ) لإبلاغ الآيات القرآنية المنزلة عليه وإسماعها للناس .
( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44) وهذا خطاب لبني إسرائيل ـ يتضح من خلال الآية السابقة لهذه الآية ـ الذين كانوا يسمعون الناس الشواهد التي تدعوا إلى البر من كتاب التوراة ومع كل هذا لم يكونوا يطبقون ما يسمعونه للناس على أنفسهم .
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
(البقرة:121) وهذه الآية كذلك تتحدث عن قسم من بني إسرائيل الذين كانوا يبلغون التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام دون تحريف بزيادة أو نقصان إذ أن جملة ( حقّ تلاوته ) الواردة في هذه الآية تؤكد ذلك .
وبما أنه هناك تلاوة حقة فإنه توجد كذلك تلاوة غير حقة ( تلاوة محرفة ) وهذا ما حدث في بني إسرائيل إذ كان قسم منهم يحرفون التوراة عن قصد حسب أهوائهم ويبلغونها للناس على أنها هي التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام والآيات التالية تشير إلى ذلك ، يقول تعالى :
( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) (الأنعام:91) ( أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:75) ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
(المائدة:41) ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:13) فالتلاوة غير الحقة : هي أن تبلغ الناس أو تسمعهم أمراً ليس كما هو عليه حقيقة وإنما تزيد أو تنقص فيه عند إبلاغه .
والتلاوة لا تكون إلاّ بين شيئين أو أكثر مع توفر ما يلي :
الشيء المتلى ـ الشيء التالي ـ الشيء المتلو عليه
والتلاوة قد تكون بالنطق وإسماع المتلو عليهم وقد تكون غير ذلك ولنضرب بعض الأمثلة :
التلاوة بالنطق :
كأن تأخذ كتاباً وتنظر في كلماته وتنطقها على مسامع الحضور .
التلاوة بالنظر :
كأن تقوم بتصوير مجريات حدث ما بواسطة كاميرة فيديو ثم تقوم بعرض مجريات هذا الحدث على جهاز التلفاز لأناس لم يحضروا هذا الحدث .
التلاوة بالنور :
كأن تنظر إلى الشمس بواسطة مرآة تعكس لك ضياء الشمس أو تنظر إلى صورتك في المرآة ، فالمرآة هنا قد قامت بتلاوة صورتك على عينيك .
أمثلة عن التلاوة غير الحقة :
ـ أن يجيئك أحد من الناس يحمل كتاباً إليك من أحد الأشخاص ويقوم بإسماعك فحواه بعد حذف أو إضافة مقاطع من قبله عليه .
ـ أن تنظر إلى صورتك بواسطة مرآة مكبرة أو مصغرة أو مشوهة ( مكسّرة ) ففي هذه الحالة ستقوم المرآة بتلاوة صورتك على عينيك لا كما هي على الحقيقة .
وهكذا نرى أن الأمثلة على التلاوة الحقة وغير الحقة كثيرة ومتنوعة ولا تتحقق إلاّ بتوفر الشروط التي ذكرناها . والآن وبعد هذا الإسهاب في الشرح هل يا ترى قد اتضح لنا المعنى من الآية :
( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا) (الشمس:1+2) نقول بعون الله وتوفيقه نعم ، فالمتلو هي الشمس والتالي هو القمر والمتلو عليهم هم كل من يستنيرون من تلك التلاوة وخصوصاً نحن أهل الأرض ، فالقمر يتلو( يعكس ) علينا ضياء الشمس الواقع عليه وهذا ما يسمى ( النور ) ، فالنور في عالم الشهادة هو تلاوة للضياء ( عكوسات الضياء ) وبالتالي فالقمر نوره من الشمس وليس من ذاته .
هل هناك من دليل قرآني آخر يؤكد على أن النور عكوسات الضياء ؟
نقول نعم إنه في الآية القرآنية التالية :
( كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)
(البقرة: من الآية17)
لقد سمى التنزيل الحكيم عملية نقل المشاهد التي تراها العين من خلال انعكاس الضوء على سطوح الأشياء وسقوطه على العين التي تقوم بدورها بنقله إلى المخ عبر العصب البصري على شكل سيالة أو ذبذبات يقوم الدماغ بتفسيرها أقول لقد أسماها ( نوراً ) ، ولكن الذي حدث أن من ضرب فيهم هذا المثل قد صاروا عميّاً لا يبصرون رغم وجود النار وإضاءتها للأشياء التي حولهم ، فقد تم قطع الرابطة بين العين والدماغ لديهم الذي هو العصب البصري فكانت النتيجة العمى . لقد مثلت العين هنا دور القمر في نقل الضياء أو صور الأشياء من الواقع إلى الدماغ ،
والخلاصة : إن القمر جرم مادي غير منير بذاته ,وإنما نوره ناتج عن انعكاس ضياء الشمس على سطحه وهذا حكم يسري على كل الأجرام التي تعكس ضياء غيرها والتي تسمى في الحالة العامة ( الكواكب )
والقمر مثاله في كون البشر هو النفس الإنسانية بمراحلها وارتقائها فهي عندما تدبر عن مرتبتها العليا التي هي اللب والذي هو مركز نداء الفطرة الذي يمثل ( المصباح ) تصبح مظلمة وعندما تقبل عليه
( تأتمر به ) تزداد نوراً إلى أن تصل إلى درجة الاطمئنان ( الإبدار ) حيث تكون في مثل هذه الحالة تتلو نداء الفطرة على منازلها وجنودها وأدواتها ومحيطها ( تلاوة حقة ) .
وقبل ختام هذا البحث لابد لنا من التنويه إلى بعض المعاني التي تشير إليها الآيتان القرآنيتان التاليتان ، يقول تعالى :
( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً)
(نوح:15+16) لقد تمكن العلم الحديث من قياس المسافة بين الأرض وكل من الشمس والقمر حيث أن القمر وهو الجار الأقرب لنا يبعد عن الأرض مسافة مقدارها ( 300 ) ألف كم والشمس تبعد عن الأرض مسافة مقدارها
( 180 ) مليون كم ، والله سبحانه يخبرنا أنه جعل القمر نوراً في السماوات السبع والشمس ضياء فيهن
ومن خلال ذلك نستنتج أن البعد بين سماء وسماء تعلوها ليس بعد امتدادي يفصل بينهما بل بعد انفهاقي
في الشيء الواحد يتدرج من السطح إلى العمق، أو كما يقال غلاف في جوف غلاف .
وفوق كلّ ذي علم عليم
كثيراً ما تدور في المجالس جدالات بين الآباء والأبناء حول القمر ،
هل هو نور بذاته أم أن نوره من ضياء الشمس ؟
وهل صحيح ما تنشره محطات البث أن الإنسان تمكن من الهبوط على سطح القمر ؟
وترى القسم المثقف يعيش في صراع فكري حول هذا الأمر ، فهو في جلساته مع أهل العلم المعاصر يقر بما أثبته العلم الحديث ، وفي جلساته مع بعض الآباء رجال الدين تراه ينكر ذلك أو يقف موقف الصامت الذي تقرأ في عينيه الحيرة نظراً للموروث الروحي .
وكي لايتهمنا البعض بفرض الرأي الذي لاسند له حول هذا الموضوع سنقوم بترتيل وقراءة الآيات القرآنية التي تناولته والتي ستجلوا لنا الأمر بعون الله سبحانه ، يقول الله تبارك وتعالى في الذكر الحكيم :
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس:5) ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً) (نوح:15+16) إن كلمة جعل الواردة في الآيتين السابقتين تدل على أن كل من الشمس والقمرلم يكونا منذ بدء التكوين كما هما عليه الآن فقد خلقهما الله سبحانه ثم جعل كل منهما بالصفة التي نعرفها حالياً ، ثم إن الشيء المجعول هو شيء مخلوق بذاته وصفاته هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن حادثتي الكسوف والخسوف اللتان تجريان على هاتين الآيتين تدلان على ما يلي :
1. حالة الخسوف القمري : يقول العلم الحديث بأنّ ذلك سببه وقوع الشمس والأرض والقمر على محور واحد بحيث تكون الأرض بينهما فيحجب جرم الأرض ضوء الشّمس عن القمر وهذا يدفع كون القمر منيراً بذاته إذ لو كان كذلك لبدا نوره لنا بشكل أوضح وأجلى في مثل تلك الحالة .
2. حالة الكسوف الشّمسي : يقول العلم بأنّ ذلك سببه وقوع الشّمس والقمر والأرض على محور واحد بحيث يكون القمر بينهما والنّتيجة التّي نستخلصها من ذلك هي أنّه لو كان القمر منيراً بذاته لازداد إنارة بالنّسبة إلينا أهل الأرض بسبب إضافة ضياء الشّمس إليه ، بينما نرى عكس ذلك حتّى أنّنا لا نستطيع رؤية القمر إلاّ بعد انتهاء الكسوف وتلك من الشّواهد الواقعية التّي يقرّها العيان والعقل ، هل هناك من شواهد في كتاب اللّه سبحانه تؤيّد ما ذهب إليه العلم الحديث ،
نقول نعم فالآية التّالية لتؤكد ذلك، يقول تعالى :
( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا) (الشمس:1+2) إنّ كلمة تلاها في هذه الآية ستجلوا الحقيقة دون لبس ، فما الذي تعنيه هذه الكلمة ؟
قد يقول البعض بأنها تعني " جاء بعدها " ولكن الأمر ليس كذلك ولتوضيح الأمر سنقوم بترتيل وقراءة الآيات التالية ، يقول تعالى :
( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يّـس:40) لقد عبّر الذكر الحكيم عن العلاقة المسافية بين الشّمس والقمر بكلمة " تدرك " وإدراك الشيء هو اللّحاق به ومطابقته .
فأنت عندما تقول : لقد أدركت فلاناً بنظري فإنّك تعني أنّك شاهدته وبصرك طابقه ووقع عليه لذلك يقول الحقّ عزّ وجلّ عن نفسه :
( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام:103) وعندما تكون ماشياً في طريق ويلحق بك أحد من النّاس ثم تصبح أنت وهو على سوّية واحدة بإمكانك القول : لقد أدركني فلاناً أي لحق بي ، ولذلك ترى الذّكر الحكيم عندما يتحدث عن فرعون عند إطباق البحر عليه يستعمل كلمة أدركه ، يقول تعالى :
( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس:90) إذاً : فالإدراك يعني المقاربة والمطابقة أو الإحاطة ، وقد يكون بصرّياً أو سمعيّاً أو حسيّاً أو عقليّاً أو حركياً أو طباقاً
( مطابقة ذات لذات ) .
والله سبحانه يقول أنّ الشّمس لا تدرك القمر لأنّ كلّ منهما يسبح في فلك خاص به ، وهذا في علم الريّاضيات يُسمّى " المستويات " بينما عندما تتمّ الحركة على مستو واحد كما اللّيل والنّهار ، ترى الذّكر الحكيم يستعمل كلمة " سبق أو تبع " ، يقول تعالى :
( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَة * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) (النازعـات:6+7) أي تأتي بعدها .
إذاً : فعدم إدراك الشّمس للقمر لا يعني عدم إحاطتها به كما ذهب البعض في ذلك ولا يعني أنّها تجري بعده في قبّة السّماء وليس لها أن تلحق به " تدركه " . إذ لو ذهبنا هذا المذهب لحدث تناقض في مفهوم الآيتين
(( لا الشّمس ينبغي لها أن تدرك القمر )) ـ (( والقمر إذا تلاها ....)) .
جلّ الحكيم العليم عن ذلك .
فالآية الأولى في مثل هذا التّأويل تُشير إلى أن الشّمس تتبع القمر ، والآية الثّانية تُشير إلى أنّ القمر يتبع الشّمس ، كما أننا لو سلّمنا أنّ كلمة تلاها تعني أتى بعدها فهذا يعني أنّ هذا القانون غير قابل للنّقص لأنّ الذّي يخبرنا به هو الحقّ سبحانه في كتابه العزيز ، فهل حقيقةً كما نشاهده نحن أهل الأرض أنّ القمر يأتي بعد الشّمس دائماً ، إن القمر في الثّلث الأخير من الشّهر الهلالي يسبق الشمس في الظهور في قبة السّماء هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنّ القمر في حالة الخسوف يكون هو والشّمس على سوية واحدة " محور واحد " بالنّسبة لنا أهل الأرض .
إذا : التّناقص ليس في الآيات التّي أوردت ذلك ، جلّّ المبدع العليم عن ذلك وإنّما فيما ذهبنا إليه في فهمها وعندما فسّرنا " تلاها " بمعنى" أتى بعدها " .
يقول تعالى :
( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ )(الأنعام: من الآية151)
إن كلمة أتل هنا تعني : أخبركم وأسمعكم
( وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (النمل:92) وأتلو هنا : خطاب للنبي ( ص ) لإبلاغ الآيات القرآنية المنزلة عليه وإسماعها للناس .
( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44) وهذا خطاب لبني إسرائيل ـ يتضح من خلال الآية السابقة لهذه الآية ـ الذين كانوا يسمعون الناس الشواهد التي تدعوا إلى البر من كتاب التوراة ومع كل هذا لم يكونوا يطبقون ما يسمعونه للناس على أنفسهم .
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
(البقرة:121) وهذه الآية كذلك تتحدث عن قسم من بني إسرائيل الذين كانوا يبلغون التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام دون تحريف بزيادة أو نقصان إذ أن جملة ( حقّ تلاوته ) الواردة في هذه الآية تؤكد ذلك .
وبما أنه هناك تلاوة حقة فإنه توجد كذلك تلاوة غير حقة ( تلاوة محرفة ) وهذا ما حدث في بني إسرائيل إذ كان قسم منهم يحرفون التوراة عن قصد حسب أهوائهم ويبلغونها للناس على أنها هي التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام والآيات التالية تشير إلى ذلك ، يقول تعالى :
( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) (الأنعام:91) ( أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:75) ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
(المائدة:41) ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:13) فالتلاوة غير الحقة : هي أن تبلغ الناس أو تسمعهم أمراً ليس كما هو عليه حقيقة وإنما تزيد أو تنقص فيه عند إبلاغه .
والتلاوة لا تكون إلاّ بين شيئين أو أكثر مع توفر ما يلي :
الشيء المتلى ـ الشيء التالي ـ الشيء المتلو عليه
والتلاوة قد تكون بالنطق وإسماع المتلو عليهم وقد تكون غير ذلك ولنضرب بعض الأمثلة :
التلاوة بالنطق :
كأن تأخذ كتاباً وتنظر في كلماته وتنطقها على مسامع الحضور .
التلاوة بالنظر :
كأن تقوم بتصوير مجريات حدث ما بواسطة كاميرة فيديو ثم تقوم بعرض مجريات هذا الحدث على جهاز التلفاز لأناس لم يحضروا هذا الحدث .
التلاوة بالنور :
كأن تنظر إلى الشمس بواسطة مرآة تعكس لك ضياء الشمس أو تنظر إلى صورتك في المرآة ، فالمرآة هنا قد قامت بتلاوة صورتك على عينيك .
أمثلة عن التلاوة غير الحقة :
ـ أن يجيئك أحد من الناس يحمل كتاباً إليك من أحد الأشخاص ويقوم بإسماعك فحواه بعد حذف أو إضافة مقاطع من قبله عليه .
ـ أن تنظر إلى صورتك بواسطة مرآة مكبرة أو مصغرة أو مشوهة ( مكسّرة ) ففي هذه الحالة ستقوم المرآة بتلاوة صورتك على عينيك لا كما هي على الحقيقة .
وهكذا نرى أن الأمثلة على التلاوة الحقة وغير الحقة كثيرة ومتنوعة ولا تتحقق إلاّ بتوفر الشروط التي ذكرناها . والآن وبعد هذا الإسهاب في الشرح هل يا ترى قد اتضح لنا المعنى من الآية :
( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا) (الشمس:1+2) نقول بعون الله وتوفيقه نعم ، فالمتلو هي الشمس والتالي هو القمر والمتلو عليهم هم كل من يستنيرون من تلك التلاوة وخصوصاً نحن أهل الأرض ، فالقمر يتلو( يعكس ) علينا ضياء الشمس الواقع عليه وهذا ما يسمى ( النور ) ، فالنور في عالم الشهادة هو تلاوة للضياء ( عكوسات الضياء ) وبالتالي فالقمر نوره من الشمس وليس من ذاته .
هل هناك من دليل قرآني آخر يؤكد على أن النور عكوسات الضياء ؟
نقول نعم إنه في الآية القرآنية التالية :
( كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)
(البقرة: من الآية17)
لقد سمى التنزيل الحكيم عملية نقل المشاهد التي تراها العين من خلال انعكاس الضوء على سطوح الأشياء وسقوطه على العين التي تقوم بدورها بنقله إلى المخ عبر العصب البصري على شكل سيالة أو ذبذبات يقوم الدماغ بتفسيرها أقول لقد أسماها ( نوراً ) ، ولكن الذي حدث أن من ضرب فيهم هذا المثل قد صاروا عميّاً لا يبصرون رغم وجود النار وإضاءتها للأشياء التي حولهم ، فقد تم قطع الرابطة بين العين والدماغ لديهم الذي هو العصب البصري فكانت النتيجة العمى . لقد مثلت العين هنا دور القمر في نقل الضياء أو صور الأشياء من الواقع إلى الدماغ ،
والخلاصة : إن القمر جرم مادي غير منير بذاته ,وإنما نوره ناتج عن انعكاس ضياء الشمس على سطحه وهذا حكم يسري على كل الأجرام التي تعكس ضياء غيرها والتي تسمى في الحالة العامة ( الكواكب )
والقمر مثاله في كون البشر هو النفس الإنسانية بمراحلها وارتقائها فهي عندما تدبر عن مرتبتها العليا التي هي اللب والذي هو مركز نداء الفطرة الذي يمثل ( المصباح ) تصبح مظلمة وعندما تقبل عليه
( تأتمر به ) تزداد نوراً إلى أن تصل إلى درجة الاطمئنان ( الإبدار ) حيث تكون في مثل هذه الحالة تتلو نداء الفطرة على منازلها وجنودها وأدواتها ومحيطها ( تلاوة حقة ) .
وقبل ختام هذا البحث لابد لنا من التنويه إلى بعض المعاني التي تشير إليها الآيتان القرآنيتان التاليتان ، يقول تعالى :
( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً)
(نوح:15+16) لقد تمكن العلم الحديث من قياس المسافة بين الأرض وكل من الشمس والقمر حيث أن القمر وهو الجار الأقرب لنا يبعد عن الأرض مسافة مقدارها ( 300 ) ألف كم والشمس تبعد عن الأرض مسافة مقدارها
( 180 ) مليون كم ، والله سبحانه يخبرنا أنه جعل القمر نوراً في السماوات السبع والشمس ضياء فيهن
ومن خلال ذلك نستنتج أن البعد بين سماء وسماء تعلوها ليس بعد امتدادي يفصل بينهما بل بعد انفهاقي
في الشيء الواحد يتدرج من السطح إلى العمق، أو كما يقال غلاف في جوف غلاف .
وفوق كلّ ذي علم عليم